fbpx

مسلسل المنع والتشفير…
كيف سيشاهد المصريون كأس العالم 2022؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

انتهى عصر المشاهدة المجانية، جملة لم تعد غريبة على الآذان، فلم يعد هناك أمل في مشاهدة أي حدث رياضي عالمي مجاناً أو عبر القنوات المحلية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في فجر أحد أيام تموز/ يوليو 1999 شهدت شوارع مصر مشهداً جنائزياً مهيباً، شارك فيه مئات الآلاف من المصريين، يمشون حزانى بعدما شاهدوا منتخب مصر، يتعرض لواحدة من أكبر الهزائم في تاريخه، أمام المنتخب السعودي بخمسة أهداف لواحد، في ختام مشاركة الفراعنة في بطولة كأس القارات، حيث اضطر المصريون وقتها للنزول إلى المقاهي فجراً لمشاهدة مباريات المنتخب المصري، في البطولة التي أقيمت بالمكسيك، والتي أذيعت “مشفرة” عبر قنوات ART.

وفي نهار أيلول/ سبتمبر 2022 في تونس، حصلت مجموعة قنوات “بي ان” القطرية على حكم قضائي مستعجل بمنع شركة MyTeK من بيع أجهزة IPTV التي تعمل على قرصنة قنوات “بي ان” بوسائل غير قانونية.

وما بين صيف 1999 وصيف 2022، رحلة طويلة من معاناة جماهير الكرة العربية مع مشاهدة الأحداث الكروية والرياضية العالمية، وقبل كل حدث رياضي كبير، يحضر سؤال، أين يمكننا أن نشاهد هذه المباريات؟

“ستة ملايين مصري يسرقونني” جملة نارية أطلقها رجل الأعمال السعودي الراحل صالح كامل، في حوار له مع الإعلامي المصري الراحل مجدي مهنا عام 2006، وذلك تعليقاً على القرصنة التي تتعرض لها مجموعة قنوات ART، والتي كانت تستعد وقتها لبث بطولة كأس العالم 2006 في ألمانيا، ضمن باقة سنوية وصلت تكلفتها إلى نحو 1200 جنيه مصري، ما اعتبر وقتها مغالاة في الأسعار، بخاصة أن المشاهد المصري اعتاد عبر عشرات السنين على مشاهدة الأحداث الرياضية العالمية مجاناً عبر شاشة التلفزيون الحكومي، قبل أن يظهر مصطلح “ادفع لكي تشاهد”، سابقاً في أوروبا وأميركا، ثم منذ التسعينات في مصر والعالم العربي.

“ستة ملايين مصري يسرقوننيجملة نارية أطلقها رجل الأعمال السعودي الراحل صالح كامل، في حوار له مع الإعلامي المصري الراحل مجدي مهنا عام 2006، وذلك تعليقاً على القرصنة التي تتعرض لها مجموعة قنوات ART

وربما كان لواقعة كأس القارات الشهيرة في المكسيك عام 1999 السبق في ذلك، إذ رفض صالح كامل وقتها إتاحة مباريات المنتخبين المصري والسعودي للجماهير في البلدين بشكل مجاني، وهو ما فاجأ الجمهور المصري الذي انتظر أن تفعل حكومته “معجزة” ما، ويشاهد المباريات على التلفزيون الأرضي، وهو ما لم يحدث، ما أدى إلى احتشاد آلاف المصريين في بعض المقاهي التي فطن أصحابها للموقف وقاموا بالاشتراك في قنوات ART، وما صاحب ذلك من تطبيق “رسم دخول” لبعض المقاهي، وصل أحياناً إلى 10 جنيهات كاملة، ربما للمرة الأولى في التاريخ!

واستمرت مجموعة قنوات ART في احتكار المناسبات الكروية والرياضية العالمية، فبدأت في احتكار بطولات كأس العالم وكأس الأمم الأفريقية، وأيضاً بدأت بث مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا وبعض البطولات الأوروبية الأخرى، وفي الوقت نفسه واصلت جماهير الكرة المصرية والعربية محاولاتها للالتفاف حول الاشتراك في هذه القنوات بشكل رسمي، فشاهدنا انتشار أجهزة مثل ما كان يسمى “حرامي الدش” وأيضاً انتشار “الوصلة”، وهي تحديداً ما كان يقصده صالح كامل بوجود ملايين المصريين ممن يشاهدون قنواته بطريقة غير شرعي.

الالتفاف الحكومي، بالفرنسي

رفض صالح كامل وإدارة قنوات ART أي محاولات لاقتسام بث البطولات المهمة، واضعاً شروطاً وصفها مسؤولو الإعلام المصري بالتعجيزية وقتها، حتى جاءت بطولة كأس الأمم الأفريقية عام 2004 في تونس، وفوجئت جماهير الكرة المصرية بالإعلان عن بث مباريات البطولة كاملة عبر القنوات المحلية، ولكن مصحوبة بالتعليق باللغة الفرنسية… حيث استغل المسؤولون المصريون ثغرة في عقود ART التي كانت تحدد الاحتكار بالبث باللغتين العربية والإنكليزية فقط، لتنتشر مشاهد عبثية في المنازل المصرية، المباراة على شاشة التلفزيون صامتة وبجوارها جهاز الراديو لسماع المعلق المصري!

طبعاً هذه الواقعة جعلت مسؤولي ART يحرصون على سد أي ثغرة مماثلة في العقود التالية، فلم يعد هناك فرصة لا لتعليق فرنسي، ولا حتى لبث عبر أجهزة الراديو!

دوري أبطال “الديكودر”

وفي محاولة من مسؤولي ART لتشجيع المصريين على الاشتراك بقنواتها، جاءت فكرة دوري أبطال العرب، الذي أقيمت منه نسخة استثنائية عام 2004 بمشاركة معظم الفرق العربية القوية، في مقدمتها الثلاثي الأهلي والزمالك والإسماعيلي، وكانت مبارياته مشفرة فقط على قنوات ART الرياضية، وهو ما وصف فيما بعد في الصحافة الرياضية المصرية بأنه “دوري أبطال الديكودر”، بالإشارة إلى الجهاز الذي كان مستخدماً لفك الشفرة وقتها، إلا أن انسحاب الأهلي قبل الأدوار الإقصائية وبعض المشكلات الإدارية في تنظيمها جعلت التجربة لا تتكرر.

الدوري المصري “مشفراً”

محاولات صالح كامل لفرض التشفير لم تقف عند البطولات العالمية، بل امتدت لمحاولات علنية لاحتكار الدوري المصري لكرة القدم، وبثه مشفراً عبر قنواته، إلا أن حملات رفض إعلامية هائلة تسببت في وأد الفكرة في مهدها، حيث علل رافضو الفكرة الأمر، بأن كرة القدم هي “متعة الغلابة” ويجب ألا تكون مدفوعة الثمن. واستمرت محاولات بعض مسؤولي كرة القدم المصرية وقتها لإنجاح الفكرة دون جدوى، ليتوقف الحديث تماماً، بعد منع الجماهير كلياً ثم جزئياً من حضور مباريات الكرة في العشرية الأخيرة، حيث أصبحت فكرة تشفير الفرجة لا مكان لها في ظل عدم وجود فرصة أصلاً لمشاهدة مبارياته بالملاعب.

نقلة “بي إن” النوعية

عام 2003، انطلقت قناة “الجزيرة” الرياضية كذراع إعلامية جديدة للمجموعة الإعلامية القطرية الأشهر، وبدأت في إذاعة مباريات الدوري الإسباني بشكل مجاني، ما جعلها تنال شعبية كبيرة بين جماهير الكرة العربية وقتها، قبل أن تقوم بعملية شراء كبيرة لمجموعة قنوات ART نهاية عام 2009، حيث اشترت “الجزيرة” كل حقوق البطولات التي كانت تملكها ART لتضمها كلها في شبكة واحدة.

ومع حصول “الجزيرة الرياضية” على حقوق بث الدوري الإنكليزي الممتاز، أعلنت الشبكة عن تشفير قنواتها معللة ذلك باشتراطات الشركة العالمية صاحبة الحقوق، حيث أن بث القمر الصناعي نايلسات الذي تبث عبره قنوات “الجزيرة” يصل إلى مناطق من جنوب أوروبا، ما يعني أنه يجب أن تشفر المشاهدة، وهو ما وصفه الإعلامي “أيمن جادة” المدير السابق لقناة “الجزيرة” الرياضية وقتها، بأنه لم يكن على هوى ملاك القناة، طارحاً حلاً بديلاً للتشفير ولكنه يبدو مستحيلاً، وهو أن تقوم الدول العربية الـ22 بمنح قناة “الجزيرة” الرياضية موجات بث أرضية تقوم من خلالها ببث المباريات بشكل مجاني!

وتواصلت رحلة الجزيرة الرياضية مع بث البطولات العالمية، فبثت كؤوس العالم ودورات الألعاب الأوليمبية، والكثير الدوريات الأوروبية في مقدمتها الدوري الإنجليزي والإسباني ثم الإيطالي والألماني، دوري أبطال أوروبا وبطولة كأس الأمم الأوروبية، إضافة إلى بطولات أخرى في التنس، كرة السلة، كرة اليد، الكرة الطائرة، الفورميلا ون، وحتى ألعاب القوى والاسكواش والبادل!

ولا ننكر أن قنوات الجزيرة الرياضية ووريثتها قنوات “بي إن” قد قامت بنقلة نوعية في هذا الإطار، سواء من جودة البث والاستوديوهات المجهزة والاستعانة بأفضل المحللين في العالم والتواجد في قلب الأحداث الكبرى، إضافة إلى شبكة المراسلين الضخمة في جميع أنحاء العالم. 

وبالنسبة إلى الأسعار، فقد ظلت باقات “بي إن” فوق قدرة المواطن العربي البسيط، إضافة إلى أن الشبكة بدأت في تخصيص باقات خاصة للأحداث الكبرى، فهناك باقة محددة لمشاهدة الأولمبياد وأخرى لمشاهدة كأس الأمم الأوروبية وثالثة لكأس الأمم الإفريقية، وطبعا سيكون هناك باقة لمشاهدة كأس العالم.

عندكم “بي ان”، عندنا “بي أوت”!

مع مطلع عام 2017، ومع تزايد حدة الازمة الخليجية بين قطر من جهة وباقي جيرانها من جهة أخرى، كانت حرب الحقوق الرياضية إحدى ساحات الخلاف بين المعسكرين، فظهرت فجأة مجموعة قنوات تحمل اسم “بي أوت كيو” تقوم بنقل الأحداث والمباريات الرياضية التي تنقلها “بي ان” ولكن مع طمس اللوجو الخاص بالقنوات القطرية ووضع لوجو بي أوت، ولم يفت على المتابعين أن اختيار اسم القنوات المنافسة جاء إسقاطاً على القنوات الشرعية، مع إضافة الحرف Q في إشارة صريحة إلى دولة قطر.

استمرت حرب “بي إن” على القنوات المقرصنة لأعوام، وشملت رفع الكثير من الدعاوى القضائية لوقف بث هذه القنوات، مع استمرار الرفض الرسمي السعودي التام لأي صلة تربط السعودية بهذه القنوات، مقابل إصرار “بي إن” على شكوى السعودية صراحة، وإعلانها أنها حاولت رفع دعوى قضائية في المحاكم السعودية، بيد أن المجموعة القطرية لم تنجح في إقناع أي شركة محاماة سعودية برفع القضية عن طريقها! 

ووصلت الحملة إلى ذروتها مع انطلاق مباريات كأس العالم في روسيا 2018، إذ واصلت “بي إن” حربها ضد بي أوت، وتواصلت الإدانات العالمية من العديد من المؤسسات الرياضية لما تفعله بي أوت، مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الدولي للتنس وغيرها، إضافة إلى بيانات تأييد لجهود “بي إن” من شبكات عالمية مثل هيئة الإذاعة البريطانية BBC وغيرها.

في المقابل واصلت السلطات السعودية إنكار أية صلة بهذه القنوات، وصل حتى إلى تأييد أحكام قضائية عالمية بحظر بي اوت، إلا أنها أيضاً حركت بعض الدعاوى ضد المجموعة القطرية بدعوى سياساتها الاحتكارية، قبل أن يسدل الستار على كل هذه الملابسات مع المصالحة الخليجية، لتختفي قنوات “بي أوت كيو” للأبد!

كيف سيشاهد المصريون كأس العالم 2022؟

انتهى عصر المشاهدة المجانية، جملة لم تعد غريبة على الآذان، فلم يعد هناك أمل في مشاهدة أي حدث رياضي عالمي مجاناً أو عبر القنوات المحلية، واستعداداً لبث بطولة كأس العالم للمرة الرابعة (بعد نسخ 2010، 2014 و2018)، من المنتظر أن تعلن شبكة “بي ان” عن باقات مختلفة تتيح للمشتركين مشاهدة مباريات البطولة التي ستقام بين العشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر والثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2022، يتوقع أن يصل سعرها في مصر إلى 2500 جنيه مصري (ما يقرب من 130 دولاراً أميركياً) إضافة إلى سعر جهاز الاستقبال الخاص بالشبكة والبالغ تقريباً 2200 جنيه مصري (115 دولاراً)، ما يزيد الإقبال سواء على طرق المشاهدة غير الشرعية (مثل أجهزة ال IPTV وغيرها) أو اللجوء للحل السحري في العشرين سنة الماضية، المقاهي! 

"درج" | 19.07.2024

اغتيال مرهج الجرماني… محاولة لضرب الاحتجاجات السلمية في السويداء

لا شكّ بأن اغتيال مرهج يصب في مصلحة النظام، فهو لم يترك ساحة الاعتصام منذ بداية الثورة العام الماضي، وفي الشهر الماضي احتجز هو وفصيله عشرات الضباط والعناصر التابعين للنظام السوري، على خلفية اعتقال الأجهزة الأمنية شابة من السويداء بسبب نشاطها المدني، وتمكن بالفعل من تحريرها بعملية مقايضة.
25.09.2022
زمن القراءة: 7 minutes

انتهى عصر المشاهدة المجانية، جملة لم تعد غريبة على الآذان، فلم يعد هناك أمل في مشاهدة أي حدث رياضي عالمي مجاناً أو عبر القنوات المحلية.

في فجر أحد أيام تموز/ يوليو 1999 شهدت شوارع مصر مشهداً جنائزياً مهيباً، شارك فيه مئات الآلاف من المصريين، يمشون حزانى بعدما شاهدوا منتخب مصر، يتعرض لواحدة من أكبر الهزائم في تاريخه، أمام المنتخب السعودي بخمسة أهداف لواحد، في ختام مشاركة الفراعنة في بطولة كأس القارات، حيث اضطر المصريون وقتها للنزول إلى المقاهي فجراً لمشاهدة مباريات المنتخب المصري، في البطولة التي أقيمت بالمكسيك، والتي أذيعت “مشفرة” عبر قنوات ART.

وفي نهار أيلول/ سبتمبر 2022 في تونس، حصلت مجموعة قنوات “بي ان” القطرية على حكم قضائي مستعجل بمنع شركة MyTeK من بيع أجهزة IPTV التي تعمل على قرصنة قنوات “بي ان” بوسائل غير قانونية.

وما بين صيف 1999 وصيف 2022، رحلة طويلة من معاناة جماهير الكرة العربية مع مشاهدة الأحداث الكروية والرياضية العالمية، وقبل كل حدث رياضي كبير، يحضر سؤال، أين يمكننا أن نشاهد هذه المباريات؟

“ستة ملايين مصري يسرقونني” جملة نارية أطلقها رجل الأعمال السعودي الراحل صالح كامل، في حوار له مع الإعلامي المصري الراحل مجدي مهنا عام 2006، وذلك تعليقاً على القرصنة التي تتعرض لها مجموعة قنوات ART، والتي كانت تستعد وقتها لبث بطولة كأس العالم 2006 في ألمانيا، ضمن باقة سنوية وصلت تكلفتها إلى نحو 1200 جنيه مصري، ما اعتبر وقتها مغالاة في الأسعار، بخاصة أن المشاهد المصري اعتاد عبر عشرات السنين على مشاهدة الأحداث الرياضية العالمية مجاناً عبر شاشة التلفزيون الحكومي، قبل أن يظهر مصطلح “ادفع لكي تشاهد”، سابقاً في أوروبا وأميركا، ثم منذ التسعينات في مصر والعالم العربي.

“ستة ملايين مصري يسرقوننيجملة نارية أطلقها رجل الأعمال السعودي الراحل صالح كامل، في حوار له مع الإعلامي المصري الراحل مجدي مهنا عام 2006، وذلك تعليقاً على القرصنة التي تتعرض لها مجموعة قنوات ART

وربما كان لواقعة كأس القارات الشهيرة في المكسيك عام 1999 السبق في ذلك، إذ رفض صالح كامل وقتها إتاحة مباريات المنتخبين المصري والسعودي للجماهير في البلدين بشكل مجاني، وهو ما فاجأ الجمهور المصري الذي انتظر أن تفعل حكومته “معجزة” ما، ويشاهد المباريات على التلفزيون الأرضي، وهو ما لم يحدث، ما أدى إلى احتشاد آلاف المصريين في بعض المقاهي التي فطن أصحابها للموقف وقاموا بالاشتراك في قنوات ART، وما صاحب ذلك من تطبيق “رسم دخول” لبعض المقاهي، وصل أحياناً إلى 10 جنيهات كاملة، ربما للمرة الأولى في التاريخ!

واستمرت مجموعة قنوات ART في احتكار المناسبات الكروية والرياضية العالمية، فبدأت في احتكار بطولات كأس العالم وكأس الأمم الأفريقية، وأيضاً بدأت بث مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا وبعض البطولات الأوروبية الأخرى، وفي الوقت نفسه واصلت جماهير الكرة المصرية والعربية محاولاتها للالتفاف حول الاشتراك في هذه القنوات بشكل رسمي، فشاهدنا انتشار أجهزة مثل ما كان يسمى “حرامي الدش” وأيضاً انتشار “الوصلة”، وهي تحديداً ما كان يقصده صالح كامل بوجود ملايين المصريين ممن يشاهدون قنواته بطريقة غير شرعي.

الالتفاف الحكومي، بالفرنسي

رفض صالح كامل وإدارة قنوات ART أي محاولات لاقتسام بث البطولات المهمة، واضعاً شروطاً وصفها مسؤولو الإعلام المصري بالتعجيزية وقتها، حتى جاءت بطولة كأس الأمم الأفريقية عام 2004 في تونس، وفوجئت جماهير الكرة المصرية بالإعلان عن بث مباريات البطولة كاملة عبر القنوات المحلية، ولكن مصحوبة بالتعليق باللغة الفرنسية… حيث استغل المسؤولون المصريون ثغرة في عقود ART التي كانت تحدد الاحتكار بالبث باللغتين العربية والإنكليزية فقط، لتنتشر مشاهد عبثية في المنازل المصرية، المباراة على شاشة التلفزيون صامتة وبجوارها جهاز الراديو لسماع المعلق المصري!

طبعاً هذه الواقعة جعلت مسؤولي ART يحرصون على سد أي ثغرة مماثلة في العقود التالية، فلم يعد هناك فرصة لا لتعليق فرنسي، ولا حتى لبث عبر أجهزة الراديو!

دوري أبطال “الديكودر”

وفي محاولة من مسؤولي ART لتشجيع المصريين على الاشتراك بقنواتها، جاءت فكرة دوري أبطال العرب، الذي أقيمت منه نسخة استثنائية عام 2004 بمشاركة معظم الفرق العربية القوية، في مقدمتها الثلاثي الأهلي والزمالك والإسماعيلي، وكانت مبارياته مشفرة فقط على قنوات ART الرياضية، وهو ما وصف فيما بعد في الصحافة الرياضية المصرية بأنه “دوري أبطال الديكودر”، بالإشارة إلى الجهاز الذي كان مستخدماً لفك الشفرة وقتها، إلا أن انسحاب الأهلي قبل الأدوار الإقصائية وبعض المشكلات الإدارية في تنظيمها جعلت التجربة لا تتكرر.

الدوري المصري “مشفراً”

محاولات صالح كامل لفرض التشفير لم تقف عند البطولات العالمية، بل امتدت لمحاولات علنية لاحتكار الدوري المصري لكرة القدم، وبثه مشفراً عبر قنواته، إلا أن حملات رفض إعلامية هائلة تسببت في وأد الفكرة في مهدها، حيث علل رافضو الفكرة الأمر، بأن كرة القدم هي “متعة الغلابة” ويجب ألا تكون مدفوعة الثمن. واستمرت محاولات بعض مسؤولي كرة القدم المصرية وقتها لإنجاح الفكرة دون جدوى، ليتوقف الحديث تماماً، بعد منع الجماهير كلياً ثم جزئياً من حضور مباريات الكرة في العشرية الأخيرة، حيث أصبحت فكرة تشفير الفرجة لا مكان لها في ظل عدم وجود فرصة أصلاً لمشاهدة مبارياته بالملاعب.

نقلة “بي إن” النوعية

عام 2003، انطلقت قناة “الجزيرة” الرياضية كذراع إعلامية جديدة للمجموعة الإعلامية القطرية الأشهر، وبدأت في إذاعة مباريات الدوري الإسباني بشكل مجاني، ما جعلها تنال شعبية كبيرة بين جماهير الكرة العربية وقتها، قبل أن تقوم بعملية شراء كبيرة لمجموعة قنوات ART نهاية عام 2009، حيث اشترت “الجزيرة” كل حقوق البطولات التي كانت تملكها ART لتضمها كلها في شبكة واحدة.

ومع حصول “الجزيرة الرياضية” على حقوق بث الدوري الإنكليزي الممتاز، أعلنت الشبكة عن تشفير قنواتها معللة ذلك باشتراطات الشركة العالمية صاحبة الحقوق، حيث أن بث القمر الصناعي نايلسات الذي تبث عبره قنوات “الجزيرة” يصل إلى مناطق من جنوب أوروبا، ما يعني أنه يجب أن تشفر المشاهدة، وهو ما وصفه الإعلامي “أيمن جادة” المدير السابق لقناة “الجزيرة” الرياضية وقتها، بأنه لم يكن على هوى ملاك القناة، طارحاً حلاً بديلاً للتشفير ولكنه يبدو مستحيلاً، وهو أن تقوم الدول العربية الـ22 بمنح قناة “الجزيرة” الرياضية موجات بث أرضية تقوم من خلالها ببث المباريات بشكل مجاني!

وتواصلت رحلة الجزيرة الرياضية مع بث البطولات العالمية، فبثت كؤوس العالم ودورات الألعاب الأوليمبية، والكثير الدوريات الأوروبية في مقدمتها الدوري الإنجليزي والإسباني ثم الإيطالي والألماني، دوري أبطال أوروبا وبطولة كأس الأمم الأوروبية، إضافة إلى بطولات أخرى في التنس، كرة السلة، كرة اليد، الكرة الطائرة، الفورميلا ون، وحتى ألعاب القوى والاسكواش والبادل!

ولا ننكر أن قنوات الجزيرة الرياضية ووريثتها قنوات “بي إن” قد قامت بنقلة نوعية في هذا الإطار، سواء من جودة البث والاستوديوهات المجهزة والاستعانة بأفضل المحللين في العالم والتواجد في قلب الأحداث الكبرى، إضافة إلى شبكة المراسلين الضخمة في جميع أنحاء العالم. 

وبالنسبة إلى الأسعار، فقد ظلت باقات “بي إن” فوق قدرة المواطن العربي البسيط، إضافة إلى أن الشبكة بدأت في تخصيص باقات خاصة للأحداث الكبرى، فهناك باقة محددة لمشاهدة الأولمبياد وأخرى لمشاهدة كأس الأمم الأوروبية وثالثة لكأس الأمم الإفريقية، وطبعا سيكون هناك باقة لمشاهدة كأس العالم.

عندكم “بي ان”، عندنا “بي أوت”!

مع مطلع عام 2017، ومع تزايد حدة الازمة الخليجية بين قطر من جهة وباقي جيرانها من جهة أخرى، كانت حرب الحقوق الرياضية إحدى ساحات الخلاف بين المعسكرين، فظهرت فجأة مجموعة قنوات تحمل اسم “بي أوت كيو” تقوم بنقل الأحداث والمباريات الرياضية التي تنقلها “بي ان” ولكن مع طمس اللوجو الخاص بالقنوات القطرية ووضع لوجو بي أوت، ولم يفت على المتابعين أن اختيار اسم القنوات المنافسة جاء إسقاطاً على القنوات الشرعية، مع إضافة الحرف Q في إشارة صريحة إلى دولة قطر.

استمرت حرب “بي إن” على القنوات المقرصنة لأعوام، وشملت رفع الكثير من الدعاوى القضائية لوقف بث هذه القنوات، مع استمرار الرفض الرسمي السعودي التام لأي صلة تربط السعودية بهذه القنوات، مقابل إصرار “بي إن” على شكوى السعودية صراحة، وإعلانها أنها حاولت رفع دعوى قضائية في المحاكم السعودية، بيد أن المجموعة القطرية لم تنجح في إقناع أي شركة محاماة سعودية برفع القضية عن طريقها! 

ووصلت الحملة إلى ذروتها مع انطلاق مباريات كأس العالم في روسيا 2018، إذ واصلت “بي إن” حربها ضد بي أوت، وتواصلت الإدانات العالمية من العديد من المؤسسات الرياضية لما تفعله بي أوت، مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الدولي للتنس وغيرها، إضافة إلى بيانات تأييد لجهود “بي إن” من شبكات عالمية مثل هيئة الإذاعة البريطانية BBC وغيرها.

في المقابل واصلت السلطات السعودية إنكار أية صلة بهذه القنوات، وصل حتى إلى تأييد أحكام قضائية عالمية بحظر بي اوت، إلا أنها أيضاً حركت بعض الدعاوى ضد المجموعة القطرية بدعوى سياساتها الاحتكارية، قبل أن يسدل الستار على كل هذه الملابسات مع المصالحة الخليجية، لتختفي قنوات “بي أوت كيو” للأبد!

كيف سيشاهد المصريون كأس العالم 2022؟

انتهى عصر المشاهدة المجانية، جملة لم تعد غريبة على الآذان، فلم يعد هناك أمل في مشاهدة أي حدث رياضي عالمي مجاناً أو عبر القنوات المحلية، واستعداداً لبث بطولة كأس العالم للمرة الرابعة (بعد نسخ 2010، 2014 و2018)، من المنتظر أن تعلن شبكة “بي ان” عن باقات مختلفة تتيح للمشتركين مشاهدة مباريات البطولة التي ستقام بين العشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر والثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2022، يتوقع أن يصل سعرها في مصر إلى 2500 جنيه مصري (ما يقرب من 130 دولاراً أميركياً) إضافة إلى سعر جهاز الاستقبال الخاص بالشبكة والبالغ تقريباً 2200 جنيه مصري (115 دولاراً)، ما يزيد الإقبال سواء على طرق المشاهدة غير الشرعية (مثل أجهزة ال IPTV وغيرها) أو اللجوء للحل السحري في العشرين سنة الماضية، المقاهي! 

25.09.2022
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية