fbpx

كانت لنا بلدة اسمها سلقين… جرفها الزلزال

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

معظم أهالي سلقين لم يستطيعوا العودة إلى منازلهم حتى الآن خوفاً من تكرار السيناريو ذاته في الأيام المقبلة، لا سيما أن المنطقة لا تزال تشهد هزات ارتدادية بين ساعة وأخرى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعدما أمضيت في المنزل نحو عامين، وقبلهما 9 سنوات متنقلاً بين القرى والبلدات هرباً بعائلتي من الموت والحرب، عدت نازحاً بلا مأوى أمضي يومي مع عائلتي في السيارة، ومساءً نبحث عمن نبيت عنده حتى الصباح. 

فلنعد قليلاً إلى الوراء، وتحديداً الى 6 شباط/ فبراير الساعة 3:17 فجراً… تصفحت كالعادة هاتفي عند الواحدة ليلاً واستسلمت لنوم عميق، مستغلاً برودة الجو وصوت المطر، إلى أن صحوت على صوت مخيف متأرجح بين الشرق والغرب ليعلو صوت زوجتي “يا الله البيت نزل علينا”. وعلى رغم أنني أسكن في منزلي منذ عامين وحفظته عن ظهر قلب، لم أعرف حينها طريق الدرج المؤدي الى خارج البناية. ولأكثر من 30 ثانية، ركضت أنا وزوجتي وسط المنزل نتساءل: ماذا سنُخرج معنا، هواتفنا أم الكمبيوتر؟ هل وضعنا على أنفسنا لباساً يسترنا؟ لا أعلم كيف أصبحتُ على باب البناية، ووسط زحمة الجيران بالخروج سقطت إحدى العضاضات على الباب ليحاصرنا الموت تحت ما يسقط أمام الباب، أو الموت تحت ركام البناية. وبعد ذهول وارتباك، خرجنا من البناية على صوت تكسّر أحجار البناء، التي وصلت على بعد 10 أمتار من باب البناية الرئيس، الأرض تهتز تحت أقدام مئات السكان وكأننا نقف جميعاً على صفيح متحرك بشدة، الى درجة أنهم في غالبيتهم سقطوا أرضاً ولم يستطيعوا الوقوف، فيما تعلو أصوات النساء وبكاء الأطفال، ويتساقط مطر غزير لا يقينا منه شيء  سوى ملابس النوم الرقيقة، بأقدام وسط صوت الرعد المخيف والبرق، فلم نعد نميزّ الأصوات من بعضها، إذ سيطر الخوف علينا ولا شيء غير الخوف. 

وبعد مضي نحو دقيقة من الاهتزاز الشديد، ظننت أن كل شيء عاد الى طبيعته، لأهمّ بالعودة الى المنزل، وفجأة اهتزت الأرض مجدداً  مع صوت مخيف اندلع فجأة. أسئلة كثيرة دارت في رأسي حينها حول ما يحدث. في هذا الوقت، سقطت بقربنا بناية من 20 منزلاً يقطنها أكثر من 100 شخص، وعلى مقربة مني علا صوت إحدى الجارات “إبني (14 سنة) مات دخيلكم الحقوني بسيارة”، إذ كان في طريقه للخروج من المبنى حين سقطت على رأسه قطعة حجر خرسانية كانت كفيلة بإنهاء حياته فوراً، ليكون أولى ضحايا الزلزال العنيف الذي ضرب منطقة شمال غربي سوريا. 

يقدَّر عدد الأبنية التي سقطت في مدينة سلقين الواقعة في منطقة حارم غرب محافظة إدلب، بنحو 30 برجاً سكنياً، يحوي كل واحد منها بين 10-12 شقة سكنية تعيش فيها عائلة أو عائلتان، لا سيما أن المدينة كانت مقصداً للنازحين من ريف إدلب الجنوبي ومحافظة حماة، وهؤلاء كانوا فروا من نيران الحرب بحثاً عن حياة هادئة. 

“ما حدث في المدينة الصغيرة أشبه بكابوس ستبقى ذكراه في النفوس الى الأبد”

لم يتوقف الأمر على الأبراج السكنية، فعدد المنازل المنفردة التي سقطت في المدينة، يقدَّر بنحو 20 منزلاً يضم الواحد منها أسرة أو أسرتين، اختلطت فيها دماء الضحايا من النازحين والمقيمين. 

ومنذ الساعة الأولى للزلزال، والناس في بحث مستمر عن أحباء ناجين تحت أكوام كبيرة من الركام، في ظل برد قارس وتساقط أمطار غزيرة، لا يملكون سوى أيد ترتجف من البرد وقلوب ممتلئة بحزن قاتل. 

وحتى الآن، وصل عدد القتلى والمصابين نتيجة الزلزال، في شمال غربي سوريا، الى الآلاف، فيما الرقم مرجّح للارتفاع في كل دقيقة، نظراً الى العدد الكبير للأشخاص المفقودين تحت الأنقاض.

وعلى رغم وجود مستشفيين في مدينة سلقين، إلا أن طاقة الكوادر الطبية لم تستطع تغطية ربع حجم الكارثة، إذ وصلت الطاقة الاستيعابية للمستشفيات إلى أقصاها، واكتظّت غرف الإسعاف بالمصابين، ناهيك بالجثث غير معروفة الهوية. 

ومنذ وقوع الزلزال، لم تتوقف سيارات الإسعاف في مدينة سلقين عن نقل المصابين والضحايا إلى المستشفيات، التي استعانت بكوادر من مناطق أخرى، كما تم تفعيل خط تحويل إسعافي بين مستشفيات المدينة وتلك الموجودة في المحافظات. لكن، نظراً الى مشقة العمل وعقباته والنقص في الآليات واللوجستيات اللازمة للبحث والإنقاذ،  فإن عمليات الإنقاذ والبحث لا تسير بالشكل المطلوب والسرعة المبتغاة لإنقاذ الأحياء الذين ما زالوا تحت الركام. 

يقول سليم أبو أمجد، من سكان سلقين، إن “ما حدث في المدينة الصغيرة أشبه بكابوس ستبقى ذكراه في النفوس الى الأبد، فما من شخص إلا وفقد عزيزاً، إما أخ أو ابن أو أب أو صديق. أما أنا، فقد فقدت أشقائي الثلاثة وأبناءهم، فيما لا أزال أنتظر مصير ابنتي وزوجها اللذين ما زالا تحت الأنقاض، فبأي كلمات أواسي زوجتي المفجوعة بفلذات كبدها؟”.

تخفي أم ياسر دموعها تحت منديلها حزناً على أبيها وأشقائها الـ7، الذين قُتلوا في الزلزال، وتقول “من شدة تعلق أبي بإخوتي أسكنهم معه في البناء نفسه الذي تحول الى أنقاض بلحظة، وها نحن نمني أنفسنا لعل أحدهم يخرج سالماً حتى وإن كان مكسّر العظام، المهم أن يخرج سالماً من بين الركام”.

حال سليم و أم ياسر هي حال الآلاف من سكان مدينة سلقين في أحياء العجمي والقصور والسوق وطريق العلاني، التي أُغلقت الطرق المؤدية إليها بسبب الركام الهائل الناتج من الأبنية المتساقطة من الزلزال، الذي تسبب أيضاً بقطع الكهرباء والاتصالات بشكل نهائي، حتى التغطية الخليوية التركية لم تعد متاحة، مما سبب حالة نفسية صعبة للأهالي من جهة، ومحبيهم القاطنين خارج سوريا من جهة أخرى. 

معظم أهالي سلقين لم يستطيعوا العودة إلى منازلهم حتى الآن خوفاً من تكرار السيناريو ذاته في الأيام المقبلة، لا سيما أن المنطقة لا تزال تشهد هزات ارتدادية بين ساعة وأخرى، مسببةً تصدّع منازل كثيرة، ما جعلها عرضة للسقوط كحال منزل مروان العلي الذي سقط بعد الزلزال بنحو 6 ساعات.

يقطن الأهالي مع أطفالهم حالياً، بين أشجار الزيتون المحيطة بالمدينة، والتي تشتهر بها وكانت مصدر رزق سكانها، رافضين العودة إلى منازلهم التي باتت أشبه بقبور، وفق ما يقول العم أبو صالح ( 73 سنة)، إذ لا يتذكر أن حدثاً كهذا حلّ بمدينتهم طوال سني عمره. 

وحتى اللحظة، لا تستطيع الأجهزة المختلفة من مستشفيات أو دفاع مدني وغيرها التحدث عن إحصاء نهائي للضحايا في مدينة سلقين لوحدها، بسبب الأعداد الهائلة للمفقودين تحت الأنقاض، في حين فقدت المدينة عدداً من الأطباء والصيادلة، من أبرزهم الطبيبان بسام الوسوف وعبد المعطي الجابر. كما نعى الصحافيون في المدينة زميلهم عمار الأسود الذي قضى هو وزوجته، ولا يزال البحث مستمراً عن جثتيهما. 

سلطان الحسيني - كاتب لبناني | 13.07.2024

“مطار غزة” …عن محو السيادة الفلسطينيّة على المعابر

تاريخ إقصاء منافذ النقل والانتقال من غزة وإليها، ومحو معالم السيادة الفلسطينية، يعود إلى ما قبل عملية "طوفان الأقصى" و"ميناء غزة العائم"، ولعلّ إنشاء "مطار غزة الدولي" ثم تدميره على مدار سنوات حتى إخراجه الكامل عن الخدمة، يمثل نموذجاً معبراً عن أزمة عميقة في فهم عمليات السلام السابقة أو المحتملة.
08.02.2023
زمن القراءة: 5 minutes

معظم أهالي سلقين لم يستطيعوا العودة إلى منازلهم حتى الآن خوفاً من تكرار السيناريو ذاته في الأيام المقبلة، لا سيما أن المنطقة لا تزال تشهد هزات ارتدادية بين ساعة وأخرى.

بعدما أمضيت في المنزل نحو عامين، وقبلهما 9 سنوات متنقلاً بين القرى والبلدات هرباً بعائلتي من الموت والحرب، عدت نازحاً بلا مأوى أمضي يومي مع عائلتي في السيارة، ومساءً نبحث عمن نبيت عنده حتى الصباح. 

فلنعد قليلاً إلى الوراء، وتحديداً الى 6 شباط/ فبراير الساعة 3:17 فجراً… تصفحت كالعادة هاتفي عند الواحدة ليلاً واستسلمت لنوم عميق، مستغلاً برودة الجو وصوت المطر، إلى أن صحوت على صوت مخيف متأرجح بين الشرق والغرب ليعلو صوت زوجتي “يا الله البيت نزل علينا”. وعلى رغم أنني أسكن في منزلي منذ عامين وحفظته عن ظهر قلب، لم أعرف حينها طريق الدرج المؤدي الى خارج البناية. ولأكثر من 30 ثانية، ركضت أنا وزوجتي وسط المنزل نتساءل: ماذا سنُخرج معنا، هواتفنا أم الكمبيوتر؟ هل وضعنا على أنفسنا لباساً يسترنا؟ لا أعلم كيف أصبحتُ على باب البناية، ووسط زحمة الجيران بالخروج سقطت إحدى العضاضات على الباب ليحاصرنا الموت تحت ما يسقط أمام الباب، أو الموت تحت ركام البناية. وبعد ذهول وارتباك، خرجنا من البناية على صوت تكسّر أحجار البناء، التي وصلت على بعد 10 أمتار من باب البناية الرئيس، الأرض تهتز تحت أقدام مئات السكان وكأننا نقف جميعاً على صفيح متحرك بشدة، الى درجة أنهم في غالبيتهم سقطوا أرضاً ولم يستطيعوا الوقوف، فيما تعلو أصوات النساء وبكاء الأطفال، ويتساقط مطر غزير لا يقينا منه شيء  سوى ملابس النوم الرقيقة، بأقدام وسط صوت الرعد المخيف والبرق، فلم نعد نميزّ الأصوات من بعضها، إذ سيطر الخوف علينا ولا شيء غير الخوف. 

وبعد مضي نحو دقيقة من الاهتزاز الشديد، ظننت أن كل شيء عاد الى طبيعته، لأهمّ بالعودة الى المنزل، وفجأة اهتزت الأرض مجدداً  مع صوت مخيف اندلع فجأة. أسئلة كثيرة دارت في رأسي حينها حول ما يحدث. في هذا الوقت، سقطت بقربنا بناية من 20 منزلاً يقطنها أكثر من 100 شخص، وعلى مقربة مني علا صوت إحدى الجارات “إبني (14 سنة) مات دخيلكم الحقوني بسيارة”، إذ كان في طريقه للخروج من المبنى حين سقطت على رأسه قطعة حجر خرسانية كانت كفيلة بإنهاء حياته فوراً، ليكون أولى ضحايا الزلزال العنيف الذي ضرب منطقة شمال غربي سوريا. 

يقدَّر عدد الأبنية التي سقطت في مدينة سلقين الواقعة في منطقة حارم غرب محافظة إدلب، بنحو 30 برجاً سكنياً، يحوي كل واحد منها بين 10-12 شقة سكنية تعيش فيها عائلة أو عائلتان، لا سيما أن المدينة كانت مقصداً للنازحين من ريف إدلب الجنوبي ومحافظة حماة، وهؤلاء كانوا فروا من نيران الحرب بحثاً عن حياة هادئة. 

“ما حدث في المدينة الصغيرة أشبه بكابوس ستبقى ذكراه في النفوس الى الأبد”

لم يتوقف الأمر على الأبراج السكنية، فعدد المنازل المنفردة التي سقطت في المدينة، يقدَّر بنحو 20 منزلاً يضم الواحد منها أسرة أو أسرتين، اختلطت فيها دماء الضحايا من النازحين والمقيمين. 

ومنذ الساعة الأولى للزلزال، والناس في بحث مستمر عن أحباء ناجين تحت أكوام كبيرة من الركام، في ظل برد قارس وتساقط أمطار غزيرة، لا يملكون سوى أيد ترتجف من البرد وقلوب ممتلئة بحزن قاتل. 

وحتى الآن، وصل عدد القتلى والمصابين نتيجة الزلزال، في شمال غربي سوريا، الى الآلاف، فيما الرقم مرجّح للارتفاع في كل دقيقة، نظراً الى العدد الكبير للأشخاص المفقودين تحت الأنقاض.

وعلى رغم وجود مستشفيين في مدينة سلقين، إلا أن طاقة الكوادر الطبية لم تستطع تغطية ربع حجم الكارثة، إذ وصلت الطاقة الاستيعابية للمستشفيات إلى أقصاها، واكتظّت غرف الإسعاف بالمصابين، ناهيك بالجثث غير معروفة الهوية. 

ومنذ وقوع الزلزال، لم تتوقف سيارات الإسعاف في مدينة سلقين عن نقل المصابين والضحايا إلى المستشفيات، التي استعانت بكوادر من مناطق أخرى، كما تم تفعيل خط تحويل إسعافي بين مستشفيات المدينة وتلك الموجودة في المحافظات. لكن، نظراً الى مشقة العمل وعقباته والنقص في الآليات واللوجستيات اللازمة للبحث والإنقاذ،  فإن عمليات الإنقاذ والبحث لا تسير بالشكل المطلوب والسرعة المبتغاة لإنقاذ الأحياء الذين ما زالوا تحت الركام. 

يقول سليم أبو أمجد، من سكان سلقين، إن “ما حدث في المدينة الصغيرة أشبه بكابوس ستبقى ذكراه في النفوس الى الأبد، فما من شخص إلا وفقد عزيزاً، إما أخ أو ابن أو أب أو صديق. أما أنا، فقد فقدت أشقائي الثلاثة وأبناءهم، فيما لا أزال أنتظر مصير ابنتي وزوجها اللذين ما زالا تحت الأنقاض، فبأي كلمات أواسي زوجتي المفجوعة بفلذات كبدها؟”.

تخفي أم ياسر دموعها تحت منديلها حزناً على أبيها وأشقائها الـ7، الذين قُتلوا في الزلزال، وتقول “من شدة تعلق أبي بإخوتي أسكنهم معه في البناء نفسه الذي تحول الى أنقاض بلحظة، وها نحن نمني أنفسنا لعل أحدهم يخرج سالماً حتى وإن كان مكسّر العظام، المهم أن يخرج سالماً من بين الركام”.

حال سليم و أم ياسر هي حال الآلاف من سكان مدينة سلقين في أحياء العجمي والقصور والسوق وطريق العلاني، التي أُغلقت الطرق المؤدية إليها بسبب الركام الهائل الناتج من الأبنية المتساقطة من الزلزال، الذي تسبب أيضاً بقطع الكهرباء والاتصالات بشكل نهائي، حتى التغطية الخليوية التركية لم تعد متاحة، مما سبب حالة نفسية صعبة للأهالي من جهة، ومحبيهم القاطنين خارج سوريا من جهة أخرى. 

معظم أهالي سلقين لم يستطيعوا العودة إلى منازلهم حتى الآن خوفاً من تكرار السيناريو ذاته في الأيام المقبلة، لا سيما أن المنطقة لا تزال تشهد هزات ارتدادية بين ساعة وأخرى، مسببةً تصدّع منازل كثيرة، ما جعلها عرضة للسقوط كحال منزل مروان العلي الذي سقط بعد الزلزال بنحو 6 ساعات.

يقطن الأهالي مع أطفالهم حالياً، بين أشجار الزيتون المحيطة بالمدينة، والتي تشتهر بها وكانت مصدر رزق سكانها، رافضين العودة إلى منازلهم التي باتت أشبه بقبور، وفق ما يقول العم أبو صالح ( 73 سنة)، إذ لا يتذكر أن حدثاً كهذا حلّ بمدينتهم طوال سني عمره. 

وحتى اللحظة، لا تستطيع الأجهزة المختلفة من مستشفيات أو دفاع مدني وغيرها التحدث عن إحصاء نهائي للضحايا في مدينة سلقين لوحدها، بسبب الأعداد الهائلة للمفقودين تحت الأنقاض، في حين فقدت المدينة عدداً من الأطباء والصيادلة، من أبرزهم الطبيبان بسام الوسوف وعبد المعطي الجابر. كما نعى الصحافيون في المدينة زميلهم عمار الأسود الذي قضى هو وزوجته، ولا يزال البحث مستمراً عن جثتيهما. 

08.02.2023
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية