fbpx

نجا من زورق الموت واختفى في أقبية الأجهزة الأمنية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ناداها قائلاً، “وينكم؟”، فقالت له “نحن بخير وانت؟”، فأجاب، “أنا بخير أيضاً عم يقرّب مني طراد الجيش”. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي تسمع فيها أخته صوته.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في أواخر شهر نيسان، انطلق زورق هجرة غير شرعية من ميناء طرابلس، حاملاً على متنه أكثر من سبعين شخصاً من الجنسيات اللبنانية والسورية والفلسطينية. تعرض الزورق للمطاردة من القوات البحرية في الجيش اللبناني وضرب القارب من قبل طراد الجيش بحسب شهادة الناجين، ما أدى إلى اغراقه ومقتل العشرات ممن كانوا على متن  ذلك الزورق. وبعد مرور 4  أشهر على الحادثة، وفيما لا تزال جثث المفقودين عالقة في عرض البحر على عمق 360 متراً، وصلت غواصة هندية إلى موقع الحادثة لانتشال الجثث لكنها اكتفت بتصوير القارب وعادت ادراجها ما فتح جرح الأهالي مجدداً.

بقلب يشتعل شوقاً تنتظر أم هاشم على شرفة منزلها الواقع في حي البقار_القبة- طرابلس ابنها الشاب هاشم متلج، الذي كان على متن الزورق. والمثير للاستغراب هو ورود اسم هاشم على قائمة أسماء الناجين التي نشرها الصليب الأحمر يومها، إلا أن الشاب لم يعد إلى منزله حتى اليوم، وما زالت عائلته لا تعرف شيئاً عن مصيره. 

أنهى هاشم دراسة graphic design لكنه لم يحصل على فرصة عمل تليق به، فجعل من غرفته معرضاً يرسم فيه الرسوم واللوحات، تارة يعلقها على خزانته وتارة أخرى يمزقها إلى أن سمع بفرصة سفر غير شرعية مجانية مع أخته وصهره وحزم الأمتعة بعد محاولات إقناع حثيثة لوالديه واعداً اياهما بالعودة قريباً حاملاً معه ثمن المنزل الذي يقطنون فيه بالإيجار. 

تقول أخته بأنها سمعته يناديها في عرض البحر بعد نصف ساعة من غرق الزورق لكنها لم تستطع رؤيته بسبب الظلام الدامس جراء رفع الجيش مصابيح انارته في الهواء.

ناداها قائلاً، “وينكم؟”، فقالت له “نحن بخير وانت؟”، فأجاب، “أنا بخير أيضاً عم يقرّب مني طراد الجيش”. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي تسمع فيها أخته صوته، وعند إنقاذها بأعجوبة مع زوجها من قبل عناصر الجيش صارت تصرخ باسم شقيقها فطلب منها أحد العناصر أن تصمت مشيراً إلى نقل هاشم على متن زورق آخر واصفاً لها بعض تفاصيل وجهه.

بعد ذلك اختفت أخبار هاشم… 

بعد نحو شهرين على اختفائه طرق باب المنزل شخص من طرابلس كان عائداً من تركيا وأوقف لدى الأمن العام اللبناني وأخبر العائلة بأن ابنهم حي يرزق وهو موجود في السجن الاحترازي وأن السلطات اللبنانية تتهمه بأنه مكتوم القيد بسبب سفره من دون أوراقه الثبوتية. يروي والدا هاشم القصة بكثير من الحرقة، قال لهم الشاب، “ابنكم اسمه هاشم راسم تاتو إسوارة ع ايدو واكل ضربة ع منخاره بيسلم عليكن وبيقلكن أنه عايش”. هذا الخبر أثلج قلب أمه لكن سرعان ما عاد الشاب ذاته في اليوم التالي واتصل بهم نافياً معرفته بشخص اسمه هاشم قائلاً لأهله “أنا ما بعرف حدا وما ناقصني وجع راس”.

“ربيت ابني الوحيد 22 عاماً ليختفي دون أن أعرف مصيره، انا متأكدة من أنه حي فقلب الأم دليلها، أنتظر عودته كل يوم”.

تقول الأم والدموع تنهمر من عينيها، “ربيت ابني الوحيد 22 عاماً ليختفي دون أن أعرف مصيره، انا متأكدة من أنه حي فقلب الأم دليلها، أنتظر عودته كل يوم، أصلي صلاة قيام الليل وانتظره على الشرفة  فأغفو والدموع على خدي”. وتضيف، “لا اقوى على دخول غرفته، لا أقوى على النظر إلى صورته، أركض لفتح الباب كلما طرق علني أجده عائداً إلينا”. 

حال الأب ليست أفضل، إذ يحاول أن يداري دموعه في حديثه معنا:” لقد اتخذنا صفة الادعاء بتهمة الإخفاء القسري، لأن ابننا ناج بحسب كل المعطيات لكن السلطة تخفيه في أقبيتها لسبب غير معروف”.

لم تنتهِ مآسي زوارق الهجرة غير الشرعية المنطلقة من شمال لبنان باتجاه أي برّ أمان، هرباً من الفقر والبطالة والصعوبات المعيشية.

فحتى الآن عائلة هاشم متلج لا تعرف مصيره، إن كان مفقوداً أو ناجياً أو موقوفاً لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية، منذ غرق أحد قوارب الموت في نيسان/ أبريل. 

ويبدو أن السلطة الأمنية تنزلق أكثر نحو نهج اخفاء مواطنين في أقبية مظلمة على غرار ما تفعل أنظمة استبدادية عدة في المنطقة.

كرّس الدستور اللبناني المعدّل حماية الفرد من الإعتقال التعسّفي الحاصل خارج الحالات التي نصّ عليها القانون، وقد نصّت المادة 8 منه على ما يلي: “الحرية الشخصية مصونة في حمى القانون ولا يمكن أن يُقبَض على أحد أو يُحبس أو يوقَف إلا وفقاً لأحكام القانون ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون”.

كذلك جرّم قانون العقوبات اللبناني فعل الحرمان من الحرية الشخصية، في المادة 569 منه.

رحلات الهجرة غير الشرعية لم تنته ولم تتوقف في عاصمة الشمال إذ تنطلق يومياً عشرات القوارب من سواحل الشمال نحو ايطاليا وقبرص منهم من يتوه في عرض البحر ومنهم من يصل بسلام لكنه يتعرض للتنكيل والضرب من قبل خفر السواحل في تلك البلدان. 

الأمر نفسه أيضاً في عكار إذ تشير مصادر بأن أكثر من 150 عائلة غادرت في البحر حتى الآن من بلدة ببنين في غضون شهر، فيما تستعدّ عائلات أخرى للرحيل أيضاً، على رغم الصعوبات والخطر الحقيقي، وعلى رغم حوادث غرق الزوارق المأساوية المتكررة.

إقرأوا أيضاً:

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 12.07.2024

أسرار رياض سلامة في متناول القضاء الفرنسي!

تبقى خطوة دخول مصرف لبنان كفريق في الدعوى أساسية في مسار التحقيقات والعدالة، بحيث صار بإمكان المحكمة الطلب من مصرف لبنان كشف كل الوثائق والمستندات التي لم يكشف عنها سابقاً، وتحديداً تلك المتعلقة برياض سلامة ومن يدور في فلكه. 
13.09.2022
زمن القراءة: 4 minutes

ناداها قائلاً، “وينكم؟”، فقالت له “نحن بخير وانت؟”، فأجاب، “أنا بخير أيضاً عم يقرّب مني طراد الجيش”. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي تسمع فيها أخته صوته.

في أواخر شهر نيسان، انطلق زورق هجرة غير شرعية من ميناء طرابلس، حاملاً على متنه أكثر من سبعين شخصاً من الجنسيات اللبنانية والسورية والفلسطينية. تعرض الزورق للمطاردة من القوات البحرية في الجيش اللبناني وضرب القارب من قبل طراد الجيش بحسب شهادة الناجين، ما أدى إلى اغراقه ومقتل العشرات ممن كانوا على متن  ذلك الزورق. وبعد مرور 4  أشهر على الحادثة، وفيما لا تزال جثث المفقودين عالقة في عرض البحر على عمق 360 متراً، وصلت غواصة هندية إلى موقع الحادثة لانتشال الجثث لكنها اكتفت بتصوير القارب وعادت ادراجها ما فتح جرح الأهالي مجدداً.

بقلب يشتعل شوقاً تنتظر أم هاشم على شرفة منزلها الواقع في حي البقار_القبة- طرابلس ابنها الشاب هاشم متلج، الذي كان على متن الزورق. والمثير للاستغراب هو ورود اسم هاشم على قائمة أسماء الناجين التي نشرها الصليب الأحمر يومها، إلا أن الشاب لم يعد إلى منزله حتى اليوم، وما زالت عائلته لا تعرف شيئاً عن مصيره. 

أنهى هاشم دراسة graphic design لكنه لم يحصل على فرصة عمل تليق به، فجعل من غرفته معرضاً يرسم فيه الرسوم واللوحات، تارة يعلقها على خزانته وتارة أخرى يمزقها إلى أن سمع بفرصة سفر غير شرعية مجانية مع أخته وصهره وحزم الأمتعة بعد محاولات إقناع حثيثة لوالديه واعداً اياهما بالعودة قريباً حاملاً معه ثمن المنزل الذي يقطنون فيه بالإيجار. 

تقول أخته بأنها سمعته يناديها في عرض البحر بعد نصف ساعة من غرق الزورق لكنها لم تستطع رؤيته بسبب الظلام الدامس جراء رفع الجيش مصابيح انارته في الهواء.

ناداها قائلاً، “وينكم؟”، فقالت له “نحن بخير وانت؟”، فأجاب، “أنا بخير أيضاً عم يقرّب مني طراد الجيش”. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي تسمع فيها أخته صوته، وعند إنقاذها بأعجوبة مع زوجها من قبل عناصر الجيش صارت تصرخ باسم شقيقها فطلب منها أحد العناصر أن تصمت مشيراً إلى نقل هاشم على متن زورق آخر واصفاً لها بعض تفاصيل وجهه.

بعد ذلك اختفت أخبار هاشم… 

بعد نحو شهرين على اختفائه طرق باب المنزل شخص من طرابلس كان عائداً من تركيا وأوقف لدى الأمن العام اللبناني وأخبر العائلة بأن ابنهم حي يرزق وهو موجود في السجن الاحترازي وأن السلطات اللبنانية تتهمه بأنه مكتوم القيد بسبب سفره من دون أوراقه الثبوتية. يروي والدا هاشم القصة بكثير من الحرقة، قال لهم الشاب، “ابنكم اسمه هاشم راسم تاتو إسوارة ع ايدو واكل ضربة ع منخاره بيسلم عليكن وبيقلكن أنه عايش”. هذا الخبر أثلج قلب أمه لكن سرعان ما عاد الشاب ذاته في اليوم التالي واتصل بهم نافياً معرفته بشخص اسمه هاشم قائلاً لأهله “أنا ما بعرف حدا وما ناقصني وجع راس”.

“ربيت ابني الوحيد 22 عاماً ليختفي دون أن أعرف مصيره، انا متأكدة من أنه حي فقلب الأم دليلها، أنتظر عودته كل يوم”.

تقول الأم والدموع تنهمر من عينيها، “ربيت ابني الوحيد 22 عاماً ليختفي دون أن أعرف مصيره، انا متأكدة من أنه حي فقلب الأم دليلها، أنتظر عودته كل يوم، أصلي صلاة قيام الليل وانتظره على الشرفة  فأغفو والدموع على خدي”. وتضيف، “لا اقوى على دخول غرفته، لا أقوى على النظر إلى صورته، أركض لفتح الباب كلما طرق علني أجده عائداً إلينا”. 

حال الأب ليست أفضل، إذ يحاول أن يداري دموعه في حديثه معنا:” لقد اتخذنا صفة الادعاء بتهمة الإخفاء القسري، لأن ابننا ناج بحسب كل المعطيات لكن السلطة تخفيه في أقبيتها لسبب غير معروف”.

لم تنتهِ مآسي زوارق الهجرة غير الشرعية المنطلقة من شمال لبنان باتجاه أي برّ أمان، هرباً من الفقر والبطالة والصعوبات المعيشية.

فحتى الآن عائلة هاشم متلج لا تعرف مصيره، إن كان مفقوداً أو ناجياً أو موقوفاً لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية، منذ غرق أحد قوارب الموت في نيسان/ أبريل. 

ويبدو أن السلطة الأمنية تنزلق أكثر نحو نهج اخفاء مواطنين في أقبية مظلمة على غرار ما تفعل أنظمة استبدادية عدة في المنطقة.

كرّس الدستور اللبناني المعدّل حماية الفرد من الإعتقال التعسّفي الحاصل خارج الحالات التي نصّ عليها القانون، وقد نصّت المادة 8 منه على ما يلي: “الحرية الشخصية مصونة في حمى القانون ولا يمكن أن يُقبَض على أحد أو يُحبس أو يوقَف إلا وفقاً لأحكام القانون ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون”.

كذلك جرّم قانون العقوبات اللبناني فعل الحرمان من الحرية الشخصية، في المادة 569 منه.

رحلات الهجرة غير الشرعية لم تنته ولم تتوقف في عاصمة الشمال إذ تنطلق يومياً عشرات القوارب من سواحل الشمال نحو ايطاليا وقبرص منهم من يتوه في عرض البحر ومنهم من يصل بسلام لكنه يتعرض للتنكيل والضرب من قبل خفر السواحل في تلك البلدان. 

الأمر نفسه أيضاً في عكار إذ تشير مصادر بأن أكثر من 150 عائلة غادرت في البحر حتى الآن من بلدة ببنين في غضون شهر، فيما تستعدّ عائلات أخرى للرحيل أيضاً، على رغم الصعوبات والخطر الحقيقي، وعلى رغم حوادث غرق الزوارق المأساوية المتكررة.

إقرأوا أيضاً:

13.09.2022
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية