fbpx

ما أصابني حين قدتُ ابني بعيداً…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ها أنا ألتحق بهذا السرب المهاجر، أحمل أكياساً مع ابني آدم للانتقال إلى إقامته الجديدة في بريطانيا. ستكون هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أقوم فيها بتوصيل وحيدي إلى الجامعة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بينما كنت أتنقل بالطائرة من بيروت الى لندن ومن ثم بالقطار لساعات، أدركت فداحة الشعور… كنت أقود ابني بعيداً.

آدم على وشك الهروب إلى مستقبله، وسأكون محظوظة إن هاتفني لبضع دقائق كل يوم.

في مدينته الجديدة ومسكنه الطالبي، رأيت علامات الهجرة الموسمية في كل مكان: السيارات المتوقفة في مكانين، الأضواء التحذيرية تومض، الركاب يفرغون حقائبهم المكتظة، قطعان من أكياس ممتلئة بالوسائد والأغطية والمناشف. أهل من كل حدب وصوب يلملمون ما تيسر لتأمين غربة الأبناء في جامعاتهم، يرافقونهم ليودعوهم في رحلتهم الجديدة.  في وقت لاحق، ستكون هناك موجة هجرة أخرى: آباء وأمهات بعيون وردية رطبة، يعودون إلى بلادهم ومنازلهم الفارغة بمطابخ هادئة وثلاجات غير دبقة.

ها أنا ألتحق بهذا السرب المهاجر، أحمل أكياساً مع آدم للانتقال إلى إقامته الجديدة في بريطانيا. ستكون هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أقوم فيها بتوصيل وحيدي إلى الجامعة. 

إنه حدث عادي تماماً، لكنه مشحون بكم هائل من المشاعر العاطفية، حتى أنه أصبح لحظة متوقعة ومضخمة، لكن لا مفرّ من ذاك الشعور الهائل بالفقدان.

 كانت ممتعة رؤية هذا الطفل الصغير النشط الذي لا يرضخ للتوجيهات بسهولة،  يتحول إلى مراهق مشاكس أحياناً وناقد لاذع في أحيان كثيرة. في إحدى المرات، أغلقت على نفسي غرفتي أبكي بسبب موجة غضبه تجاهي. اليوم، هو شاب هادئ بدأ رحلة البحث عن نفسه. 

كنت دائما غير صبورة، أريد أن أرى من سيصبح. 

كانت حياة ابني تشبه حياة آلاف الأبناء في لبنان. وُلد في ذروة أزمات البلد عام 2005. هربت به أنا ووالده مرات عدة من المنزل بسبب أزمات أهلية حيناً، وأزمات اجتماعية وأمنية أحياناً أخرى. عاش معنا اضطرابات لبنان التي توالت وصولاً الى الانهيار المالي والحجر الصحي، حيث عاش وحيداً في غرفته لأكثر من عامين. 

كان هاجسنا دائماً كيف نحميه من تبعات أزمات بلادنا ومن انغماسنا فيها بحكم عملنا كصحافيين! 

انفجار مرفأ بيروت حسم قرارنا بأن علينا أن نبذل ما في وسعنا عاطفياً ومادياً ليحصّل تعليمه خارج لبنان بعد التراجع الكبير في المنظومة الصحية والتعليمية، والأهم الخوف من مصير قاتم مشابه لأبناء كثر كانوا في اللحظة الخطأ والمكان الخطأ. 

نحن في بلد طارد لأبنائه، وهذا واقع أعيش مرارته اليوم.

لم نعش أنا وحازم وحيدين منذ أكثر من 18 عاماً، وأشعر بالفضول حول كيفية التعامل مع الأمر، ما الذي سنتحدث عنه؟ على من سنقلق؟ هل سنأكل على الطاولة مرة أخرى؟ من سنصبح؟ 

نتحدث عن شعورنا تجاه عشّنا الفارغ، فهل نحن أمام صدمة حياتنا؟

سألتُ أصدقائي وصديقاتي ممن سبقوني في التجربة، هناك حزن غامر عندما يغادر من كانوا أطفالاً وباتوا مراهقين المنزل الى الجامعة. نحن نعيش ما يعرف بـ “متلازمة العش الفارغ”، التوصيف السيكولوجي الذي يعيشه الأهل أمثالنا الذين يغادرهم أبناؤهم. 

“ولادنا رايحين عالجامعة مش عالحرب”، ضحكنا أنا وصديقتي ديما وسط دموعنا المخنوقة.

كيف لحدث عادي أن يتحول الى هذه المشاعر الفائضة بالخوف والحزن والفقدان؟

لم أكن من الأمهات الملازمات المنزل، بل كنت أشعر بكثير من الذنب من أنني لم أكن موجودة كفاية ولم أنجح في خلق روتين مائدة يومية نجتمع حولها.

كبر آدم في غفلة مني وملأ الصيف الماضي المنزل بمجموعات من الأصدقاء، وأجبرني على ملازمة غرفتي لأنهم كانوا يسهرون في الصالون. 

كان هناك هاجس في ذهني بأن هذه الجلبة المحببة ستنتهي يوما ما، ثم حدث ذلك وشعرت بالدمار. لم أكن مستعدة  للحزن الذي شعرت به. ما زلت أعتقد أنه في المنزل، أنتظر خروجه من غرفته، ومحاججتي في تفاصيل كثيرة يعاندني فيها.

لكن، المنزل هادئ ومرتب، يبدو الأمر كما لو أن أحداً أطفأ الموسيقى، وساد صمت . 

26.09.2023
زمن القراءة: 3 minutes

ها أنا ألتحق بهذا السرب المهاجر، أحمل أكياساً مع ابني آدم للانتقال إلى إقامته الجديدة في بريطانيا. ستكون هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أقوم فيها بتوصيل وحيدي إلى الجامعة. 

بينما كنت أتنقل بالطائرة من بيروت الى لندن ومن ثم بالقطار لساعات، أدركت فداحة الشعور… كنت أقود ابني بعيداً.

آدم على وشك الهروب إلى مستقبله، وسأكون محظوظة إن هاتفني لبضع دقائق كل يوم.

في مدينته الجديدة ومسكنه الطالبي، رأيت علامات الهجرة الموسمية في كل مكان: السيارات المتوقفة في مكانين، الأضواء التحذيرية تومض، الركاب يفرغون حقائبهم المكتظة، قطعان من أكياس ممتلئة بالوسائد والأغطية والمناشف. أهل من كل حدب وصوب يلملمون ما تيسر لتأمين غربة الأبناء في جامعاتهم، يرافقونهم ليودعوهم في رحلتهم الجديدة.  في وقت لاحق، ستكون هناك موجة هجرة أخرى: آباء وأمهات بعيون وردية رطبة، يعودون إلى بلادهم ومنازلهم الفارغة بمطابخ هادئة وثلاجات غير دبقة.

ها أنا ألتحق بهذا السرب المهاجر، أحمل أكياساً مع آدم للانتقال إلى إقامته الجديدة في بريطانيا. ستكون هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أقوم فيها بتوصيل وحيدي إلى الجامعة. 

إنه حدث عادي تماماً، لكنه مشحون بكم هائل من المشاعر العاطفية، حتى أنه أصبح لحظة متوقعة ومضخمة، لكن لا مفرّ من ذاك الشعور الهائل بالفقدان.

 كانت ممتعة رؤية هذا الطفل الصغير النشط الذي لا يرضخ للتوجيهات بسهولة،  يتحول إلى مراهق مشاكس أحياناً وناقد لاذع في أحيان كثيرة. في إحدى المرات، أغلقت على نفسي غرفتي أبكي بسبب موجة غضبه تجاهي. اليوم، هو شاب هادئ بدأ رحلة البحث عن نفسه. 

كنت دائما غير صبورة، أريد أن أرى من سيصبح. 

كانت حياة ابني تشبه حياة آلاف الأبناء في لبنان. وُلد في ذروة أزمات البلد عام 2005. هربت به أنا ووالده مرات عدة من المنزل بسبب أزمات أهلية حيناً، وأزمات اجتماعية وأمنية أحياناً أخرى. عاش معنا اضطرابات لبنان التي توالت وصولاً الى الانهيار المالي والحجر الصحي، حيث عاش وحيداً في غرفته لأكثر من عامين. 

كان هاجسنا دائماً كيف نحميه من تبعات أزمات بلادنا ومن انغماسنا فيها بحكم عملنا كصحافيين! 

انفجار مرفأ بيروت حسم قرارنا بأن علينا أن نبذل ما في وسعنا عاطفياً ومادياً ليحصّل تعليمه خارج لبنان بعد التراجع الكبير في المنظومة الصحية والتعليمية، والأهم الخوف من مصير قاتم مشابه لأبناء كثر كانوا في اللحظة الخطأ والمكان الخطأ. 

نحن في بلد طارد لأبنائه، وهذا واقع أعيش مرارته اليوم.

لم نعش أنا وحازم وحيدين منذ أكثر من 18 عاماً، وأشعر بالفضول حول كيفية التعامل مع الأمر، ما الذي سنتحدث عنه؟ على من سنقلق؟ هل سنأكل على الطاولة مرة أخرى؟ من سنصبح؟ 

نتحدث عن شعورنا تجاه عشّنا الفارغ، فهل نحن أمام صدمة حياتنا؟

سألتُ أصدقائي وصديقاتي ممن سبقوني في التجربة، هناك حزن غامر عندما يغادر من كانوا أطفالاً وباتوا مراهقين المنزل الى الجامعة. نحن نعيش ما يعرف بـ “متلازمة العش الفارغ”، التوصيف السيكولوجي الذي يعيشه الأهل أمثالنا الذين يغادرهم أبناؤهم. 

“ولادنا رايحين عالجامعة مش عالحرب”، ضحكنا أنا وصديقتي ديما وسط دموعنا المخنوقة.

كيف لحدث عادي أن يتحول الى هذه المشاعر الفائضة بالخوف والحزن والفقدان؟

لم أكن من الأمهات الملازمات المنزل، بل كنت أشعر بكثير من الذنب من أنني لم أكن موجودة كفاية ولم أنجح في خلق روتين مائدة يومية نجتمع حولها.

كبر آدم في غفلة مني وملأ الصيف الماضي المنزل بمجموعات من الأصدقاء، وأجبرني على ملازمة غرفتي لأنهم كانوا يسهرون في الصالون. 

كان هناك هاجس في ذهني بأن هذه الجلبة المحببة ستنتهي يوما ما، ثم حدث ذلك وشعرت بالدمار. لم أكن مستعدة  للحزن الذي شعرت به. ما زلت أعتقد أنه في المنزل، أنتظر خروجه من غرفته، ومحاججتي في تفاصيل كثيرة يعاندني فيها.

لكن، المنزل هادئ ومرتب، يبدو الأمر كما لو أن أحداً أطفأ الموسيقى، وساد صمت . 

26.09.2023
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية