fbpx

متطوّعو “الخوذ البيضاء” ناموا في نقاط الإنقاذ ولم يروا عائلاتهم بعد الزلزال

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عند الكوارث، تعرف أسرتي جيدًا طبيعة عملنا، لذلك أمّنت زوجتي وطفلاتي وعدت إلى المنزل لأرتدي معطفاً، ثم رجعت مباشرةً إلى مركز الدفاع المدني لمتابعة العمل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عندما شعر الشاب السوري أحمد يازجي باهتزاز منزله في ريف إدلب، وبدء وقوع الأشياء المعلّقة على الجدران، بالتزامن مع انقطاع عام للكهرباء وأصوات رعد شديدة، حضن طفلاته الثلاث مع زوجته وهرع خارج المبنى، ولكن من رعب المشهد لا يتذكّر تماماً كيف استطاع إخراج أسرته من المبنى قبل سقوطه على رؤوسهم.

ولكن في هذه اللحظات، بينما ينهمك الجميع في الاطمئنان على أفراد الأسرة والأقارب ومعاينة الأضرار أو التحقّق ممن بقوا أحياء، لم تكن لدى يازجي هذه الرفاهية، فهو عضو في إدارة الدفاع المدني السوري، وقائد للعمليات، وعليه التوجّه الى العمل وإعلان الاستنفار العام على جميع الصعد تحت جنح الظلام، إذ بات مجرّد استيعاب الصدمة رفاهية في تلك اللحظة بالنسبة الى يازجي وغيره المئات من المتطوّعين في “الخوذ البيضاء”، فهم كانوا الأمل الوحيد لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، وبات عليهم ترتيب الأولويات بين خسائرهم الشخصية من الزلزال وبين خسائر عامة المقيمين في شمال سوريا.

يقول يازجي: “حالي كحال أي شخص يعيش في الشمال السوري، استيقظت على اهتزاز شديد ومستمر للمبنى، لم يسعفني الوقت لفعل أي شيء، ولا أتذكّر كيف حملت طفلاتي ورافقت زوجتي إلى الشارع، ولكن بشكلٍ مباشر عندما استوعبت أنّه زلزال، وضعت عائلتي داخل السيارة وهرعت إلى أقرب مركز للدفاع المدني لأعلن الاستنفار من هناك”.

بينما كانت عائلة يازجي داخل السيارة، بدأ يازجي بإطلاق نداءات عامة إلى جميع وحدات الدفاع المدني، وأعلن الاستنفار العام ثم بدأ بتوزيع الآليات على مناطق القطاع الذي يعمل فيه، وأطلق نداءات منفصلة للمدنيين القادرين على المساعدة، وأصحاب مقالع الحجر والفعاليات الصناعية والتجارية والخدمية التي تملك آليات مفيدة للإجلاء، ليقوموا بنقلها إلى المناطق المتضرّرة.

بعد ساعاتٍ طويلة من العمل، وبزوغ الفجر الذي كشف عن حجم الكارثة الحقيقي، انتبه يازجي الى أنّ أسرته ما زالت في السيارة، وأنّه ما زال يعمل في ملابس النوم على رغم الهطول الغزير للأمطار في تلك الليلة. يقول: “عند الكوارث، تعرف أسرتي جيدًا طبيعة عملنا، لذلك أمّنت زوجتي وطفلاتي وعدت إلى المنزل لأرتدي معطفاً، ثم رجعت مباشرةً إلى مركز الدفاع المدني لمتابعة العمل.

وفيما يتعرّض “الدفاع المدني السوري” منذ وقوع الزلزال المدمّر في شمال سوريا وجنوب تركيا، لحملة بروباغندا منظّمة من ماكينات “الميديا” التي تقودها روسيا ووسائل التواصل الاجتماعي السورية الموالية، سابق متطوّعوه الوقت لإنقاذ أكبر عددٍ ممكن من المدنيين العالقين تحت الأنقاض، بإمكاناتٍ متواضعة سواء من الناحية البشرية أو من ناحية المعدّات اللوجيستية والبنى التحتية لإجلاء المدنيين المعقّد من تحت الأنقاض.

من ناحية أخرى، لم تقدّم الأمم المتّحدة وفرقها أي مساعدة ميدانية للدفاع المدني، ولم تدخل أي مساعدات عبر “خطوط الحرب” من دمشق، الأمر الذي ترك المتطوّعين ينهمكون في عمليات إنقاذ أكبر من طاقاتهم.

وسط ذلك، قال مدير “الدفاع المدني” السوري رائد الصالح، في بيانٍ صحافي: “أودّ أن أبدأ اعتذاري وأسفي الشديد لكل من لم نستطع الوصول إلى أهله وذويه على قيد الحياة في كل أنحاء سوريا، إن الألم يعتصر قلوبنا لمجرد التفكير في ذلك، كنا نقاتل العجز ونحارب الزمن للوصول إليهم أحياء، لقد كان نقص المعدات ذات الفعالية سبباً كبيراً في هذا العجز، ولكننا نقسم لكم أننا عملنا وبذلنا قصارى جهدنا”.

في هذا التقرير، شرح عضو مجلس إدارة “الدفاع المدني” أحمد يازجي، تفاصيل توضح مدى المعاناة التي عاشها متطوّعو “الخوذ البيضاء” خلال الزلزال، بما في ذلك ضرورة انخراطهم في الإنقاذ بينما هم في الوقت ذاته متضرّرون شخصياً من الزلزال، في مقابل عدم تقديم أي مساعدة لهم وحملة التضليل التي تشيطن عملهم منذ سنوات، والتي لم تتوقّف أصلًا خلال الزلزال.

لم يعد أحدٌ من المتطوّعين إلى منزله خلال عمليات الإجلاء، بل كانوا ينامون لفتراتٍ قصيرة بعد ساعات عملٍ طويلة.

يرى يازجي أن روسيا والنظام السوري مستمران في حملة التضليل هذه منذ سنوات، ويتّهمون الدفاع المدني بعمل مشاهد تمثيلية مفبركة، إلّا أن الزلزال كشف عكس ذلك، إذ لا يمكن إنكار وقوع الزلزال، على غرار إنكار الهجمات الجوية والصاروخية ضد الأحياء السكنية، والتي خلّفت مدنيين تحت الأنقاض.

يضيف يازجي: “جميع الناس بمن فيهم من يعيشون في مناطق النظام، وجّهوا شكراً لجهود الدفاع المدني خلال انتشال العالقين تحت الأنقاض، ولاحظوا الخبرة التي تملكها هذه المؤسسة، التي لا تتبع لأي جهة سياسية، بل تعمل بحيادية وتساعد الإنسان فقط”.

يسرد يازجي كواليس ومشاهدات عن المتاعب الشخصية التي واجهها متطوّعو الدفاع المدني خلال أيام الإنقاذ، والتي سابقوا فيها الزمان لإنقاذ المزيد من العالقين، قائلاً “في اللحظات الأولى لوقوع الزلزال، لاحظنا أن الكارثة كانت كبيرة، بدأنا ننشر فرق الإنقاذ في مناطق عدة في وقتٍ واحد، ففي القطاع الذي أعمل فيه، نشرنا منقذين وآليات في سلقين وحارم واليعقوبية وعزمارين…. ومدنٍ أخرى منذ الدقائق الأولى لوقوع الزلزال، وطلبنا أيضاً من المدنيين والمنظمات المحلية أن تستنفر مع ما تملكه من معدّات قد تساعد في إجلاء العالقين، وكذلك الأمر تم استنفار الكوادر الطبّية”، موضحاً أن الوصول كان سريعاً، واستمرّ العمل بهذا الشكل على رغم قلّة الإمكانات.

وصلت هذه الفرق الليل بالنهار في عمليات الإنقاذ، حيث كانت تسير تحت جنح الظلام باستخدام أضواء كهربائية، من للوصول الى أكبر قدر ممكن من الأحياء، الأمر الذي زاد الضغط على متطوّعي “الخوذ البيضاء”، إذ كانت هذه الفرق تنهي الانتشار في منطقة وتنتقل من دون أي راحة إلى منطقة أخرى مباشرةً، على ما يشرح يازجي، لافتاً الى أنه “وبحسب المعطيات التي لدينا، لا يوجد أي مدني مفقود، إذ تم إنقاذ من استطعنا الوصول إليهم وهم أحياء، وتم انتشال من فقدوا حياتهم، وأعتقد إلى حد بعيد أنّه لم تعد هناك أي جثث تحت الأنقاض”.

بعدما نجح يازجي بتأمين عائلته، تابع العمل مع بقية الفرق متنقّلاً بين قرى ومدن قطاعه المنكوبة لخمسة أيام متواصلة من دون أن يرى أسرته. وبعد 24 ساعة من وقوع الزلزال، حاول أن ينام قليلاً في الساعة الرابعة فجراً، لكن بعد نصف ساعة نهض على هزّة ارتدادية، ليعود إلى العمل. يشير يازجي في هذا السياق، “كان لديَّ شعور بأنّني يجب ألّا أتوقّف ولا حتّى لثانية واحدة، عندما كنت أشعر أن الفرق بدأت تنهار من شدّة التعب، كنت أحاول التحدّث معهم بكلمات تحفيزية تساعدني وتساعدهم على الاستمرار، ولكن أكثر ما كان يعطينا دافعاً لمتابعة العمل هو فرق الإنقاذ التي شكّلها مدنيون لمساعدتنا، الأمر الذي زاد من الأمل بإنقاذ المزيد”.

وعن أكثر المواقف التي جعلته يقاوم الانهيار، يقول يازجي، “في قرية بسينة،كنت حاضراً لأدير عملية إجلاء أشخاص على قيد الحياة من تحت الأنقاض، بعد ساعاتٍ من العمل نجحنا بإخراجهم، وكان من بينهم طفل خرج بصحّة جيدة، وفي تلك اللحظة كان الناس يصرخون من هول المشهد، هذا الشعور أشعل الأمل في أنفسنا بإمكان إنقاذ المزيد. كانت تؤلمني كثيراً مشاهد الآباء الذين كانوا يعانقون جثث أولادهم بعد إخراجها من تحت الأنقاض، شعرت بأنه كان من الممكن في أي لحظة أن أعيش اللحظة ذاتها وأكون مكان هولاء الآباء”.

التقى يازجي ببناته بعد الزلزال بخمسة أيام، على رغم حاجة أسرته إليه في تلك اللحظات المروّعة، والتي تتكاتف فيها الأسر لمساندة بعضها البعض وتبادل الشعور بالطمأنينة.

لم تكن هذه معاناة يازجي وحده، فهو كان شاهداً عندما كان أحد المتطوّعين يعمل على إنقاذ العالقين في إحدى القرى، فيما كان لديه أقارب وأصدقاء عالقون في قرية أخرى، بل إنّه رأى متطوعاً كان يحفر الأنقاض لإجلاء العالقين تحتها، فعثر على فتاة وهي على قيد الحياة، انهار باكياً، ليعرف زملاؤه لاحقاً أن أفراداً من أسرته ما زالوا تحت الأنقاض، وقد تكرّر هذا الموقف كثيراً خلال عمليات القصف التي كان يشنّها النظام وروسيا قبل الزلزال.

أما عن الراحة، فلم يعد أحدٌ من المتطوّعين إلى منزله خلال عمليات الإجلاء، بل كانوا ينامون لفتراتٍ قصيرة بعد ساعات عملٍ طويلة، إمّا في مكان عمليات الانتشال حيث يحصلون على غفوة لمدّة ساعة داخل السيارة، أو يذهبون الى أقرب مركز للدفاع المدني للحصول على استراحة بسيطة. وقد تحدّث يازجي عن متطوّع لم ينم ليومين متواصلين على رغم أنه يبلغ من العمر نحو 50 عاماً، إذ استمرّ بالعمل لنحو 48 ساعة متواصلة في موقع إجلاء واحد يحتوي على كثر من العالقين الأحياء.

يروي يازجي أن أحد المتطوّعين توفّي ثلاثة من أفراد أسرته بالزلزال، وعلى رغم ذلك واصل العمل، مكتفياً بالحصول على إجازة لبضع ساعات لدفنهم، ليعود بعدها إلى مواصلة عمليات الإجلاء، مضيفاً “ما زاد قهرنا  ومعاناتنا وآلامنا، هو جثث السوريين الذين فقدوا حياتهم في تركيا، والذين بلغ عددهم أكثر من ألف شخص، والتي كانت تأتي محمّلة في شاحنات تحتوي على أقارب أو معارف أو أصدقاء للمتطوّعين”.

24.02.2023
زمن القراءة: 6 minutes

عند الكوارث، تعرف أسرتي جيدًا طبيعة عملنا، لذلك أمّنت زوجتي وطفلاتي وعدت إلى المنزل لأرتدي معطفاً، ثم رجعت مباشرةً إلى مركز الدفاع المدني لمتابعة العمل.

عندما شعر الشاب السوري أحمد يازجي باهتزاز منزله في ريف إدلب، وبدء وقوع الأشياء المعلّقة على الجدران، بالتزامن مع انقطاع عام للكهرباء وأصوات رعد شديدة، حضن طفلاته الثلاث مع زوجته وهرع خارج المبنى، ولكن من رعب المشهد لا يتذكّر تماماً كيف استطاع إخراج أسرته من المبنى قبل سقوطه على رؤوسهم.

ولكن في هذه اللحظات، بينما ينهمك الجميع في الاطمئنان على أفراد الأسرة والأقارب ومعاينة الأضرار أو التحقّق ممن بقوا أحياء، لم تكن لدى يازجي هذه الرفاهية، فهو عضو في إدارة الدفاع المدني السوري، وقائد للعمليات، وعليه التوجّه الى العمل وإعلان الاستنفار العام على جميع الصعد تحت جنح الظلام، إذ بات مجرّد استيعاب الصدمة رفاهية في تلك اللحظة بالنسبة الى يازجي وغيره المئات من المتطوّعين في “الخوذ البيضاء”، فهم كانوا الأمل الوحيد لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، وبات عليهم ترتيب الأولويات بين خسائرهم الشخصية من الزلزال وبين خسائر عامة المقيمين في شمال سوريا.

يقول يازجي: “حالي كحال أي شخص يعيش في الشمال السوري، استيقظت على اهتزاز شديد ومستمر للمبنى، لم يسعفني الوقت لفعل أي شيء، ولا أتذكّر كيف حملت طفلاتي ورافقت زوجتي إلى الشارع، ولكن بشكلٍ مباشر عندما استوعبت أنّه زلزال، وضعت عائلتي داخل السيارة وهرعت إلى أقرب مركز للدفاع المدني لأعلن الاستنفار من هناك”.

بينما كانت عائلة يازجي داخل السيارة، بدأ يازجي بإطلاق نداءات عامة إلى جميع وحدات الدفاع المدني، وأعلن الاستنفار العام ثم بدأ بتوزيع الآليات على مناطق القطاع الذي يعمل فيه، وأطلق نداءات منفصلة للمدنيين القادرين على المساعدة، وأصحاب مقالع الحجر والفعاليات الصناعية والتجارية والخدمية التي تملك آليات مفيدة للإجلاء، ليقوموا بنقلها إلى المناطق المتضرّرة.

بعد ساعاتٍ طويلة من العمل، وبزوغ الفجر الذي كشف عن حجم الكارثة الحقيقي، انتبه يازجي الى أنّ أسرته ما زالت في السيارة، وأنّه ما زال يعمل في ملابس النوم على رغم الهطول الغزير للأمطار في تلك الليلة. يقول: “عند الكوارث، تعرف أسرتي جيدًا طبيعة عملنا، لذلك أمّنت زوجتي وطفلاتي وعدت إلى المنزل لأرتدي معطفاً، ثم رجعت مباشرةً إلى مركز الدفاع المدني لمتابعة العمل.

وفيما يتعرّض “الدفاع المدني السوري” منذ وقوع الزلزال المدمّر في شمال سوريا وجنوب تركيا، لحملة بروباغندا منظّمة من ماكينات “الميديا” التي تقودها روسيا ووسائل التواصل الاجتماعي السورية الموالية، سابق متطوّعوه الوقت لإنقاذ أكبر عددٍ ممكن من المدنيين العالقين تحت الأنقاض، بإمكاناتٍ متواضعة سواء من الناحية البشرية أو من ناحية المعدّات اللوجيستية والبنى التحتية لإجلاء المدنيين المعقّد من تحت الأنقاض.

من ناحية أخرى، لم تقدّم الأمم المتّحدة وفرقها أي مساعدة ميدانية للدفاع المدني، ولم تدخل أي مساعدات عبر “خطوط الحرب” من دمشق، الأمر الذي ترك المتطوّعين ينهمكون في عمليات إنقاذ أكبر من طاقاتهم.

وسط ذلك، قال مدير “الدفاع المدني” السوري رائد الصالح، في بيانٍ صحافي: “أودّ أن أبدأ اعتذاري وأسفي الشديد لكل من لم نستطع الوصول إلى أهله وذويه على قيد الحياة في كل أنحاء سوريا، إن الألم يعتصر قلوبنا لمجرد التفكير في ذلك، كنا نقاتل العجز ونحارب الزمن للوصول إليهم أحياء، لقد كان نقص المعدات ذات الفعالية سبباً كبيراً في هذا العجز، ولكننا نقسم لكم أننا عملنا وبذلنا قصارى جهدنا”.

في هذا التقرير، شرح عضو مجلس إدارة “الدفاع المدني” أحمد يازجي، تفاصيل توضح مدى المعاناة التي عاشها متطوّعو “الخوذ البيضاء” خلال الزلزال، بما في ذلك ضرورة انخراطهم في الإنقاذ بينما هم في الوقت ذاته متضرّرون شخصياً من الزلزال، في مقابل عدم تقديم أي مساعدة لهم وحملة التضليل التي تشيطن عملهم منذ سنوات، والتي لم تتوقّف أصلًا خلال الزلزال.

لم يعد أحدٌ من المتطوّعين إلى منزله خلال عمليات الإجلاء، بل كانوا ينامون لفتراتٍ قصيرة بعد ساعات عملٍ طويلة.

يرى يازجي أن روسيا والنظام السوري مستمران في حملة التضليل هذه منذ سنوات، ويتّهمون الدفاع المدني بعمل مشاهد تمثيلية مفبركة، إلّا أن الزلزال كشف عكس ذلك، إذ لا يمكن إنكار وقوع الزلزال، على غرار إنكار الهجمات الجوية والصاروخية ضد الأحياء السكنية، والتي خلّفت مدنيين تحت الأنقاض.

يضيف يازجي: “جميع الناس بمن فيهم من يعيشون في مناطق النظام، وجّهوا شكراً لجهود الدفاع المدني خلال انتشال العالقين تحت الأنقاض، ولاحظوا الخبرة التي تملكها هذه المؤسسة، التي لا تتبع لأي جهة سياسية، بل تعمل بحيادية وتساعد الإنسان فقط”.

يسرد يازجي كواليس ومشاهدات عن المتاعب الشخصية التي واجهها متطوّعو الدفاع المدني خلال أيام الإنقاذ، والتي سابقوا فيها الزمان لإنقاذ المزيد من العالقين، قائلاً “في اللحظات الأولى لوقوع الزلزال، لاحظنا أن الكارثة كانت كبيرة، بدأنا ننشر فرق الإنقاذ في مناطق عدة في وقتٍ واحد، ففي القطاع الذي أعمل فيه، نشرنا منقذين وآليات في سلقين وحارم واليعقوبية وعزمارين…. ومدنٍ أخرى منذ الدقائق الأولى لوقوع الزلزال، وطلبنا أيضاً من المدنيين والمنظمات المحلية أن تستنفر مع ما تملكه من معدّات قد تساعد في إجلاء العالقين، وكذلك الأمر تم استنفار الكوادر الطبّية”، موضحاً أن الوصول كان سريعاً، واستمرّ العمل بهذا الشكل على رغم قلّة الإمكانات.

وصلت هذه الفرق الليل بالنهار في عمليات الإنقاذ، حيث كانت تسير تحت جنح الظلام باستخدام أضواء كهربائية، من للوصول الى أكبر قدر ممكن من الأحياء، الأمر الذي زاد الضغط على متطوّعي “الخوذ البيضاء”، إذ كانت هذه الفرق تنهي الانتشار في منطقة وتنتقل من دون أي راحة إلى منطقة أخرى مباشرةً، على ما يشرح يازجي، لافتاً الى أنه “وبحسب المعطيات التي لدينا، لا يوجد أي مدني مفقود، إذ تم إنقاذ من استطعنا الوصول إليهم وهم أحياء، وتم انتشال من فقدوا حياتهم، وأعتقد إلى حد بعيد أنّه لم تعد هناك أي جثث تحت الأنقاض”.

بعدما نجح يازجي بتأمين عائلته، تابع العمل مع بقية الفرق متنقّلاً بين قرى ومدن قطاعه المنكوبة لخمسة أيام متواصلة من دون أن يرى أسرته. وبعد 24 ساعة من وقوع الزلزال، حاول أن ينام قليلاً في الساعة الرابعة فجراً، لكن بعد نصف ساعة نهض على هزّة ارتدادية، ليعود إلى العمل. يشير يازجي في هذا السياق، “كان لديَّ شعور بأنّني يجب ألّا أتوقّف ولا حتّى لثانية واحدة، عندما كنت أشعر أن الفرق بدأت تنهار من شدّة التعب، كنت أحاول التحدّث معهم بكلمات تحفيزية تساعدني وتساعدهم على الاستمرار، ولكن أكثر ما كان يعطينا دافعاً لمتابعة العمل هو فرق الإنقاذ التي شكّلها مدنيون لمساعدتنا، الأمر الذي زاد من الأمل بإنقاذ المزيد”.

وعن أكثر المواقف التي جعلته يقاوم الانهيار، يقول يازجي، “في قرية بسينة،كنت حاضراً لأدير عملية إجلاء أشخاص على قيد الحياة من تحت الأنقاض، بعد ساعاتٍ من العمل نجحنا بإخراجهم، وكان من بينهم طفل خرج بصحّة جيدة، وفي تلك اللحظة كان الناس يصرخون من هول المشهد، هذا الشعور أشعل الأمل في أنفسنا بإمكان إنقاذ المزيد. كانت تؤلمني كثيراً مشاهد الآباء الذين كانوا يعانقون جثث أولادهم بعد إخراجها من تحت الأنقاض، شعرت بأنه كان من الممكن في أي لحظة أن أعيش اللحظة ذاتها وأكون مكان هولاء الآباء”.

التقى يازجي ببناته بعد الزلزال بخمسة أيام، على رغم حاجة أسرته إليه في تلك اللحظات المروّعة، والتي تتكاتف فيها الأسر لمساندة بعضها البعض وتبادل الشعور بالطمأنينة.

لم تكن هذه معاناة يازجي وحده، فهو كان شاهداً عندما كان أحد المتطوّعين يعمل على إنقاذ العالقين في إحدى القرى، فيما كان لديه أقارب وأصدقاء عالقون في قرية أخرى، بل إنّه رأى متطوعاً كان يحفر الأنقاض لإجلاء العالقين تحتها، فعثر على فتاة وهي على قيد الحياة، انهار باكياً، ليعرف زملاؤه لاحقاً أن أفراداً من أسرته ما زالوا تحت الأنقاض، وقد تكرّر هذا الموقف كثيراً خلال عمليات القصف التي كان يشنّها النظام وروسيا قبل الزلزال.

أما عن الراحة، فلم يعد أحدٌ من المتطوّعين إلى منزله خلال عمليات الإجلاء، بل كانوا ينامون لفتراتٍ قصيرة بعد ساعات عملٍ طويلة، إمّا في مكان عمليات الانتشال حيث يحصلون على غفوة لمدّة ساعة داخل السيارة، أو يذهبون الى أقرب مركز للدفاع المدني للحصول على استراحة بسيطة. وقد تحدّث يازجي عن متطوّع لم ينم ليومين متواصلين على رغم أنه يبلغ من العمر نحو 50 عاماً، إذ استمرّ بالعمل لنحو 48 ساعة متواصلة في موقع إجلاء واحد يحتوي على كثر من العالقين الأحياء.

يروي يازجي أن أحد المتطوّعين توفّي ثلاثة من أفراد أسرته بالزلزال، وعلى رغم ذلك واصل العمل، مكتفياً بالحصول على إجازة لبضع ساعات لدفنهم، ليعود بعدها إلى مواصلة عمليات الإجلاء، مضيفاً “ما زاد قهرنا  ومعاناتنا وآلامنا، هو جثث السوريين الذين فقدوا حياتهم في تركيا، والذين بلغ عددهم أكثر من ألف شخص، والتي كانت تأتي محمّلة في شاحنات تحتوي على أقارب أو معارف أو أصدقاء للمتطوّعين”.

24.02.2023
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية