fbpx

من يمثّل الكويريين/ات؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نحن في الصغر نبحث في الخيال عن ما يمثلنا ويشبهنا، من دون الحاجة إلى أمر واضح مثل ألوان قوس القزح، أو قبلة حقيقية بين شخصيتين من الجندر نفسه في الكارتون. فنحن نفكر ونتخيل ونشعر، ونبحث عما يمثلنا لنشعر بأنّنا لسنا وحدنا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

إن حاولنا أن نفهم مدى تأثير مشروع ليلى في نظرة المجتمع المغاير، يمكننا أن نسرد المسار الطويل وباختصار كالتالي. يقع مجتمع الميم/ عين تحت تنميطات عدة، وهي: مجموعة تمارس الجنس بشكل مرضي، تتحرش بالأطفال، تتعاطى المخدرات، أفرادها يحملون أمراضاً جنسية، ويساهمون بنشر مرض الإيدز، هي مجموعة ستؤدي إلى انقطاع النسل البشري، وهدم العائلة، وخراب المجتمع، تمارس الفحشاء… وهل تعلمون أنّه كلما مارس مثليان الجنس، يهتزّ عرش الله؟ على الأقل هذا ما قالته لي أمّي. حينما يصعد فنّان مثل حامد سنّو ويقول إنّه من هذا المجتمع، يغني، ويقدّم موسيقى، ويكتب، ويؤدي على مسارح عالمية ولجماهير مختلفة، تصبح صورة الرجل المثلي أو الكويري صادمة للمجتمع المغاير، فحامد ليس مادة لإعلاميي التلفزيون، وليس مادة لرئيس بلدية الدكوانة الذي يحاول أن يقنع الناس بأنّ المثليين يمارسون الشذوذ ويتعاطون المخدرات في نادٍ ليلي سرّي، وليس مادة للرجل الذي يعتبر أنّ مجتمع الميم عين مهمّش لا يعرف الفن، ولا يمكنه سرد قصته. أي أنّ ما قدمه مشروع ليلى هو influential ليس على مجتمع الميم/ عين، بل على المجتمع المغاير الذي علّب صورة الرجل المثلي/ الكويري. 

مجتمع الميم عين مادة تنمر في الإعلام المتلفز التقليدي، فهذه الفئة غريبة عن المجتمع المغاير وبعيدة منه، تُعامل كأنّها جرذان تجارب، وهذا ينطبق على الميديا، وعالم البوب. فكنّا نشاهد مقابلات يعامل فيها الإعلامي/ الإعلامية المثليين على أنّهم من الفضاء الخارجي، وأحياناً تُطرح أسئلة غير مريحة، مثل “أي حمام بتروح” وأحياناً يُطلب منهم أن يبرروا للمجتمع المغاير لماذا هم هكذا. أمّا في الفن، فقد تمّ تهميش الفنان المثلي أو “الترانس”، إلّا إذا وجد وسيلة ليخدع السيستم. فمثلاً، لم يدخل يوماً أي أحد في حياة باسم فغالي، واعتبر فنّه ضمن الكوميديا من دون الإشارة إلى كويرية هذا الفن والتأثير الإيجابي على فنّ الدراغ العربي، فباسم كان بالنسبة إلى الكويريين مثالاً أعلى. علّب المجتمع المغاير باسم على انّه كوميدي وموهوب في التقليد، وحتى في جلسة التصوير الأخيرة مع “Vogue Arabia”، كان التركيز على كونه كوميدياً، من دون ذكر أنّ فنّه يقع تحت الفنّ الكويري الصارخ، يشبه فنّ الدراغ والبول-روم. لكن لا أحد يعلم أنّ باسم أكثر من كوميدي، هو أيقونة في هذا المجتمع، لأنّ موثقي قصص مجتمع الميم عين هم عادةً من المغايرين. ولنتخيل سوياً، ماذا لو قال باسم أنّ فنه كويري، لكان عومل كما انتهى الأمر بحامد سنّو. في مقابلة سابقة مع “درج”، تقول فنانة الدراغ سلطانة ” شجاعتي أنسبها للرواد الذين مهدوا الطريق لي، مثل: باسم فغالي، وإيفيتا كدافرا، وطراز هيفاء وهبي والليدي مادونا”. 

مجتمع الميم عين مادة تنمر في الإعلام المتلفز التقليدي، فهذه الفئة غريبة عن المجتمع المغاير وبعيدة منه. أمّا في الفن، فقد تمّ تهميش الفنان/ة المثلي/ة أو “الترانس”، إلّا إذا وجد/ت وسيلة لخداع السيستم.

غير باسم، نستذكر المصرية حنان الطويلة، الممثلة الترانس التي فقدت حياتها بشكل غامض، والتي غالباً ما تمّت معاملتها كرجل يتنكر بامرأة وليس “كترانس وومان”. فحتى بعد موتها، يسرد الإعلام قصة حنان بكليشيهات مثل، “كانت طارق”، “ماتت في مستشفى المجانين”، “لم تتقبل عائلتها جثتها”، ونادراً ما يتم سرد من هي حنان التي قدمت فناً وأداءً ما زلنا حتى اليوم نتذكره ونحبّه. إنّ وجود مجتمع الميم عين في الفنّ والميديا ليس بجديد، فتاريخ هذا المجتمع تمّ بناؤه على الأداء الصارخ (extravagant)، ووجد هذا المجتمع نفسه في فنانين بأداء غير “نظيف” مثل فريدي ميركوري، شير، مادونا، ليدي غاغا، كيلي مينوغ وبريتني سبيرز. لكن هذا الشقّ من الفن الكويري، لا يريد أن يظهره العالم المغاير التقليدي، ولهذا يُلصق على مجتمع الميم عين كليشيهات غالباً إن حاولت ألّا تنمطه، تضعه في خانة الضحية المهمشة، فحتى المغايرون عليهم إنقاذهم وإخبارهم كيف يصنعون الفنّ. 

كيف وجدت نفسي في الكارتون؟ 

إن أردنا أن نغوص أكثر بالتمثيل الكويري في الفن والإعلام وعالم البوب، نجد أنفسنا أمام شخصيتي “مجدي ووجدي” اللتين ساهمتا في تنميط المثليين وخصوصاً الرجال، وزيادة الهوموفوبيا، والتنمر، وجعل حياة أي مراهق مثلي بمثابة جحيم. كما نجد أنفسنا أمام كارتون كويري غالباً ما يمثل الشخصيات الشريرة بطريقة كويرية مثل أورسولا، شهيرة في داموستحيل، سكار، هاديس، هذا إضافة إلى شخصيات غاستون وليفو في فيلم Beauty ،and the Beast وجعفر في علاء الدين التي كتبها رجل مثلي، ولهذا يحملون طابعاً كويرياً. 

وهناك من وجد نفسه (مثلي على الأقل) في شخصيات كارتونية مثل ماندي في غريم ريبر، ونيللي في الفصحة. ومع أنّني كنت صغيرة، أحببت الشخصيتين لتمثيلهما فتيات لسن أنثويات، ولا يجدن أنفسهن في قواعد الأنوثة. فتخيل أن تجد نفسك في غاستون أو أورسولا؟

 طُبعت في عقلي شخصيتان من مسلسل الكارتون المعروف “كوريدج الجبان”، إحدى الحلقات كانت تدور حول قطتين تمّ تفريقهما من قبل عصابة كلاب لينقذهم الكلب البطل (أي كوريدج). أتذكر أنّ هذه الحلقة أثرت بي كثيراً. حتى إنّ أمّي كانت تبكي في آخرها. الحلقة تصف الشخصيتين على أنّهما صديقتان مقربتان، لكن هناك لمحة رومانسية أو ربما أفلاطونية جعلت خيالي غالباً ما يذهب إلى أبعد من ذلك. حتى إنّ أمي لم تنتبه. أنا لم أكن بحاجة إلى علم قوس قزح لأفكك مثليتي، أو لأشعر بأي شيء، هناك بمثابة “كودات” موجودة جعلت تفكيري يشعر مع هذه الشخصيات ويحبها. أتذكر أنّ صديقاً لي أُغرم بشخصية في المسلسل نفسه، كانت وظيفتها إغراء الرجال. كانت شخصية صارخة، جميلة، وجذابة، ربما وجد صديقي نفسه بهذه الشخصية، أو وجد أنّ حبها للرجال والرغبة في جذبهم إليها أمر يحب أن يقوم به. نحن في الصغر نبحث في الخيال عن ما يمثلنا ويشبهنا، من دون الحاجة إلى أمر واضح مثل ألوان قوس القزح، أو قبلة حقيقية بين شخصيتين من الجندر نفسه في الكارتون. فنحن نفكر ونتخيل ونشعر، ونبحث عما يمثلنا لنشعر بأنّنا لسنا وحدنا. 

ما فائدة مشروع ليلى في التمثيل الكويري؟  

لكثر منّا، تنتهي أيّام الكارتون وتنتهي الطفولة، لنخرج إلى العالم الحقيقي، بحثاً عمّن يمثلنا. كان حامد سنّو جزءاً من مراهقة أي شخص كويري أو نضج. ففرقة مشروع ليلى غنت للكويريين، وغنّت عنهم، والثقة التي وضعها هذا المجتمع بها تأتي من فكرة أنّ هناك فنّاناً منهم، يروي قصصهم، ويشعر بالمشاعر نفسها مثلهم. لا أحد يشعر بأنّ مشروع ليلى ترى المثليين كمستهلكين. مشروع ليلى هي تمثيل حقيقي، لا تخاف، تغني عن الهوية، يصعد رجل ولا يغني لجمال عيون صبية، بل يغني “بشطفلك بيتك، وبدلّع ولادك”، يغني عن المرأة “المسترجلة” وعن الحبّ اللامشروط. 

أصبحت فرقة مشروع ليلى الـCode الجديد، إن أحببتها، فأنت إمّا كويري أو حليف لهم. أصبح حبّ مشروع ليلى أو حامد سنّو مثل تلميح بسيط في مجتمع الميم عين على أنّك من هذا المجتمع. وربما هذا لا ينطبق على المجتمع المغاير، وربما لم يعلم المغايرون بهذا، لكن في المجتمع الكويري، دلالة مشروع ليلى كانت جزءاً من الهوية. وغالباً ما تبحث المجتمعات التي تُجبر على العيش بالسر على Codes لتتعرف إلى بعضها، وهذا “الكود” في وقتٍ ما كان مشروع ليلى.

 ظهر حامد سنّو في العالم العربي ليغير النظرة الكليشيه عن الرجل المثلي، لم يضع نفسه تحت خانة المهمّش، ولم يطابق فنّه مع الفن المغاير. صعد على المسرح كما هو، وغنّى بصوته الذي لم يتقبله كثيرون، لم يشبه عاصي الحلّاني، ولا فارس كرم، ولم يجعل فنّه يتماشى مع ما طلبه السوق من ذكورية وتسليع. أصبحت مشروع ليلى تمثيلاً طمح إليه أي شخص كويري يريد أن يخبر العالم أنّ وجوده لا يتطابق مع الصورة النمطية المنتشرة.

وجد مجتمع الميم عين أي شيء مرتبط بمشروع ليلى على أنّه مساحة آمنة. فلا نتخيل أن تغير حفلة لمشروع ليلى مسار نضال بأكمله، أن تغير معنى علم قوس القزح، ودلالته. وجد مجتمع الميم عين مساحة آمنة في حفلة موسيقية في بلاد تجرمه، ورُفعت أعلام قوس القزح في حفلات هذه الفرقة، وأصبحت سارة حجازي أيقونة برغم انتحارها ما زالت هي أجمل تمثيل لهذا المجتمع، مع حامد وفرقته. فالأشرار الذين وجدنا أنفسنا بهم في الكارتون أصبحوا أبطالاً حقيقيين، يستسلمون مثلهم مثل أي شخص، ويبقون في ذاكرتنا وحياتنا، نحارب عنهم ومعهم. فهل سيأتي من يرفع هذا العلم مجدداً في مصر، ولا يموت كموت تلك الفتاة أو موت تلك الفرقة؟ 

هل تنتصر السلطات؟ 

إن أردنا أن نحصي عدد الأشخاص الذين يعانون من مرض الهوموفوبيا، فلن نتمكن من ذلك. والهوموفوبيا تأتي بتبرير من المجتمع، والدين والآن من السلطة. وبما أنّ الأبوية تخدم السلطة، والدين يخدم الأبوية والرأسمالية، والسلطة تخدم الأبوية، والأبوية تخدم الدين، والسلطة تستغل هذا كله، لذلك كانت القوانين غالباً ما تجرّم المثلية وتعاقب عليها. واليوم هي تدخل في الفن الذي وجد منفساً من الدين والأبوية والسلطة، وتتحكم به وتجرمه، وهكذا تخدم السلطة الهوموفوبيا. يجد أي شخص يعاني هذا الرهاب تبريراً لا من خلال الدين والأبوية فقط، إنما من خلال السلطة نفسها، فإن كانت السلطات تمنع فنّاً، فهي تعطي الأحقية لأي شخص أن يعنّف كويرياً. 

مع أنّ مشروع ليلى استسلمت، والمحتوى الكويري يتجه نحو المنع. سيبقى مجتمع الميم عين موجوداً، ويتبع طرقاً أخرى كما فعل سابقاً ليخدع السلطة ويلتف حولها. يكوّن مساحاته، وينتج فنّه بعيداً من الرقابة ويجد نفسه في شخصيات كويرية لن يعلم المجتمع المغاير أهميتها له. تماماً كباتركاب في كاترون “فتيات القوة”، هي خضراء على فكرة، لا تحمل الألوان، لكنّها كانت المفضلة لي ولكثيرات من صديقاتي. تبقى مشروع ليلى جزء من الذاكرة الجماعية الكويرية، حتى تُمحى أغانيها وتختفي، ولن يحدث ذلك. سأبقى أجد نفسي في أغنية “أم الجاكيت والبنطلون” وسأبقى أغني مع أصدقائي “شمّ الياسمين”، حتى أصدقائي المغايرون يحبون “شمّ الياسمين”، وستبقى أغنية “للوطن” أغنيتنا الثورية، وستبقى أغنية “3 دقايق” أغنية هويتنا.  

إقرأوا أيضاً:

16.09.2022
زمن القراءة: 7 minutes

نحن في الصغر نبحث في الخيال عن ما يمثلنا ويشبهنا، من دون الحاجة إلى أمر واضح مثل ألوان قوس القزح، أو قبلة حقيقية بين شخصيتين من الجندر نفسه في الكارتون. فنحن نفكر ونتخيل ونشعر، ونبحث عما يمثلنا لنشعر بأنّنا لسنا وحدنا.

إن حاولنا أن نفهم مدى تأثير مشروع ليلى في نظرة المجتمع المغاير، يمكننا أن نسرد المسار الطويل وباختصار كالتالي. يقع مجتمع الميم/ عين تحت تنميطات عدة، وهي: مجموعة تمارس الجنس بشكل مرضي، تتحرش بالأطفال، تتعاطى المخدرات، أفرادها يحملون أمراضاً جنسية، ويساهمون بنشر مرض الإيدز، هي مجموعة ستؤدي إلى انقطاع النسل البشري، وهدم العائلة، وخراب المجتمع، تمارس الفحشاء… وهل تعلمون أنّه كلما مارس مثليان الجنس، يهتزّ عرش الله؟ على الأقل هذا ما قالته لي أمّي. حينما يصعد فنّان مثل حامد سنّو ويقول إنّه من هذا المجتمع، يغني، ويقدّم موسيقى، ويكتب، ويؤدي على مسارح عالمية ولجماهير مختلفة، تصبح صورة الرجل المثلي أو الكويري صادمة للمجتمع المغاير، فحامد ليس مادة لإعلاميي التلفزيون، وليس مادة لرئيس بلدية الدكوانة الذي يحاول أن يقنع الناس بأنّ المثليين يمارسون الشذوذ ويتعاطون المخدرات في نادٍ ليلي سرّي، وليس مادة للرجل الذي يعتبر أنّ مجتمع الميم عين مهمّش لا يعرف الفن، ولا يمكنه سرد قصته. أي أنّ ما قدمه مشروع ليلى هو influential ليس على مجتمع الميم/ عين، بل على المجتمع المغاير الذي علّب صورة الرجل المثلي/ الكويري. 

مجتمع الميم عين مادة تنمر في الإعلام المتلفز التقليدي، فهذه الفئة غريبة عن المجتمع المغاير وبعيدة منه، تُعامل كأنّها جرذان تجارب، وهذا ينطبق على الميديا، وعالم البوب. فكنّا نشاهد مقابلات يعامل فيها الإعلامي/ الإعلامية المثليين على أنّهم من الفضاء الخارجي، وأحياناً تُطرح أسئلة غير مريحة، مثل “أي حمام بتروح” وأحياناً يُطلب منهم أن يبرروا للمجتمع المغاير لماذا هم هكذا. أمّا في الفن، فقد تمّ تهميش الفنان المثلي أو “الترانس”، إلّا إذا وجد وسيلة ليخدع السيستم. فمثلاً، لم يدخل يوماً أي أحد في حياة باسم فغالي، واعتبر فنّه ضمن الكوميديا من دون الإشارة إلى كويرية هذا الفن والتأثير الإيجابي على فنّ الدراغ العربي، فباسم كان بالنسبة إلى الكويريين مثالاً أعلى. علّب المجتمع المغاير باسم على انّه كوميدي وموهوب في التقليد، وحتى في جلسة التصوير الأخيرة مع “Vogue Arabia”، كان التركيز على كونه كوميدياً، من دون ذكر أنّ فنّه يقع تحت الفنّ الكويري الصارخ، يشبه فنّ الدراغ والبول-روم. لكن لا أحد يعلم أنّ باسم أكثر من كوميدي، هو أيقونة في هذا المجتمع، لأنّ موثقي قصص مجتمع الميم عين هم عادةً من المغايرين. ولنتخيل سوياً، ماذا لو قال باسم أنّ فنه كويري، لكان عومل كما انتهى الأمر بحامد سنّو. في مقابلة سابقة مع “درج”، تقول فنانة الدراغ سلطانة ” شجاعتي أنسبها للرواد الذين مهدوا الطريق لي، مثل: باسم فغالي، وإيفيتا كدافرا، وطراز هيفاء وهبي والليدي مادونا”. 

مجتمع الميم عين مادة تنمر في الإعلام المتلفز التقليدي، فهذه الفئة غريبة عن المجتمع المغاير وبعيدة منه. أمّا في الفن، فقد تمّ تهميش الفنان/ة المثلي/ة أو “الترانس”، إلّا إذا وجد/ت وسيلة لخداع السيستم.

غير باسم، نستذكر المصرية حنان الطويلة، الممثلة الترانس التي فقدت حياتها بشكل غامض، والتي غالباً ما تمّت معاملتها كرجل يتنكر بامرأة وليس “كترانس وومان”. فحتى بعد موتها، يسرد الإعلام قصة حنان بكليشيهات مثل، “كانت طارق”، “ماتت في مستشفى المجانين”، “لم تتقبل عائلتها جثتها”، ونادراً ما يتم سرد من هي حنان التي قدمت فناً وأداءً ما زلنا حتى اليوم نتذكره ونحبّه. إنّ وجود مجتمع الميم عين في الفنّ والميديا ليس بجديد، فتاريخ هذا المجتمع تمّ بناؤه على الأداء الصارخ (extravagant)، ووجد هذا المجتمع نفسه في فنانين بأداء غير “نظيف” مثل فريدي ميركوري، شير، مادونا، ليدي غاغا، كيلي مينوغ وبريتني سبيرز. لكن هذا الشقّ من الفن الكويري، لا يريد أن يظهره العالم المغاير التقليدي، ولهذا يُلصق على مجتمع الميم عين كليشيهات غالباً إن حاولت ألّا تنمطه، تضعه في خانة الضحية المهمشة، فحتى المغايرون عليهم إنقاذهم وإخبارهم كيف يصنعون الفنّ. 

كيف وجدت نفسي في الكارتون؟ 

إن أردنا أن نغوص أكثر بالتمثيل الكويري في الفن والإعلام وعالم البوب، نجد أنفسنا أمام شخصيتي “مجدي ووجدي” اللتين ساهمتا في تنميط المثليين وخصوصاً الرجال، وزيادة الهوموفوبيا، والتنمر، وجعل حياة أي مراهق مثلي بمثابة جحيم. كما نجد أنفسنا أمام كارتون كويري غالباً ما يمثل الشخصيات الشريرة بطريقة كويرية مثل أورسولا، شهيرة في داموستحيل، سكار، هاديس، هذا إضافة إلى شخصيات غاستون وليفو في فيلم Beauty ،and the Beast وجعفر في علاء الدين التي كتبها رجل مثلي، ولهذا يحملون طابعاً كويرياً. 

وهناك من وجد نفسه (مثلي على الأقل) في شخصيات كارتونية مثل ماندي في غريم ريبر، ونيللي في الفصحة. ومع أنّني كنت صغيرة، أحببت الشخصيتين لتمثيلهما فتيات لسن أنثويات، ولا يجدن أنفسهن في قواعد الأنوثة. فتخيل أن تجد نفسك في غاستون أو أورسولا؟

 طُبعت في عقلي شخصيتان من مسلسل الكارتون المعروف “كوريدج الجبان”، إحدى الحلقات كانت تدور حول قطتين تمّ تفريقهما من قبل عصابة كلاب لينقذهم الكلب البطل (أي كوريدج). أتذكر أنّ هذه الحلقة أثرت بي كثيراً. حتى إنّ أمّي كانت تبكي في آخرها. الحلقة تصف الشخصيتين على أنّهما صديقتان مقربتان، لكن هناك لمحة رومانسية أو ربما أفلاطونية جعلت خيالي غالباً ما يذهب إلى أبعد من ذلك. حتى إنّ أمي لم تنتبه. أنا لم أكن بحاجة إلى علم قوس قزح لأفكك مثليتي، أو لأشعر بأي شيء، هناك بمثابة “كودات” موجودة جعلت تفكيري يشعر مع هذه الشخصيات ويحبها. أتذكر أنّ صديقاً لي أُغرم بشخصية في المسلسل نفسه، كانت وظيفتها إغراء الرجال. كانت شخصية صارخة، جميلة، وجذابة، ربما وجد صديقي نفسه بهذه الشخصية، أو وجد أنّ حبها للرجال والرغبة في جذبهم إليها أمر يحب أن يقوم به. نحن في الصغر نبحث في الخيال عن ما يمثلنا ويشبهنا، من دون الحاجة إلى أمر واضح مثل ألوان قوس القزح، أو قبلة حقيقية بين شخصيتين من الجندر نفسه في الكارتون. فنحن نفكر ونتخيل ونشعر، ونبحث عما يمثلنا لنشعر بأنّنا لسنا وحدنا. 

ما فائدة مشروع ليلى في التمثيل الكويري؟  

لكثر منّا، تنتهي أيّام الكارتون وتنتهي الطفولة، لنخرج إلى العالم الحقيقي، بحثاً عمّن يمثلنا. كان حامد سنّو جزءاً من مراهقة أي شخص كويري أو نضج. ففرقة مشروع ليلى غنت للكويريين، وغنّت عنهم، والثقة التي وضعها هذا المجتمع بها تأتي من فكرة أنّ هناك فنّاناً منهم، يروي قصصهم، ويشعر بالمشاعر نفسها مثلهم. لا أحد يشعر بأنّ مشروع ليلى ترى المثليين كمستهلكين. مشروع ليلى هي تمثيل حقيقي، لا تخاف، تغني عن الهوية، يصعد رجل ولا يغني لجمال عيون صبية، بل يغني “بشطفلك بيتك، وبدلّع ولادك”، يغني عن المرأة “المسترجلة” وعن الحبّ اللامشروط. 

أصبحت فرقة مشروع ليلى الـCode الجديد، إن أحببتها، فأنت إمّا كويري أو حليف لهم. أصبح حبّ مشروع ليلى أو حامد سنّو مثل تلميح بسيط في مجتمع الميم عين على أنّك من هذا المجتمع. وربما هذا لا ينطبق على المجتمع المغاير، وربما لم يعلم المغايرون بهذا، لكن في المجتمع الكويري، دلالة مشروع ليلى كانت جزءاً من الهوية. وغالباً ما تبحث المجتمعات التي تُجبر على العيش بالسر على Codes لتتعرف إلى بعضها، وهذا “الكود” في وقتٍ ما كان مشروع ليلى.

 ظهر حامد سنّو في العالم العربي ليغير النظرة الكليشيه عن الرجل المثلي، لم يضع نفسه تحت خانة المهمّش، ولم يطابق فنّه مع الفن المغاير. صعد على المسرح كما هو، وغنّى بصوته الذي لم يتقبله كثيرون، لم يشبه عاصي الحلّاني، ولا فارس كرم، ولم يجعل فنّه يتماشى مع ما طلبه السوق من ذكورية وتسليع. أصبحت مشروع ليلى تمثيلاً طمح إليه أي شخص كويري يريد أن يخبر العالم أنّ وجوده لا يتطابق مع الصورة النمطية المنتشرة.

وجد مجتمع الميم عين أي شيء مرتبط بمشروع ليلى على أنّه مساحة آمنة. فلا نتخيل أن تغير حفلة لمشروع ليلى مسار نضال بأكمله، أن تغير معنى علم قوس القزح، ودلالته. وجد مجتمع الميم عين مساحة آمنة في حفلة موسيقية في بلاد تجرمه، ورُفعت أعلام قوس القزح في حفلات هذه الفرقة، وأصبحت سارة حجازي أيقونة برغم انتحارها ما زالت هي أجمل تمثيل لهذا المجتمع، مع حامد وفرقته. فالأشرار الذين وجدنا أنفسنا بهم في الكارتون أصبحوا أبطالاً حقيقيين، يستسلمون مثلهم مثل أي شخص، ويبقون في ذاكرتنا وحياتنا، نحارب عنهم ومعهم. فهل سيأتي من يرفع هذا العلم مجدداً في مصر، ولا يموت كموت تلك الفتاة أو موت تلك الفرقة؟ 

هل تنتصر السلطات؟ 

إن أردنا أن نحصي عدد الأشخاص الذين يعانون من مرض الهوموفوبيا، فلن نتمكن من ذلك. والهوموفوبيا تأتي بتبرير من المجتمع، والدين والآن من السلطة. وبما أنّ الأبوية تخدم السلطة، والدين يخدم الأبوية والرأسمالية، والسلطة تخدم الأبوية، والأبوية تخدم الدين، والسلطة تستغل هذا كله، لذلك كانت القوانين غالباً ما تجرّم المثلية وتعاقب عليها. واليوم هي تدخل في الفن الذي وجد منفساً من الدين والأبوية والسلطة، وتتحكم به وتجرمه، وهكذا تخدم السلطة الهوموفوبيا. يجد أي شخص يعاني هذا الرهاب تبريراً لا من خلال الدين والأبوية فقط، إنما من خلال السلطة نفسها، فإن كانت السلطات تمنع فنّاً، فهي تعطي الأحقية لأي شخص أن يعنّف كويرياً. 

مع أنّ مشروع ليلى استسلمت، والمحتوى الكويري يتجه نحو المنع. سيبقى مجتمع الميم عين موجوداً، ويتبع طرقاً أخرى كما فعل سابقاً ليخدع السلطة ويلتف حولها. يكوّن مساحاته، وينتج فنّه بعيداً من الرقابة ويجد نفسه في شخصيات كويرية لن يعلم المجتمع المغاير أهميتها له. تماماً كباتركاب في كاترون “فتيات القوة”، هي خضراء على فكرة، لا تحمل الألوان، لكنّها كانت المفضلة لي ولكثيرات من صديقاتي. تبقى مشروع ليلى جزء من الذاكرة الجماعية الكويرية، حتى تُمحى أغانيها وتختفي، ولن يحدث ذلك. سأبقى أجد نفسي في أغنية “أم الجاكيت والبنطلون” وسأبقى أغني مع أصدقائي “شمّ الياسمين”، حتى أصدقائي المغايرون يحبون “شمّ الياسمين”، وستبقى أغنية “للوطن” أغنيتنا الثورية، وستبقى أغنية “3 دقايق” أغنية هويتنا.  

إقرأوا أيضاً:

16.09.2022
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية