fbpx

“لا أحد يحميني منه”…
تحرّش الأقارب أقوى من القانون في العراق!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يجرّم القانون العراقي الاغتصاب من ذوي القربى، إلا أنه يقف عاجزاً أمام سطوة العار والأعراف والخوف من الانتقام، ما يترك الضحايا أسرى الهواجس والصدمات النفسيّة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

داخل بيوت “هانئة” وبين جدران لا تستطيع البوح، يواجه كثيرون التحرش والاعتداء الجنسي من أب أو خال أو عم، ومعظم هؤلاء الضحايا هم أطفال وطفلات عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم أو المواجهة، لا سيما في غياب الدعم العائلي والمجتمعي… فعلى رغم أن القانون العراقي يجرّم هذه الممارسات، وتصل عقوبة الاغتصاب من ذوي القربى إلى حدّ الإعدام، إلا أن ذلك لا يبدو كافياً لتشكيل رادع حمائي للضحايا، الذين يضطرون غالباً إلى السكوت وتحمّل الاعتداء المتكرر أحياناً، في ظل الخوف من الفضيحة والظلم والميل إلى تحميل الضحية ذنب ما ارتُكب بحقها، مقابل حماية الجاني وتبرير فعله في أحيان كثيرة. كما أن القانون لا يخلو من الثغرات التي يستفيد منها المعتدي، مثل صعوبة إثبات التحرّش مثلاً، وميل الضحايا وذويهم أحياناً إلى تفادي القضاء خوفاً من العار أو الانتقام.

يوثّق هذا التحقيق عدداً من الشهادات على لسان ضحايا التحرش والاعتداء الجنسي داخل العائلات، لا سيما في غياب أي إحصاءات دقيقة وأي إجراءات حماية حقيقية، إذ إن النص القانوني وحده لا يكفي لوقف الظاهرة ومحاسبة الجناة.

لا يغمض لياسة (اسم مستعار- 17 سنة) جفنٌ، إلا بعد تأكدها من إغلاق باب غرفتها بالمفتاح. تفعل ذلك كل ليلة، خوفاً من أن يقدم شقيقها الأكبر (27 سنة) على ما كان يفعله بها قبل سنوات، توضح مترددة  بعربية ركيكة: “كان يعتدي عليّ جنسياً”.

تعيش الفتاة الكردية في قضاء يتبع محافظة أربيل في إقليم كردستان مع عائلتها المحافظة والملتزمة دينيا وقبلياً، في بيئة تقليديّة تميل الى تفضيل الذكور على الإناث. مضت أعوام قبل أن تجرؤ  ياسة على إخبار والديها بما فعله شقيقها، الذي استغلّ طفولتها بالحلوى والألعاب بداية ثم هدّدها، فاضطرت إلى الصمت خوفاً منه ومن الفضيحة.

كانت في السادسة حين استعرض أمامها عضوه الذكري للمرة الأولى، حاول إقناعها بأن تلمسه وتضعه على جسدها، وظل يكرر الأمر كلما سنحت له الفرصة، إلى أن اعتدى عليها جنسياً بعد سنتين. تقول بصوت تخنقه الدموع: “عندما اعتدى عليَّ، شعرت برعب شديد وبكيتُ طوال الليل، كنتُ اسأل نفسي إن كان ما فعله أمراً طبيعياً ويحدثُ بين الإخوة عادةً”. 

 تحرّك يدها أمام وجهها كأنها تبعد صوراً لا تريد مشاهدتها، وتتابع بشيء من العصبية: “بعد ست سنوات من الخوف والبكاء، تشاجرنا أنا وهو أمام والديّ، وقلت له والكل يسمعني بأنني لم أنسَ ما فعله بي”.

تعيد يدها، وتضعها بهدوء على ركبتها وتقول بنبرة إحباط: “لم يُلقِ أحدٌ بالاً لما قلت، ولم يكلّف أيٌ من والديّ نفسه أن يسألني عن الذي فعله بي الشقيق الأكبر، الأكثر تديناً، صاحب الشأن والمكانة الأعلى في البيت!”. 

كانت المدرسة المكان الوحيد الذي شعرت فيه ياسة بالأمان، وتحوّل خوفها من شقيقها تدريجياً  الى كراهية مطلقة للرجال، قابلتها عاطفة وميل لا إرادي نحو النساء، كما تخبرنا.

تغالبها نوبة بكاء، تغرق فيها للحظات، ثم تعود لتتمالك نفسها وتقول: “إذا علم أبي بميولي فسيقتلني، على أقل تقدير سيزوجني قسراً، لكن إن أخبرته بأن ابنه اعتدى عليَّ وشوّه طفولتي، فلن يحرك ساكناً، وغالب الظن أنه سيعاقبني، إذ يعتقد أنها جرأة ووقاحة مني أن أفضح شقيقي (الفاضل)!”.

“لم يُلقِ أحدٌ بالاً لما قلت، ولم يكلّف أيٌ من والديّ نفسه أن يسألني عن الذي فعله بي الشقيق الأكبر، الأكثر تديناً، صاحب الشأن والمكانة الأعلى في البيت!”.

جحيم المنزل

لا دراسات محلية حول تحرش الأقارب بالفتيات، يفسر الباحث الاجتماعي سلوان قاسم ذلك يقوله: “هناك طبقة سميكة من الفضيلة التي تغطي بها هذه المجتمعات نفسها، حتى أنها تبدو منزهة”،  ويشير إلى ضرورة تحذير منظمات المجتمع المدني والجامعات العراقية والإعلام والناس من تفاقم التحرش الجنسي بالأطفال، خصوصاً بعد شيوع تعاطي المخدرات بين الشباب في العراق. 

الصدمة النفسية الناتجة من تحرش فرد من العائلة بأحد أطفالها، تصفها المختصة والمعالجة النفسية بهار الجاف، بأنها واحدة من أشد أنواع الصدمات وطأة على الجنسين، وتضيف: “حضور المتحرش في البيت ذاته، يزيد فرصة تكرار التحرش في شكل يومي ومستمر، وكثر من ضحايا الاعتداء والتحرش الجنسي خلال الصغر، يلقون اللوم على ذويهم لعدم حمايتهم، ما يولّد علاقات أسرية متزعزعة، فيما قد يتجه آخرون إلى كره الذات الذي قد يؤدي إلى محاولات انتحار… نجح بعضها للأسف”.

هدى: لعنة الأخ

لم تكمل هدى (اسم مستعار 21 سنة) المقيمة في بغداد، دراستها بسبب وفاة والدتها. لكن هذا ليس كل شيء، إذ كان شقيقها الذي يكبرها بـ8 سنوات يتحرّش بها منذ صغرها حتى بعد زواجه… تخبر هدى أن آخر تلك المحاولات حصلت قبل أشهر من كتابة هذا التحقيق. 

توفيت والدة هدى حين كانت في الثانية عشرة، واضطرت للانتقال مع بقية أشقائها – بمن فيهم المتحرش- الى بيت شقيقهم الأكبر في بغداد بعد زواج والدها وطردهم من منزله، تقول بحرقة: “بعد عامٍ من وفاة والدتي، هددتُ أخي بالقتل إن حاول لمسي مرة أخرى أو تلصّص عليَّ أثناء تغييري ملابسي، ظننتُ أن تهديدي سيردعه، لكنه عوضاً عن ذلك، صار يضربني كلما حاولتُ مقاومته. كان يُغمى عليّ أحياناً من شدة الضرب، لأصحو بعدها وأجد ملابسي ممزقة”.

أخبرت هدى أشقاءها بما يفعله، توسلت إليهم أن يمنعوه، لكنهم أسكتوها على الفور رافضين مواجهته: “كي  لا يحرجوه” تقول ساخرة ثم تتابع: “لم يجرؤ  أشقائي الآخرون أو شقيقاتي على الوقوف في وجهه، إلى حين تزوج منذ ثلاث سنوات وتركني وشأني، لكنه قبل خمسة أشهر عمد إلى لمسي بطريقة غرائزية، رأيت في عينيه تلك النظرة التي كان يرمقني بها عند اقترابه مني في صغري، هربتُ سريعاً الى غرفتي وأقفلت بابها، لم أنبس ببنت شفة، أعرف أن لا أحد سيحميني منه”.

لا إحصاءات خوفاً من العار

ترفض المحاكم العراقيّة  تزويد أي جهة بأرقام وإحصاءات عن دعاوى التحرش المنزلي. حاولنا الحصول  على إحصاء ما ولو لمحافظة واحدة، فاستعنّا بالمحامية ضحى الزبيدي، من محكمة استئناف بابل، التي قدمت طلباً إلى أمين مخزن محكمة الجنح هناك، لتزويدها بعدد دعاوى التحرش الجنسي داخل العائلات المسجلة في السنوات العشر الأخيرة، إلا أنه رفض طلبها بسبب “أوامر عليا صارمة”، وأخبرها بأن منظمات وجهات أخرى حاولت الحصول على معلومات مشابهة، لكن التعليمات تمنع ذلك.

تؤكد الزبيدي  أن أمهات كثيرات يطلبن الطلاق حين يعلمن أن الزوج تحرش بابنته، ويخفن من انتشار الخبر ووصمة العار في حال لجأن الى القضاء أو العرف العشائري، وتشير إلى حالات أخرى قائلةً: “حين كشف قضايا التحرش أو الاغتصاب داخل العائلة، يحاول ذوو الجاني تشويه سمعة الضحية ولومها لتخليصه من العقوبة، وقد تصل الأمور أحياناً إلى محاولة الجاني أو ذويه قتل الضحية”.

نادية ونور: وجه المتحرش الذي لا يُنسى

اختارت نادية (اسم مستعار) التي تسكن العاصمة بغداد، الزواج بأول شخص تقدّم لخطبتها لتهرب مما تعيشه، على رغم أنها لم تكن تتجاوز الثامنة عشرة حين عُقد قرانها. تشبك أصابع يديها وتقول مبرّرة: “كنت أعاني من خيبة أمل كبيرة بسبب رد فعل والدتي الباردة تجاه واقعة التحرش بي”.

تصمت نادية قبل أن تسرد قصتها ثم تبدأ: “بعد وفاة والدي، تزوجت والدتي برجل يحمل شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، كان لطيفاً مع إخوتي، ومعي بالذات حين كنت في الخامسة عشرة، لكنه ومع الأيام بدأ بتمرير يديه على جسدي بطريقة مريبة محاولاً تحسّس أماكن مختلفة”.

 تكررت تصرفاته بعد عامين، واجهته نادية أمام والدتها، فأنكر وأصرّ على أنه يراها كابنة له، واكتفت والدة ناديا بإرسالها الى الاستجمام في منزل خالتها لأيام. تصفق يديها وتقول بحدة: “هذا كل ما فعلته أمي”.  لازمت نادية غرفتها ولم تغادرها خوفاً من أن تضطر إلى مجالسة زوج أمها، حتى أنها تركت دراستها الثانوية بعد تدهور مستواها وشرودها المستمر خلال الدروس.

اعتقدت  نادية أنها ستجد الطمأنينة بزواجها، لكن صورة زوج أمها كانت تلاحقها كلما حاول زوجها التقرب منها. تطفو على وجهها ابتسامة ممزوجة بالحزن والسخرية في آن معاً: “اكتشفت أنني أكره جسدي وأكره أن يمسّني أحد، وبدلاً من أن يساندني زوجي ويحاول احتوائي، تزوج بأخرى”.

 مرت عشر سنوات على زواجها، تفرش أصابع يديها في الهواء لتؤكد الرقم، وتضيف: “انتقلت خلال سنوات زواجي من تعاسة إلى أخرى، تارة مع زوجي وطوراً مع زوجته الثانية، أما أمي فعلاقتها بزوجها أقل ما يقال عنها بأنها طبيعية، وكأن شيئاً لم يحدث”.

تغمض عينيها وتقول بأسى: “يجب ألّا تسكت الفتاة عن حقها، وينبغي لذويها مساندتها. لا يجوز ترك الفتيات لمواجهة هذه المواقف وحدهن، أنا لم أتجاوز ما مررتُ به على رغم قربي من الثلاثين”.

لم تتخطَّ نور (اسم مستعار، 29 سنة)، الأستاذة الجامعية المتخصصة بعلم الاجتماع، ذكريات التحرش الذي تعرضت له على مدى سبع سنوات في طفولتها، تقول: “كنتُ في الثالثة عشرة عندما توفي والدي واستدعت أمي شقيقها ليعيش معنا، كنا ثلاث شقيقات وأنا أصغرهن، ما جعلني ضحية سهلة لخالي”، تفيض عيناها بالدموع وتتابع: “كان يستعرض أعضاءه التناسلية، ويعرض أمامي أفلاماً إباحية ثم يخبرني بأنه سيأخذني الى أي شخص أريد لأمارس معه ما شاهدته”. 

لم تخبر نور أحداً بممارسات خالها لسبع سنوات كاملة، لكنها أسرّت لوالدتها حين بلغت العشرين بأنّها تحب زميلاً لها في الجامعة، وحين وبّختها بعنف، أخبرتها نور بأنها تحاول البحث عن الطمأنينة خارج المنزل بسبب تحرّش خالها بها. 

تركتها الأم التي بدا عليها الذهول، وذهبت إلى المطبخ من دون أن تنطق بكلمة. تعتقد نور أن والدتها صدّقتها لكنها لم تواجه شقيقها بسبب حاجتها إليه في المنزل، فهو الرجل الوحيد بينهن.

تتجنب نور مقابلة خالها حتى في المناسبات، ومع ذلك، فالجراح التي سببها لها لم تندمل، ترفض الزواج لظنها أنها فقدت قيمتها الاجتماعيّة، تأخذ نفساً عميقاً لتقول: “صرت أنتقم من الرجال، ما إن أعلم بأن أحدهم يُحبني حتى أتركه من دون توضيح، أرى خالي في كل من يحاول التقرب مني. كنتُ أتمنى أن تحميني أمي، وتقف إلى جانبي لكنها خذلتني وآثرت الصمت، وها أنا أدفع ثمن صمتها”.

وصمة العار تمنع القضاء من التدخّل

يجرّم قانون العقوبات العراقي في عدد من مواده الاغتصاب العائلي، وتتراوح العقوبات بين الحبس المؤبد أو الموقت والإعدام، لكنها تبقى قاصرة وفيها ثغرات كثيرة، خصوصاً أن العراق مجتمع تغلبه العشائرية والعقليات الدينية المحافظة والطائفية، والتي ترسخت بسبب الأوضاع السياسية والأمنية المعقّدة التي تخوضها البلاد منذ عقود وحتى اليوم.

تقول رئيسة “جمعية الأمل” العراقية الحقوقية هناء أدور، أن “ثقافة الإفلات من العقاب هي السائدة، إما بسبب سكوت الضحية خوفاً من الفضيحة، أو من القتل بحجة غسل العار أو الانتحار، مع أن عقوبات الكثير من تلك الجرائم تصل إلى الإعدام”.

تؤكد چيمن باجلان، المدعية العامة في واحدة من محاكم إدارة كرميان في إقليم كردستان، أن قضايا التحرش الجنسي لا تصل إلى المحاكم عادةً، وتشير إلى أنها لم تشهد خلال مسيرتها العملية قضية تحرش جنسي من أحد أفراد العائلة. وتضيف: “هذه القضايا تخضع لطرق الإثبات المتّبعة في بقية القضايا لضمان تحقيق العدالة، قد تكون قضايا زنا المحارم أسهل في التحقق من صحتها بواسطة اللجان الطبية، لكن التحرش الجنسي يحتاج إلى إثباتات قد تكون غير متوافرة لدى الضحايا”.

تنفي المستشارة القانونية مروة عبد الرضا أن يكون القانون العراقي قد صمت عن جريمة تحرش الأقارب كونها مذكورة صراحةً مع عقوبتها، لكن المشكلة وفق قولها، أن الشخص الذي تعرض للتحرش أو المسؤول عنه، لا يقدّم شكوى للمحكمة. وتوضح: “في حال تعرض الطفل للتحرش من والده، يحق للأم رفع دعوى نيابة عنه، لكن نساء كثيرات يتخوفن من الذهاب الى مراكز الشرطة أو المحاكم بسبب الوصمة الاجتماعية، أو خشيةَ تعرضهن في بعض المواقف للابتزاز أو المطالبة برشوة. كما أن الكلفة الاقتصادية لهذه القضايا مرتفعة، والبعض لا يمكنهنّ تحمّلها، إضافة الى عدم وجود مأوى للطفل أو والدته يَحميهما من ملاحقة ذوي الجاني”. 

“ثقافة الإفلات من العقاب هي السائدة، إما بسبب سكوت الضحية خوفاً من الفضيحة، أو من القتل بحجة غسل العار أو الانتحار، مع أن عقوبات الكثير من تلك الجرائم تصل إلى الإعدام”.

حماية الطفل موضع جدل في العراق!

عُرض أمام مجلس النواب العراقي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، مشروع قانون حماية الطفل، لكنه لاقى اعتراضات من كتل سياسية داخل المجلس، بحجة أنه يتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية العراقية. تضمّن مشروع القانون بنوداً تتكفل بموجبها الدولة بحماية الطفل في حال تعرض للعنف بأي شكل كان، ورفض بعض الكتل السياسية ليس أمراً مفاجئاً،  فالكتل ذاتها رفضت ضمن دورات برلمانية سابقة إقرار مشروع قانون لحماية الأسرة باستخدام الذرائع نفسها.

بثينة: صورة المسدّس التي لا تتلاشى

مرت ثماني سنوات على تعرّض  بثينة (اسم مستعار-18سنة) للتحرش من ابن عمها، مع ذلك بقيت صورته تلاحقها. بثينة التي تقطن محافظة المثنى لم تنسَ على رغم أنها كانت بعمر العاشرة حين حصلت الحادثة، تقول :”كثيراً ما أراه في أحلامي يضربني ويحاول خنقي”.

آنذاك، كانت بثينة تسكن مع عائلتها في بيت جدها مع عائلات سبع من أعمامها، حينها تحرش بها ابن عمها الذي يكبرها بسبع سنوات في غرفة عائلته. كانت تميز التحرش عن غيره من الأفعال بسبب توعية والدتها لها، وحين فعل ما فعله، أخبرته أنها ستفضحه، تصف لنا ما حصل وقتها قائلةً: “عندما هددته بفضحه أخرج سكيناً من جيبه وقال لي بأنه سيذبح والدي إن أخبرت أحداً”.

 تسلل “المُتحرش” بعد شهرين من الحادثة الأولى إلى غرفة عائلة بثينة، مُستغلاً  غياب أهلها إثر عودتها من المدرسة، وشهر بوجهها مسدس والده، بدأ لمسها مهدداً بقتلها إن هي صرخت.حاولت بثينة الهروب، لكنه ضربها بالمسدس على رأسها، ففقدت وعيها وبعدما أفاقت دخلت في نوبة صمت استمرت لشهرين.

لم تتحدث بثينة بعدها مع أحد، ولم تجلس مع بقية أقاربها على مائدة طعام واحدة، لم تذكر ما حدث على رغم إلحاح أمها ورغبتها في معرفة سبب صمتها، لكن صورة المسدس لم تفارق مخيّلتها وحتى الآن لا تعلم إن كان قد اغتصبها يومها أم لا؟

استمر ابن عم بثينة بالتحرش بها وتهديدها لسنتين، بعدها انتقلت مع عائلتها إلى بيت آخر، وعندما بلغت الرابعة عشرة روت لوالدتها ما حدث معها، لكن الأم خشيت أن تخبر والدها خوفاً من أن يقتل ابن أخيها. 

تختم حديثها: “يجب ألّا تتشارك العائلات منزلاً واحداً، خصوصاً بعد أن يكبر الأحفاد، أنا الآن في الثامنة عشرة ولا أقبل أن يقترب مني أحد، وصلت بي الحال الى عدم مصافحة أعمامي وأخوالي، فلا أثق بصلة القرابة التي تربطني بهم، كان أبي يوصي ابن عمي بنا قبل ذهابه الى العمل، لكنه خان أبي وخان قرابتنا”.

مريم: الكُتب مهرب من أبٍ مُتحرش

يتحول الأب أحياناً إلى وحش يهدد براءة ابنته، وهذا ما حصل مع  مريم(اسم وهمي-17سنة ) التي انفصل والدها عن والدتها حين كانت بعمر التاسعة، وعاد لاحقاً إلى المنزل حين بلغت الثالثة عشرة.

اعتقدت مريم بداية أنه مشتاق إليها، يضمّها ويقبلها، لكن الأمر فاق المعتاد. تقول مريم: “ظننت أنه يحاول تعويضي عن غيابه لسنوات، لكن يوماً بعد يوم صارت نظراته أغرب، تحولت لمساته إلى لمسات جنسية، إلى جانب ترديده إيحاءات جنسية في كل مرة نكون وحدنا”.

كانت تزداد مخاوف بثينة كلما عاد إلى المنزل ثملاً، وخشيت أن تعلم والدتها خوفاً من أن ينفصلا مجدداً، وتفقد الأسرة معيلها الوحيد، كما أنها استبعدت كلياً سيناريو مواجهته أمام والدتها أو أقربائها، كانت واثقة من أنه سينكر ذلك، فتتحول إلى مذنبة بدلاً من أن تكون الضحية، وشطبت من ذهنها أي محاولة للهرب من المنزل أو الخروج منه بالزواج، لأن عواقب هذين (الحلّين) قد تكون أقسى من تحرش والدها بها، لذا آثرت البقاء في المنزل.

تشير بثينة إلى مكتبة غرفتها الصغيرة وتواصل حديثها بنبرة أشبه بالهمس:”تسبب والدي بكرهي لنفسي وعدم تقبّلي لذاتي، إضافة إلى  الكوابيس التي لا تزال تراودني يومياً، هذه الكتب ساعدتني في تقبّل ذاتي مرة أخرى وأعادت إلي ثقتي بنفسي”.

أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية. 

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
12.01.2023
زمن القراءة: 11 minutes

يجرّم القانون العراقي الاغتصاب من ذوي القربى، إلا أنه يقف عاجزاً أمام سطوة العار والأعراف والخوف من الانتقام، ما يترك الضحايا أسرى الهواجس والصدمات النفسيّة.

داخل بيوت “هانئة” وبين جدران لا تستطيع البوح، يواجه كثيرون التحرش والاعتداء الجنسي من أب أو خال أو عم، ومعظم هؤلاء الضحايا هم أطفال وطفلات عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم أو المواجهة، لا سيما في غياب الدعم العائلي والمجتمعي… فعلى رغم أن القانون العراقي يجرّم هذه الممارسات، وتصل عقوبة الاغتصاب من ذوي القربى إلى حدّ الإعدام، إلا أن ذلك لا يبدو كافياً لتشكيل رادع حمائي للضحايا، الذين يضطرون غالباً إلى السكوت وتحمّل الاعتداء المتكرر أحياناً، في ظل الخوف من الفضيحة والظلم والميل إلى تحميل الضحية ذنب ما ارتُكب بحقها، مقابل حماية الجاني وتبرير فعله في أحيان كثيرة. كما أن القانون لا يخلو من الثغرات التي يستفيد منها المعتدي، مثل صعوبة إثبات التحرّش مثلاً، وميل الضحايا وذويهم أحياناً إلى تفادي القضاء خوفاً من العار أو الانتقام.

يوثّق هذا التحقيق عدداً من الشهادات على لسان ضحايا التحرش والاعتداء الجنسي داخل العائلات، لا سيما في غياب أي إحصاءات دقيقة وأي إجراءات حماية حقيقية، إذ إن النص القانوني وحده لا يكفي لوقف الظاهرة ومحاسبة الجناة.

لا يغمض لياسة (اسم مستعار- 17 سنة) جفنٌ، إلا بعد تأكدها من إغلاق باب غرفتها بالمفتاح. تفعل ذلك كل ليلة، خوفاً من أن يقدم شقيقها الأكبر (27 سنة) على ما كان يفعله بها قبل سنوات، توضح مترددة  بعربية ركيكة: “كان يعتدي عليّ جنسياً”.

تعيش الفتاة الكردية في قضاء يتبع محافظة أربيل في إقليم كردستان مع عائلتها المحافظة والملتزمة دينيا وقبلياً، في بيئة تقليديّة تميل الى تفضيل الذكور على الإناث. مضت أعوام قبل أن تجرؤ  ياسة على إخبار والديها بما فعله شقيقها، الذي استغلّ طفولتها بالحلوى والألعاب بداية ثم هدّدها، فاضطرت إلى الصمت خوفاً منه ومن الفضيحة.

كانت في السادسة حين استعرض أمامها عضوه الذكري للمرة الأولى، حاول إقناعها بأن تلمسه وتضعه على جسدها، وظل يكرر الأمر كلما سنحت له الفرصة، إلى أن اعتدى عليها جنسياً بعد سنتين. تقول بصوت تخنقه الدموع: “عندما اعتدى عليَّ، شعرت برعب شديد وبكيتُ طوال الليل، كنتُ اسأل نفسي إن كان ما فعله أمراً طبيعياً ويحدثُ بين الإخوة عادةً”. 

 تحرّك يدها أمام وجهها كأنها تبعد صوراً لا تريد مشاهدتها، وتتابع بشيء من العصبية: “بعد ست سنوات من الخوف والبكاء، تشاجرنا أنا وهو أمام والديّ، وقلت له والكل يسمعني بأنني لم أنسَ ما فعله بي”.

تعيد يدها، وتضعها بهدوء على ركبتها وتقول بنبرة إحباط: “لم يُلقِ أحدٌ بالاً لما قلت، ولم يكلّف أيٌ من والديّ نفسه أن يسألني عن الذي فعله بي الشقيق الأكبر، الأكثر تديناً، صاحب الشأن والمكانة الأعلى في البيت!”. 

كانت المدرسة المكان الوحيد الذي شعرت فيه ياسة بالأمان، وتحوّل خوفها من شقيقها تدريجياً  الى كراهية مطلقة للرجال، قابلتها عاطفة وميل لا إرادي نحو النساء، كما تخبرنا.

تغالبها نوبة بكاء، تغرق فيها للحظات، ثم تعود لتتمالك نفسها وتقول: “إذا علم أبي بميولي فسيقتلني، على أقل تقدير سيزوجني قسراً، لكن إن أخبرته بأن ابنه اعتدى عليَّ وشوّه طفولتي، فلن يحرك ساكناً، وغالب الظن أنه سيعاقبني، إذ يعتقد أنها جرأة ووقاحة مني أن أفضح شقيقي (الفاضل)!”.

“لم يُلقِ أحدٌ بالاً لما قلت، ولم يكلّف أيٌ من والديّ نفسه أن يسألني عن الذي فعله بي الشقيق الأكبر، الأكثر تديناً، صاحب الشأن والمكانة الأعلى في البيت!”.

جحيم المنزل

لا دراسات محلية حول تحرش الأقارب بالفتيات، يفسر الباحث الاجتماعي سلوان قاسم ذلك يقوله: “هناك طبقة سميكة من الفضيلة التي تغطي بها هذه المجتمعات نفسها، حتى أنها تبدو منزهة”،  ويشير إلى ضرورة تحذير منظمات المجتمع المدني والجامعات العراقية والإعلام والناس من تفاقم التحرش الجنسي بالأطفال، خصوصاً بعد شيوع تعاطي المخدرات بين الشباب في العراق. 

الصدمة النفسية الناتجة من تحرش فرد من العائلة بأحد أطفالها، تصفها المختصة والمعالجة النفسية بهار الجاف، بأنها واحدة من أشد أنواع الصدمات وطأة على الجنسين، وتضيف: “حضور المتحرش في البيت ذاته، يزيد فرصة تكرار التحرش في شكل يومي ومستمر، وكثر من ضحايا الاعتداء والتحرش الجنسي خلال الصغر، يلقون اللوم على ذويهم لعدم حمايتهم، ما يولّد علاقات أسرية متزعزعة، فيما قد يتجه آخرون إلى كره الذات الذي قد يؤدي إلى محاولات انتحار… نجح بعضها للأسف”.

هدى: لعنة الأخ

لم تكمل هدى (اسم مستعار 21 سنة) المقيمة في بغداد، دراستها بسبب وفاة والدتها. لكن هذا ليس كل شيء، إذ كان شقيقها الذي يكبرها بـ8 سنوات يتحرّش بها منذ صغرها حتى بعد زواجه… تخبر هدى أن آخر تلك المحاولات حصلت قبل أشهر من كتابة هذا التحقيق. 

توفيت والدة هدى حين كانت في الثانية عشرة، واضطرت للانتقال مع بقية أشقائها – بمن فيهم المتحرش- الى بيت شقيقهم الأكبر في بغداد بعد زواج والدها وطردهم من منزله، تقول بحرقة: “بعد عامٍ من وفاة والدتي، هددتُ أخي بالقتل إن حاول لمسي مرة أخرى أو تلصّص عليَّ أثناء تغييري ملابسي، ظننتُ أن تهديدي سيردعه، لكنه عوضاً عن ذلك، صار يضربني كلما حاولتُ مقاومته. كان يُغمى عليّ أحياناً من شدة الضرب، لأصحو بعدها وأجد ملابسي ممزقة”.

أخبرت هدى أشقاءها بما يفعله، توسلت إليهم أن يمنعوه، لكنهم أسكتوها على الفور رافضين مواجهته: “كي  لا يحرجوه” تقول ساخرة ثم تتابع: “لم يجرؤ  أشقائي الآخرون أو شقيقاتي على الوقوف في وجهه، إلى حين تزوج منذ ثلاث سنوات وتركني وشأني، لكنه قبل خمسة أشهر عمد إلى لمسي بطريقة غرائزية، رأيت في عينيه تلك النظرة التي كان يرمقني بها عند اقترابه مني في صغري، هربتُ سريعاً الى غرفتي وأقفلت بابها، لم أنبس ببنت شفة، أعرف أن لا أحد سيحميني منه”.

لا إحصاءات خوفاً من العار

ترفض المحاكم العراقيّة  تزويد أي جهة بأرقام وإحصاءات عن دعاوى التحرش المنزلي. حاولنا الحصول  على إحصاء ما ولو لمحافظة واحدة، فاستعنّا بالمحامية ضحى الزبيدي، من محكمة استئناف بابل، التي قدمت طلباً إلى أمين مخزن محكمة الجنح هناك، لتزويدها بعدد دعاوى التحرش الجنسي داخل العائلات المسجلة في السنوات العشر الأخيرة، إلا أنه رفض طلبها بسبب “أوامر عليا صارمة”، وأخبرها بأن منظمات وجهات أخرى حاولت الحصول على معلومات مشابهة، لكن التعليمات تمنع ذلك.

تؤكد الزبيدي  أن أمهات كثيرات يطلبن الطلاق حين يعلمن أن الزوج تحرش بابنته، ويخفن من انتشار الخبر ووصمة العار في حال لجأن الى القضاء أو العرف العشائري، وتشير إلى حالات أخرى قائلةً: “حين كشف قضايا التحرش أو الاغتصاب داخل العائلة، يحاول ذوو الجاني تشويه سمعة الضحية ولومها لتخليصه من العقوبة، وقد تصل الأمور أحياناً إلى محاولة الجاني أو ذويه قتل الضحية”.

نادية ونور: وجه المتحرش الذي لا يُنسى

اختارت نادية (اسم مستعار) التي تسكن العاصمة بغداد، الزواج بأول شخص تقدّم لخطبتها لتهرب مما تعيشه، على رغم أنها لم تكن تتجاوز الثامنة عشرة حين عُقد قرانها. تشبك أصابع يديها وتقول مبرّرة: “كنت أعاني من خيبة أمل كبيرة بسبب رد فعل والدتي الباردة تجاه واقعة التحرش بي”.

تصمت نادية قبل أن تسرد قصتها ثم تبدأ: “بعد وفاة والدي، تزوجت والدتي برجل يحمل شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، كان لطيفاً مع إخوتي، ومعي بالذات حين كنت في الخامسة عشرة، لكنه ومع الأيام بدأ بتمرير يديه على جسدي بطريقة مريبة محاولاً تحسّس أماكن مختلفة”.

 تكررت تصرفاته بعد عامين، واجهته نادية أمام والدتها، فأنكر وأصرّ على أنه يراها كابنة له، واكتفت والدة ناديا بإرسالها الى الاستجمام في منزل خالتها لأيام. تصفق يديها وتقول بحدة: “هذا كل ما فعلته أمي”.  لازمت نادية غرفتها ولم تغادرها خوفاً من أن تضطر إلى مجالسة زوج أمها، حتى أنها تركت دراستها الثانوية بعد تدهور مستواها وشرودها المستمر خلال الدروس.

اعتقدت  نادية أنها ستجد الطمأنينة بزواجها، لكن صورة زوج أمها كانت تلاحقها كلما حاول زوجها التقرب منها. تطفو على وجهها ابتسامة ممزوجة بالحزن والسخرية في آن معاً: “اكتشفت أنني أكره جسدي وأكره أن يمسّني أحد، وبدلاً من أن يساندني زوجي ويحاول احتوائي، تزوج بأخرى”.

 مرت عشر سنوات على زواجها، تفرش أصابع يديها في الهواء لتؤكد الرقم، وتضيف: “انتقلت خلال سنوات زواجي من تعاسة إلى أخرى، تارة مع زوجي وطوراً مع زوجته الثانية، أما أمي فعلاقتها بزوجها أقل ما يقال عنها بأنها طبيعية، وكأن شيئاً لم يحدث”.

تغمض عينيها وتقول بأسى: “يجب ألّا تسكت الفتاة عن حقها، وينبغي لذويها مساندتها. لا يجوز ترك الفتيات لمواجهة هذه المواقف وحدهن، أنا لم أتجاوز ما مررتُ به على رغم قربي من الثلاثين”.

لم تتخطَّ نور (اسم مستعار، 29 سنة)، الأستاذة الجامعية المتخصصة بعلم الاجتماع، ذكريات التحرش الذي تعرضت له على مدى سبع سنوات في طفولتها، تقول: “كنتُ في الثالثة عشرة عندما توفي والدي واستدعت أمي شقيقها ليعيش معنا، كنا ثلاث شقيقات وأنا أصغرهن، ما جعلني ضحية سهلة لخالي”، تفيض عيناها بالدموع وتتابع: “كان يستعرض أعضاءه التناسلية، ويعرض أمامي أفلاماً إباحية ثم يخبرني بأنه سيأخذني الى أي شخص أريد لأمارس معه ما شاهدته”. 

لم تخبر نور أحداً بممارسات خالها لسبع سنوات كاملة، لكنها أسرّت لوالدتها حين بلغت العشرين بأنّها تحب زميلاً لها في الجامعة، وحين وبّختها بعنف، أخبرتها نور بأنها تحاول البحث عن الطمأنينة خارج المنزل بسبب تحرّش خالها بها. 

تركتها الأم التي بدا عليها الذهول، وذهبت إلى المطبخ من دون أن تنطق بكلمة. تعتقد نور أن والدتها صدّقتها لكنها لم تواجه شقيقها بسبب حاجتها إليه في المنزل، فهو الرجل الوحيد بينهن.

تتجنب نور مقابلة خالها حتى في المناسبات، ومع ذلك، فالجراح التي سببها لها لم تندمل، ترفض الزواج لظنها أنها فقدت قيمتها الاجتماعيّة، تأخذ نفساً عميقاً لتقول: “صرت أنتقم من الرجال، ما إن أعلم بأن أحدهم يُحبني حتى أتركه من دون توضيح، أرى خالي في كل من يحاول التقرب مني. كنتُ أتمنى أن تحميني أمي، وتقف إلى جانبي لكنها خذلتني وآثرت الصمت، وها أنا أدفع ثمن صمتها”.

وصمة العار تمنع القضاء من التدخّل

يجرّم قانون العقوبات العراقي في عدد من مواده الاغتصاب العائلي، وتتراوح العقوبات بين الحبس المؤبد أو الموقت والإعدام، لكنها تبقى قاصرة وفيها ثغرات كثيرة، خصوصاً أن العراق مجتمع تغلبه العشائرية والعقليات الدينية المحافظة والطائفية، والتي ترسخت بسبب الأوضاع السياسية والأمنية المعقّدة التي تخوضها البلاد منذ عقود وحتى اليوم.

تقول رئيسة “جمعية الأمل” العراقية الحقوقية هناء أدور، أن “ثقافة الإفلات من العقاب هي السائدة، إما بسبب سكوت الضحية خوفاً من الفضيحة، أو من القتل بحجة غسل العار أو الانتحار، مع أن عقوبات الكثير من تلك الجرائم تصل إلى الإعدام”.

تؤكد چيمن باجلان، المدعية العامة في واحدة من محاكم إدارة كرميان في إقليم كردستان، أن قضايا التحرش الجنسي لا تصل إلى المحاكم عادةً، وتشير إلى أنها لم تشهد خلال مسيرتها العملية قضية تحرش جنسي من أحد أفراد العائلة. وتضيف: “هذه القضايا تخضع لطرق الإثبات المتّبعة في بقية القضايا لضمان تحقيق العدالة، قد تكون قضايا زنا المحارم أسهل في التحقق من صحتها بواسطة اللجان الطبية، لكن التحرش الجنسي يحتاج إلى إثباتات قد تكون غير متوافرة لدى الضحايا”.

تنفي المستشارة القانونية مروة عبد الرضا أن يكون القانون العراقي قد صمت عن جريمة تحرش الأقارب كونها مذكورة صراحةً مع عقوبتها، لكن المشكلة وفق قولها، أن الشخص الذي تعرض للتحرش أو المسؤول عنه، لا يقدّم شكوى للمحكمة. وتوضح: “في حال تعرض الطفل للتحرش من والده، يحق للأم رفع دعوى نيابة عنه، لكن نساء كثيرات يتخوفن من الذهاب الى مراكز الشرطة أو المحاكم بسبب الوصمة الاجتماعية، أو خشيةَ تعرضهن في بعض المواقف للابتزاز أو المطالبة برشوة. كما أن الكلفة الاقتصادية لهذه القضايا مرتفعة، والبعض لا يمكنهنّ تحمّلها، إضافة الى عدم وجود مأوى للطفل أو والدته يَحميهما من ملاحقة ذوي الجاني”. 

“ثقافة الإفلات من العقاب هي السائدة، إما بسبب سكوت الضحية خوفاً من الفضيحة، أو من القتل بحجة غسل العار أو الانتحار، مع أن عقوبات الكثير من تلك الجرائم تصل إلى الإعدام”.

حماية الطفل موضع جدل في العراق!

عُرض أمام مجلس النواب العراقي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، مشروع قانون حماية الطفل، لكنه لاقى اعتراضات من كتل سياسية داخل المجلس، بحجة أنه يتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية العراقية. تضمّن مشروع القانون بنوداً تتكفل بموجبها الدولة بحماية الطفل في حال تعرض للعنف بأي شكل كان، ورفض بعض الكتل السياسية ليس أمراً مفاجئاً،  فالكتل ذاتها رفضت ضمن دورات برلمانية سابقة إقرار مشروع قانون لحماية الأسرة باستخدام الذرائع نفسها.

بثينة: صورة المسدّس التي لا تتلاشى

مرت ثماني سنوات على تعرّض  بثينة (اسم مستعار-18سنة) للتحرش من ابن عمها، مع ذلك بقيت صورته تلاحقها. بثينة التي تقطن محافظة المثنى لم تنسَ على رغم أنها كانت بعمر العاشرة حين حصلت الحادثة، تقول :”كثيراً ما أراه في أحلامي يضربني ويحاول خنقي”.

آنذاك، كانت بثينة تسكن مع عائلتها في بيت جدها مع عائلات سبع من أعمامها، حينها تحرش بها ابن عمها الذي يكبرها بسبع سنوات في غرفة عائلته. كانت تميز التحرش عن غيره من الأفعال بسبب توعية والدتها لها، وحين فعل ما فعله، أخبرته أنها ستفضحه، تصف لنا ما حصل وقتها قائلةً: “عندما هددته بفضحه أخرج سكيناً من جيبه وقال لي بأنه سيذبح والدي إن أخبرت أحداً”.

 تسلل “المُتحرش” بعد شهرين من الحادثة الأولى إلى غرفة عائلة بثينة، مُستغلاً  غياب أهلها إثر عودتها من المدرسة، وشهر بوجهها مسدس والده، بدأ لمسها مهدداً بقتلها إن هي صرخت.حاولت بثينة الهروب، لكنه ضربها بالمسدس على رأسها، ففقدت وعيها وبعدما أفاقت دخلت في نوبة صمت استمرت لشهرين.

لم تتحدث بثينة بعدها مع أحد، ولم تجلس مع بقية أقاربها على مائدة طعام واحدة، لم تذكر ما حدث على رغم إلحاح أمها ورغبتها في معرفة سبب صمتها، لكن صورة المسدس لم تفارق مخيّلتها وحتى الآن لا تعلم إن كان قد اغتصبها يومها أم لا؟

استمر ابن عم بثينة بالتحرش بها وتهديدها لسنتين، بعدها انتقلت مع عائلتها إلى بيت آخر، وعندما بلغت الرابعة عشرة روت لوالدتها ما حدث معها، لكن الأم خشيت أن تخبر والدها خوفاً من أن يقتل ابن أخيها. 

تختم حديثها: “يجب ألّا تتشارك العائلات منزلاً واحداً، خصوصاً بعد أن يكبر الأحفاد، أنا الآن في الثامنة عشرة ولا أقبل أن يقترب مني أحد، وصلت بي الحال الى عدم مصافحة أعمامي وأخوالي، فلا أثق بصلة القرابة التي تربطني بهم، كان أبي يوصي ابن عمي بنا قبل ذهابه الى العمل، لكنه خان أبي وخان قرابتنا”.

مريم: الكُتب مهرب من أبٍ مُتحرش

يتحول الأب أحياناً إلى وحش يهدد براءة ابنته، وهذا ما حصل مع  مريم(اسم وهمي-17سنة ) التي انفصل والدها عن والدتها حين كانت بعمر التاسعة، وعاد لاحقاً إلى المنزل حين بلغت الثالثة عشرة.

اعتقدت مريم بداية أنه مشتاق إليها، يضمّها ويقبلها، لكن الأمر فاق المعتاد. تقول مريم: “ظننت أنه يحاول تعويضي عن غيابه لسنوات، لكن يوماً بعد يوم صارت نظراته أغرب، تحولت لمساته إلى لمسات جنسية، إلى جانب ترديده إيحاءات جنسية في كل مرة نكون وحدنا”.

كانت تزداد مخاوف بثينة كلما عاد إلى المنزل ثملاً، وخشيت أن تعلم والدتها خوفاً من أن ينفصلا مجدداً، وتفقد الأسرة معيلها الوحيد، كما أنها استبعدت كلياً سيناريو مواجهته أمام والدتها أو أقربائها، كانت واثقة من أنه سينكر ذلك، فتتحول إلى مذنبة بدلاً من أن تكون الضحية، وشطبت من ذهنها أي محاولة للهرب من المنزل أو الخروج منه بالزواج، لأن عواقب هذين (الحلّين) قد تكون أقسى من تحرش والدها بها، لذا آثرت البقاء في المنزل.

تشير بثينة إلى مكتبة غرفتها الصغيرة وتواصل حديثها بنبرة أشبه بالهمس:”تسبب والدي بكرهي لنفسي وعدم تقبّلي لذاتي، إضافة إلى  الكوابيس التي لا تزال تراودني يومياً، هذه الكتب ساعدتني في تقبّل ذاتي مرة أخرى وأعادت إلي ثقتي بنفسي”.

أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية. 

12.01.2023
زمن القراءة: 11 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية