fbpx

نصب وسرقة وأنماط جديدة للجريمة… وجه آخر للأزمة الاقتصادية في مصر

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بلغت الأزمة الاقتصادية في مصر حداً لا يمكن التعامل معه، إذ خسر المصريون مدخراتهم بعد سقوط قيمة الجنيه، فضلًا عن التضخم وغلاء الأسعار، وعدم قدرتهم على الثورة خوفاً من القبضة الأمنية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تشهد مصر حالياً، عدداً من الجرائم الجديدة نوعياً، يتزامن انتشارها مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب القاهرة، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة تتلاقى مع صرخات الجائعين والمُتعبين الذين يجدون، بالكاد، قوتَ يومهم.

ارتفع معدل التضخم في مصر، خلال شهر  شباط/ فبراير الماضي، إلى نحو 32 في المئة، وهو أعلى مستوى في خمس سنوات، بعدما سجّل 26 في المئة في شهر كانون الثاني/ يناير وحده، وفق بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء المصري.  يشير الرقم إلى انهيار سريع في بنية الاقتصاد المصري، لا سيما أن التوقعات كانت تشير إلى ارتفاع معدل التضخم بنسبة 1 في المئة فقط، وفق استطلاع رأي أجرته “رويترز“.

الإدارة الاقتصادية المرتبكة في مصر، فضلاً عن القروض الضخمة التي حصلت عليها القاهرة طوال السنوات الماضية والشهادات البنكية بفوائد مرتفعة وإهدار الدولار في بناء مدن في الصحراء، أدت في النهاية إلى قفزة غير متوقعة في معدل التضخم، وهبوط قيمة الجنيه إلى أدنى مستوياتها، ما أثر مباشرةً في حياة المواطنين.

التسوّل والسرقات والسطو على مؤسسة حكومية!

انتشرت مشاهد التسوّل في مصر بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة، وتصاعدت معها حدّة المشاحنات إثر البحث عن أبسط السلع الأساسية بأرخص الأسعار، وعاد ما يُسمّى “طابور الجمعية الاستهلاكية” للظهور مجدداً، بغية الحصول على دجاجة- مدعومة حكومياً- بأسعار أرخص قليلاً من الأسواق.

امتدّت الطوابير إلى ما يسمّى معارض “أهلًا رمضان”، التي تقام تحت إشراف وزارة التموين المصرية، وتتحوّل الطوابير، أحياناً، إلى عراك وسطو على السلع، كما حصل في أحد معارض السلع الحكومية في محافظة دمياط.

لم يكن مشهد السطو على السلع معتاداً في مصر، إلا أن حالة الفقر والعوز أدّت إلى المزيد من الحوادث الغريبة، منها ما وقع في محافظة الدقهلية، حيث ظهر الشخص الأسطوري الذي يسرق من الأثرياء ليمنحَ الفقراء، إذ تعرض متجر لسرقة 112 ألف جنيه مصري (نحو 3 آلاف دولار) على يد شخصٍ غير مهتمٍ بكاميرات المراقبة التي رصدته، وحين ألقي القبض عليه، اعترف بأنه اشترى بالمبلغ الذي سرقه بقرتين وذبحهما ووزع لحومهما على أهالي قريته، فضلاً عن كميات من الأرز والبطاطس، وخلال التحقيقات تعهّد برد الأموال لمالك المتجر، وقال إن ما فعله سيكسبه ثواباً كبيراً ويغسل ذنوبه، على طريقة أسطورة “روبن هود” الشهيرة.

في مدينة دمياط الجديدة، استولت عصابة ملثمة مكونة من ثلاثة أشخاص، على مليون و400 ألف جنيه (نحو 46 ألف دولار) من مكتب بريد حكومي، بعد السطوِ المسلح عليه، على رغم وجود قسم شرطة على بعد خطوات منه.

انتشرت حوادث السرقة والنصب في الشارع المصري، وظهرت صيحات جديدة، كسرقة إطارات السيارات المتوقّفة ليلًا، والاستيلاء على أغطية البالوعات وفلنكات السكك الحديدية وأبواب العقارات المعدنية، وبيعها كحديد “خردة”. وعلى رغم التكتّم الإعلامي الشديد على انتشار السرقات في مصر منعاً لنشر الخوف أو التشكيك في قدرات الأمن، جاء السطو على فيلا اللاعب المصري محمد صلاح، نجم “ليفربول”، المؤمّنة بحراسات خاصة، ليثير مخاوف من السرقات في مناطق أخرى لا تتمتّع بالتأمين الكافي.

تشهد مصر حالياً، عدداً من الجرائم الجديدة نوعياً، يتزامن انتشارها مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب القاهرة، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة تتلاقى مع صرخات الجائعين والمُتعبين الذين يجدون، بالكاد، قوتَ يومهم.

جرائم القتل الأسرية والانتحار إلى الواجهة مجدداً

ترتبط تلك الحوادث والجرائم غير المألوفة في المجتمع المصري ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالأزمة الاقتصادية الطاحنة، التي تدفع المواطنين إلى الاعتماد على أنفسهم كليّاً في تأمين عيشهم، بعدما فقدوا الثقة تماماً في الدولة وقدرتها على رعايتهم أو إنقاذهم من الجوع، وهو ما يطرح احتمال بدء ثورة جياع، أو انتفاضة خبز كالتي اندلعت خلال عهد الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، عام 1977.

يؤكد د. محمد صبري، أستاذ التاريخ في جامعة حلوان، أن “أحداثاً شبيهة سبقت انتفاضة الخبز، من حيث ارتفاع معدلات الجرائم واختلافها عن الجرائم السائدة، إذ شهد المجتمع سرقات لأشياء تافهة، ومنها السلع الغذائية البسيطة، وكان ذلك أحد أسباب تسمية السادات إياها بـ(انتفاضة الحرامية)”.

ويقول لـ”درج”: “في الأوقات الصعبة التي تتزامن مع أزمات اقتصادية، نرى أفعالاً غريبة وجرائم عجيبة ومُبتكرة، إلى حد أننا لا نتخيّل أن أحداً يمكن أن يفعلَ ذلك، فكل فرد يبحث عن مصلحته الشخصية من دون النظر الى أي مصالح أخرى، ولا يشعر بالحرج من الإقدام على أي فعل يربح منه الأموال، حتى إذا كان بذلك يؤذي الآخرين، وينتهك تقاليد المجتمع وقيمه، وهو ما نراه الآن… نصادف شباباً يرتدون أزياءً متوسطة المستوى، وليست بالية، يتسوّلون في الشوارع من دون شعور بالخجل، ونجد رسائل غريبة تصل إلى الهاتف بغرض السرقة، فضلًا عن انتعاش ظاهرة المستريحين، وتاريخياً، يتزايد الانتحار أيضاً حين يقع المجتمع في فجوة اقتصادية، وكذلك جرائم القتل العائلية، والنمطان من الحوادث يعاني منهما المجتمع المصري حالياً بشدة”.

يكفي أن تكتب على محرك البحث “غوغل” كلمتي “أب يقتل” مع تضييق حيز البحث ليركّز على مصر فقط، لتدهشك كثرة النتائج التي تتحدث عن جرائم أسرية وقُربها زمنياً، فما بين أب يخنق ابنته بـ”إيشارب” في بني سويف ويهرب، وابن يضرب والده على رأسه حتى الموت، إذ تصدّرت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية لأيام القصة التالية: رجل قتل سبعة من أفراد أسرته بالرصاص، بعد خلاف زوجي، وهرب. ومن ضمن المقتولين زوجته وأبناؤه.

تشير دراسة “العنف الأسري ضد المرأة المصرية” للباحثة رجاء عبد الودود، إلى أن تعنيف الزوجات إحدى نتائج الضغوط الاقتصادية والتأثيرات السلبية للعولمة في الأسرة المصرية، بخاصة أن معاناة الأسرة من الفقر تؤدي مباشرةً إلى ارتكاب بعض أفرادها جرائم، بخاصة حين يفشلون في تلبية احتياجاتهم الأساسية كالغذاء والمسكن بطرق مشروعة.

“المستريح” ينتعش رغم الفقر

التضخم الهائل الذي يعاني منه الجنيه المصري، بعد تضاؤل قيمته الشرائية إلى حدّ كبير، يدفع كثيرين إلى البحث عن طرق غير مألوفة لحفظ قيمة الأموال، أو استثمارها، لخلق مظلةٍ اجتماعيةٍ بديلة لمظلة الدولة، التي لم تعد قادرة على حماية حقوق المواطنين أو ضمان حياة كريمة لهم، وأولى تلك الطرق هي “المستريح” الذي يجمع مبالغ طائلة من المواطنين في القرى والمناطق الفقيرة لاستثمارها بربحٍ مضمون، كي يساعد الفقراء على تحقيق أحلامهم.

تحوّل المستريح إلى مفهوم يشمل جميع الأشخاص الذين يؤدون تلك المهمة، بعدما يوهمون الفقراء بقدرتهم على “تحويل التراب إلى ذهب”، وفق المثل الشعبي، ويساهم في صناعة تلك الخدعة ما يبدو عليهم من ثراء مفاجئ يغري المودِعين بأن يكونوا مثلهم، بعدما انقلبت حالهم من فقراء مُعدمين يمتهنون مهنًا فقيرة إلى رجال أعمال تبدو عليهم علامات الثراء الفاحش.

الأمل في تحقيق أرباحٍ مماثلة يدفع أهالي القرى والمناطق الفقيرة إلى تسليم ممتلكاتهم وأموالهم وماشيتهم ومجوهرات زوجاتهم، كما ورد في التحقيقات في قضايا نصب مماثلة، للمستريح بزعم استثمارها والعودة بأرباح تصل إلى 100 في المئة، أي ضعف الأصل، في مدى زمني لا يتجاوز الشهرين، وهو ما لا يقدّمه أي عمل خاص، أو شهادة استثمار بنكية في مصر في الوقت الراهن، ولذلك، يسمّى المستريح في بعض القرى بـ”البنك” لوعوده المالية الهائلة التي لا تتحقق في معظم المناسبات، وقبل الموعد المحدّد، يختفي ويغلق هاتفه ويهرب.

خلال الأسابيع الماضية، انكشف في مصر أمر مستريحين عدة، تلقوا أموالًا طائلة من مودِعين واختفوا، مع غياب القبضة الأمنية والرقابة، وانتقل الأمر من مناطق نائية وقرى كما حدث في مدينة السنطة بمحافظة الغربية الأسبوع الماضي، إلى أحياء راقية كمدينة نصر، وهو ما يشير إلى اتّساع الورطة الاقتصادية لتبتلع طبقة جديدة، هي الطبقة الوسطى العُليا، التي تسكن الأحياء الشهيرة بثرائها وعمل سكانها في وظائف مرموقة.

وفق المُسمّيات الجديدة، التي راجت على مواقع التواصل الاجتماعي، صارت تلك الطبقة تُسمّى بـ”المتشبّثين”، الذين يقاومون الهبوط إلى طبقة فقيرة بسبب التضخّم، ويحاولون التشبُّث في طبقتهم الوسطى بكل الطرق، فيستبدلون رفاهيتهم كالذهاب إلى العمل بـ”التاكسي” بركوب الأوتوبيسات التابعة لشركات خاصة، وبدلًا من تناول الوجبات في المطاعم القريبة من أماكن العمل، يلجأون إلى ما يسمّى بـ”صندوق الطعام” الذي يعدّونه منزلياً.

 تشير تلك التغييرات إلى هبوط اجتماعي من طبقة إلى أخرى،  هذا الهبوط قد لا يبدو ذا تأثير قويّ على “المتشبّثين” قدر ما يبدو على الطبقة الفقيرة، التي هبطت تحت خط الفقر، أو الطبقة التي كانت تعاني تحت خط الفقر، فلم تجد خطاً آخر لتهبط أسفله، حتى انتشرت دعوات في الإعلام المصري إلى “صلاحية تناول لحوم الحمير والبيض البودرة والدجاج مجهول المصدر” كبدائل للحوم الأبقار والبيض الطازج والدجاج البلدي بعد ارتفاع أسعارها إلى مستويات هائلة.

نهاية العام الماضي، التي شهدت بدايات التضخم الهائل، أكدت مؤشرات أنّ نحو 29 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، لكن ذلك الرقم تضاعف هذا العام، وفق صحيفة “فايننشال تايمز” التي قالت إن 60 في المئة من المصريين باتوا تحت خط الفقر الآن “بعد ارتفاع تكاليف المعيشة”، وعلى رغم ذلك، لا يزال صندوق النقد الدولي، الذي أقرض القاهرة مليارات الدولارات على مدى السنوات الماضية، “يضغط في اتجاه تخفيض سعر الجنيه مجدداً، وتقليص دور الدولة في دعم المواطنين”، ومن المتوقّع أن يؤدي ذلك الضغط المستمر إلى المزيد من تخفيض قيمة العملة المصرية، وموجات أعلى من الغلاء، الذي قد تصاحبه صيحات جديدة من الجرائم، التي تتراوح بين الاعتداء والنصب والسطو… وبدأت تلك المؤشرات في الظهور بما يعرف بـ”عصابة هوج بول”.

سرقة المليارات بتطبيقات “الربح السريع”

يبحث المصريون، معظم الأوقات، عن اقتصاد بديل لإنقاذ مدّخراتهم أو إعانتهم على غلاء الأسعار، هو ما دفع 800 ألف مصري إلى المشاركة في منصة “هوج بول” التي روّجت لنفسها، طوال أشهر، على أنها تستثمر الأموال في تعدين العملات الرقمية، في تطوّر أكثر بريقاً وتنظيماً لفكرة “المستريح”، مقابل تحقيق أرباح هائلة، وهو ما دفع قرابة المليون مصري إلى المشاركة فيها بمبالغ زهيدة، ومع تحقيق بعض الربح، تضاعفت تلك المبالغ، حتى جمعت منصة “هوج بول” نحو 6 مليارات جنيه مصري (نحو 200 مليون دولار)، ليستيقظوا يوماً على إغلاق المنصة وهَرَب ملاكها.

يقول نادر الماحي، أحد ضحايا “هوج بول”، إن الأمر بدأ ببيع ماكينة تعدين بـ10 دولارات فقط، وتحقق الماكينة ربحاً يصل إلى 20 دولاراً خلال 20 يوماً، تلقى “الماحي” عروضاً مالية كأقرانه من المضاربين، ومن بينها ماكينات أخرى تستطيع تحقيق أرباح أكثر في مددٍ زمنية أقل.

يقول الماحي لـ”درج”: “اندفع كثيرون إلى المضاربة والربح المضاعف، كانوا يغروننا بالثراء السريع، خصوصاً أن كلاً منّا قد تعرّض لخسائر في عمله، أو يقاوم الغلاء الذي نقلنا من طبقة إلى طبقة أدنى، ودفعنا الى البحث عن عمل ثانٍ وثالث حتى نغطي تكاليف المعيشة، بخاصة أنها لم تطالبنا بأموال باهظة، واكتشفنا أن تلك خطتهم لجذب أكبر عدد من الناس، بطريقة التسويق الشبكي… كنت أدعو أصدقائي الى المشاركة على اعتبار أن ألف جنيه ليس مبلغاً ضخماً، ومن المؤكد أنه سيتضاعف، وفي النهاية وصلت المنصة الى آلاف الناس، وخسرنا جميعاً”.

يؤكّد الماحي أن كثيرين باعوا الذهب والأراضي والمنازل للمشاركة في التطبيق وتحقيق الأرباح، من دون أن يخافوا من أن يكون “مستريحاً جديداً” ولكن في العالم الرقمي، وذلك بسبب “امتلاك هوج بول سجلاً تجارياً، ومقاراً رسمية، وأرقام هواتف تحوّل الأموال إليها، وأشخاصاً معروفين يتواصلون مع الضحايا، أي أنها تعمل تحت نظر الحكومة وبعلمها، وليست كالمستريحين الذين يحصلون على الأموال بطريقة ودية”.

استغلال سعر الجنيه المصري المُنهار كان إحدى أدوات منصة “هوج بول” للدعاية لنفسها وجذب عملاء جدد، بخاصة أن سعر الدولار ضمن المنصة كان 20 جنيهاً فقط، بينما يُباع في البنوك بنحو 28 جنيهاً، وفي السوق السوداء تجاوز الـ30.

الأمن يتفرغ لملاحقة المعارضين ويترك الساحة للعصابات

يرى الخبير الاقتصادي، د. رشاد عبده، أنّ غالبية ضحايا “هوج بول” والتطبيقات الشبيهة “طماعون ونصابون”. ويقول لـ”درج”: “التورّط في مثل تلك التطبيقات التي تدّعي تحقيق أرباح مهولة لعملائها، لن يكون خطيراً على الاقتصاد المصري، ولكنه خطير على الأفراد، الذين سيزداد فقرهم بعدما يشاركون فيها، وبدلاً من أن يكونوا ضحايا للتضخم والغلاء فقط، فإنهم أيضاً يخسرون أموالهم في مضاربات غير آمنة على أمل تحقيق الربح السريع”.

يحلل  عبده الإقبال على تلك التطبيقات بالتأكيد على أنّها تضمّ “فاسدين كباراً، وفاسدين صغاراً يعرفون أنهم يمارسون عملاً غير مشروع ويستمرّون لتحقيق أي مكاسب، أما الفاسدون الكبار، فيعلمون أن التطبيق سيختفي وسيغلق، وشاركوا سابقاً في تطبيقات ومنصات شبيهة عدة، ويعرفون مؤشرات محدّدة لإغلاقه فيسحبون أموالهم قبلها حتى لا يخسروها”.

يتوقّع عبده أن ينتشر ذلك النوع من التطبيقات في الفضاء الرقمي، على رغم سقوط عصابة “هوج بول”، وذلك لسببين: “الأول هو الأزمة الاقتصادية التي تدفع الناس دائماً، وكما تشير تجارب عدة حول العالم وفي التاريخ، إلى استثمار أموالهم بكل الطرق وبأقل قدر من التحفُّظ أو حساب المخاطر، بهدف النجاة، والسبب الثاني، هو ضعف القبضة الأمنية التي لا تراقب الأسواق والاحتيال بالشكل المطلوب، ولا تؤدي عملها الحقيقي في مواجهة الجرائم بكفاءة”.

تتفرغ السلطات الأمنية والرقابية في مصر للأمن السياسي وملاحقة المعارضين، بعيداً من حفظ الأمن في الشوارع، وهو ما أمن بيئة آمنة لحوادث السرقة والقتل طوال الأشهر الماضية في مناطق حيوية كواقعة قتل الطالبة نيرة أشرف، إلى ضروب النصب على أيدي شركات مسجّلة. وبينما تثير واقعة “هوج بول” ضجة كبرى في مصر بعد سطو التطبيق الغامض على 6 مليارات جنيه، تفشل الحكومة المصرية في القبض على ملاك التطبيق الحقيقيين، أو إعادة الأموال الى أصحابها، على رغم أنه كان يُدار بالكامل في مصر، وبعد تلك الواقعة بأيام، أُغلق تطبيق آخر لتعدين “البلوك تشين” يحمل اسم “GSG“، بعد النصب على عدد كبير من المواطنين، على غرار “هوج بول” من دون تدخُّل أيضاً، على رغم أنه يعمل في مصر منذ كانون الثاني/ يناير 2021.

بلغت الأزمة الاقتصادية في مصر حداً لا يمكن التعامل معه، إذ خسر المصريون  مدخراتهم بعد سقوط قيمة الجنيه، فضلًا عن التضخم وغلاء الأسعار، وعدم قدرتهم على الثورة خوفاً من القبضة الأمنية التي تهدّد كل من يرفع شعاراً معارضاً أكثر ما تلاحق المجرمين والنصّابين الذين يستغلون فقر البسطاء ويورّطونهم في مشروعات مشبوهة تفقدهم أموالهم.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.

بلغت الأزمة الاقتصادية في مصر حداً لا يمكن التعامل معه، إذ خسر المصريون مدخراتهم بعد سقوط قيمة الجنيه، فضلًا عن التضخم وغلاء الأسعار، وعدم قدرتهم على الثورة خوفاً من القبضة الأمنية.

تشهد مصر حالياً، عدداً من الجرائم الجديدة نوعياً، يتزامن انتشارها مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب القاهرة، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة تتلاقى مع صرخات الجائعين والمُتعبين الذين يجدون، بالكاد، قوتَ يومهم.

ارتفع معدل التضخم في مصر، خلال شهر  شباط/ فبراير الماضي، إلى نحو 32 في المئة، وهو أعلى مستوى في خمس سنوات، بعدما سجّل 26 في المئة في شهر كانون الثاني/ يناير وحده، وفق بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء المصري.  يشير الرقم إلى انهيار سريع في بنية الاقتصاد المصري، لا سيما أن التوقعات كانت تشير إلى ارتفاع معدل التضخم بنسبة 1 في المئة فقط، وفق استطلاع رأي أجرته “رويترز“.

الإدارة الاقتصادية المرتبكة في مصر، فضلاً عن القروض الضخمة التي حصلت عليها القاهرة طوال السنوات الماضية والشهادات البنكية بفوائد مرتفعة وإهدار الدولار في بناء مدن في الصحراء، أدت في النهاية إلى قفزة غير متوقعة في معدل التضخم، وهبوط قيمة الجنيه إلى أدنى مستوياتها، ما أثر مباشرةً في حياة المواطنين.

التسوّل والسرقات والسطو على مؤسسة حكومية!

انتشرت مشاهد التسوّل في مصر بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة، وتصاعدت معها حدّة المشاحنات إثر البحث عن أبسط السلع الأساسية بأرخص الأسعار، وعاد ما يُسمّى “طابور الجمعية الاستهلاكية” للظهور مجدداً، بغية الحصول على دجاجة- مدعومة حكومياً- بأسعار أرخص قليلاً من الأسواق.

امتدّت الطوابير إلى ما يسمّى معارض “أهلًا رمضان”، التي تقام تحت إشراف وزارة التموين المصرية، وتتحوّل الطوابير، أحياناً، إلى عراك وسطو على السلع، كما حصل في أحد معارض السلع الحكومية في محافظة دمياط.

لم يكن مشهد السطو على السلع معتاداً في مصر، إلا أن حالة الفقر والعوز أدّت إلى المزيد من الحوادث الغريبة، منها ما وقع في محافظة الدقهلية، حيث ظهر الشخص الأسطوري الذي يسرق من الأثرياء ليمنحَ الفقراء، إذ تعرض متجر لسرقة 112 ألف جنيه مصري (نحو 3 آلاف دولار) على يد شخصٍ غير مهتمٍ بكاميرات المراقبة التي رصدته، وحين ألقي القبض عليه، اعترف بأنه اشترى بالمبلغ الذي سرقه بقرتين وذبحهما ووزع لحومهما على أهالي قريته، فضلاً عن كميات من الأرز والبطاطس، وخلال التحقيقات تعهّد برد الأموال لمالك المتجر، وقال إن ما فعله سيكسبه ثواباً كبيراً ويغسل ذنوبه، على طريقة أسطورة “روبن هود” الشهيرة.

في مدينة دمياط الجديدة، استولت عصابة ملثمة مكونة من ثلاثة أشخاص، على مليون و400 ألف جنيه (نحو 46 ألف دولار) من مكتب بريد حكومي، بعد السطوِ المسلح عليه، على رغم وجود قسم شرطة على بعد خطوات منه.

انتشرت حوادث السرقة والنصب في الشارع المصري، وظهرت صيحات جديدة، كسرقة إطارات السيارات المتوقّفة ليلًا، والاستيلاء على أغطية البالوعات وفلنكات السكك الحديدية وأبواب العقارات المعدنية، وبيعها كحديد “خردة”. وعلى رغم التكتّم الإعلامي الشديد على انتشار السرقات في مصر منعاً لنشر الخوف أو التشكيك في قدرات الأمن، جاء السطو على فيلا اللاعب المصري محمد صلاح، نجم “ليفربول”، المؤمّنة بحراسات خاصة، ليثير مخاوف من السرقات في مناطق أخرى لا تتمتّع بالتأمين الكافي.

تشهد مصر حالياً، عدداً من الجرائم الجديدة نوعياً، يتزامن انتشارها مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب القاهرة، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة تتلاقى مع صرخات الجائعين والمُتعبين الذين يجدون، بالكاد، قوتَ يومهم.

جرائم القتل الأسرية والانتحار إلى الواجهة مجدداً

ترتبط تلك الحوادث والجرائم غير المألوفة في المجتمع المصري ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالأزمة الاقتصادية الطاحنة، التي تدفع المواطنين إلى الاعتماد على أنفسهم كليّاً في تأمين عيشهم، بعدما فقدوا الثقة تماماً في الدولة وقدرتها على رعايتهم أو إنقاذهم من الجوع، وهو ما يطرح احتمال بدء ثورة جياع، أو انتفاضة خبز كالتي اندلعت خلال عهد الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، عام 1977.

يؤكد د. محمد صبري، أستاذ التاريخ في جامعة حلوان، أن “أحداثاً شبيهة سبقت انتفاضة الخبز، من حيث ارتفاع معدلات الجرائم واختلافها عن الجرائم السائدة، إذ شهد المجتمع سرقات لأشياء تافهة، ومنها السلع الغذائية البسيطة، وكان ذلك أحد أسباب تسمية السادات إياها بـ(انتفاضة الحرامية)”.

ويقول لـ”درج”: “في الأوقات الصعبة التي تتزامن مع أزمات اقتصادية، نرى أفعالاً غريبة وجرائم عجيبة ومُبتكرة، إلى حد أننا لا نتخيّل أن أحداً يمكن أن يفعلَ ذلك، فكل فرد يبحث عن مصلحته الشخصية من دون النظر الى أي مصالح أخرى، ولا يشعر بالحرج من الإقدام على أي فعل يربح منه الأموال، حتى إذا كان بذلك يؤذي الآخرين، وينتهك تقاليد المجتمع وقيمه، وهو ما نراه الآن… نصادف شباباً يرتدون أزياءً متوسطة المستوى، وليست بالية، يتسوّلون في الشوارع من دون شعور بالخجل، ونجد رسائل غريبة تصل إلى الهاتف بغرض السرقة، فضلًا عن انتعاش ظاهرة المستريحين، وتاريخياً، يتزايد الانتحار أيضاً حين يقع المجتمع في فجوة اقتصادية، وكذلك جرائم القتل العائلية، والنمطان من الحوادث يعاني منهما المجتمع المصري حالياً بشدة”.

يكفي أن تكتب على محرك البحث “غوغل” كلمتي “أب يقتل” مع تضييق حيز البحث ليركّز على مصر فقط، لتدهشك كثرة النتائج التي تتحدث عن جرائم أسرية وقُربها زمنياً، فما بين أب يخنق ابنته بـ”إيشارب” في بني سويف ويهرب، وابن يضرب والده على رأسه حتى الموت، إذ تصدّرت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية لأيام القصة التالية: رجل قتل سبعة من أفراد أسرته بالرصاص، بعد خلاف زوجي، وهرب. ومن ضمن المقتولين زوجته وأبناؤه.

تشير دراسة “العنف الأسري ضد المرأة المصرية” للباحثة رجاء عبد الودود، إلى أن تعنيف الزوجات إحدى نتائج الضغوط الاقتصادية والتأثيرات السلبية للعولمة في الأسرة المصرية، بخاصة أن معاناة الأسرة من الفقر تؤدي مباشرةً إلى ارتكاب بعض أفرادها جرائم، بخاصة حين يفشلون في تلبية احتياجاتهم الأساسية كالغذاء والمسكن بطرق مشروعة.

“المستريح” ينتعش رغم الفقر

التضخم الهائل الذي يعاني منه الجنيه المصري، بعد تضاؤل قيمته الشرائية إلى حدّ كبير، يدفع كثيرين إلى البحث عن طرق غير مألوفة لحفظ قيمة الأموال، أو استثمارها، لخلق مظلةٍ اجتماعيةٍ بديلة لمظلة الدولة، التي لم تعد قادرة على حماية حقوق المواطنين أو ضمان حياة كريمة لهم، وأولى تلك الطرق هي “المستريح” الذي يجمع مبالغ طائلة من المواطنين في القرى والمناطق الفقيرة لاستثمارها بربحٍ مضمون، كي يساعد الفقراء على تحقيق أحلامهم.

تحوّل المستريح إلى مفهوم يشمل جميع الأشخاص الذين يؤدون تلك المهمة، بعدما يوهمون الفقراء بقدرتهم على “تحويل التراب إلى ذهب”، وفق المثل الشعبي، ويساهم في صناعة تلك الخدعة ما يبدو عليهم من ثراء مفاجئ يغري المودِعين بأن يكونوا مثلهم، بعدما انقلبت حالهم من فقراء مُعدمين يمتهنون مهنًا فقيرة إلى رجال أعمال تبدو عليهم علامات الثراء الفاحش.

الأمل في تحقيق أرباحٍ مماثلة يدفع أهالي القرى والمناطق الفقيرة إلى تسليم ممتلكاتهم وأموالهم وماشيتهم ومجوهرات زوجاتهم، كما ورد في التحقيقات في قضايا نصب مماثلة، للمستريح بزعم استثمارها والعودة بأرباح تصل إلى 100 في المئة، أي ضعف الأصل، في مدى زمني لا يتجاوز الشهرين، وهو ما لا يقدّمه أي عمل خاص، أو شهادة استثمار بنكية في مصر في الوقت الراهن، ولذلك، يسمّى المستريح في بعض القرى بـ”البنك” لوعوده المالية الهائلة التي لا تتحقق في معظم المناسبات، وقبل الموعد المحدّد، يختفي ويغلق هاتفه ويهرب.

خلال الأسابيع الماضية، انكشف في مصر أمر مستريحين عدة، تلقوا أموالًا طائلة من مودِعين واختفوا، مع غياب القبضة الأمنية والرقابة، وانتقل الأمر من مناطق نائية وقرى كما حدث في مدينة السنطة بمحافظة الغربية الأسبوع الماضي، إلى أحياء راقية كمدينة نصر، وهو ما يشير إلى اتّساع الورطة الاقتصادية لتبتلع طبقة جديدة، هي الطبقة الوسطى العُليا، التي تسكن الأحياء الشهيرة بثرائها وعمل سكانها في وظائف مرموقة.

وفق المُسمّيات الجديدة، التي راجت على مواقع التواصل الاجتماعي، صارت تلك الطبقة تُسمّى بـ”المتشبّثين”، الذين يقاومون الهبوط إلى طبقة فقيرة بسبب التضخّم، ويحاولون التشبُّث في طبقتهم الوسطى بكل الطرق، فيستبدلون رفاهيتهم كالذهاب إلى العمل بـ”التاكسي” بركوب الأوتوبيسات التابعة لشركات خاصة، وبدلًا من تناول الوجبات في المطاعم القريبة من أماكن العمل، يلجأون إلى ما يسمّى بـ”صندوق الطعام” الذي يعدّونه منزلياً.

 تشير تلك التغييرات إلى هبوط اجتماعي من طبقة إلى أخرى،  هذا الهبوط قد لا يبدو ذا تأثير قويّ على “المتشبّثين” قدر ما يبدو على الطبقة الفقيرة، التي هبطت تحت خط الفقر، أو الطبقة التي كانت تعاني تحت خط الفقر، فلم تجد خطاً آخر لتهبط أسفله، حتى انتشرت دعوات في الإعلام المصري إلى “صلاحية تناول لحوم الحمير والبيض البودرة والدجاج مجهول المصدر” كبدائل للحوم الأبقار والبيض الطازج والدجاج البلدي بعد ارتفاع أسعارها إلى مستويات هائلة.

نهاية العام الماضي، التي شهدت بدايات التضخم الهائل، أكدت مؤشرات أنّ نحو 29 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، لكن ذلك الرقم تضاعف هذا العام، وفق صحيفة “فايننشال تايمز” التي قالت إن 60 في المئة من المصريين باتوا تحت خط الفقر الآن “بعد ارتفاع تكاليف المعيشة”، وعلى رغم ذلك، لا يزال صندوق النقد الدولي، الذي أقرض القاهرة مليارات الدولارات على مدى السنوات الماضية، “يضغط في اتجاه تخفيض سعر الجنيه مجدداً، وتقليص دور الدولة في دعم المواطنين”، ومن المتوقّع أن يؤدي ذلك الضغط المستمر إلى المزيد من تخفيض قيمة العملة المصرية، وموجات أعلى من الغلاء، الذي قد تصاحبه صيحات جديدة من الجرائم، التي تتراوح بين الاعتداء والنصب والسطو… وبدأت تلك المؤشرات في الظهور بما يعرف بـ”عصابة هوج بول”.

سرقة المليارات بتطبيقات “الربح السريع”

يبحث المصريون، معظم الأوقات، عن اقتصاد بديل لإنقاذ مدّخراتهم أو إعانتهم على غلاء الأسعار، هو ما دفع 800 ألف مصري إلى المشاركة في منصة “هوج بول” التي روّجت لنفسها، طوال أشهر، على أنها تستثمر الأموال في تعدين العملات الرقمية، في تطوّر أكثر بريقاً وتنظيماً لفكرة “المستريح”، مقابل تحقيق أرباح هائلة، وهو ما دفع قرابة المليون مصري إلى المشاركة فيها بمبالغ زهيدة، ومع تحقيق بعض الربح، تضاعفت تلك المبالغ، حتى جمعت منصة “هوج بول” نحو 6 مليارات جنيه مصري (نحو 200 مليون دولار)، ليستيقظوا يوماً على إغلاق المنصة وهَرَب ملاكها.

يقول نادر الماحي، أحد ضحايا “هوج بول”، إن الأمر بدأ ببيع ماكينة تعدين بـ10 دولارات فقط، وتحقق الماكينة ربحاً يصل إلى 20 دولاراً خلال 20 يوماً، تلقى “الماحي” عروضاً مالية كأقرانه من المضاربين، ومن بينها ماكينات أخرى تستطيع تحقيق أرباح أكثر في مددٍ زمنية أقل.

يقول الماحي لـ”درج”: “اندفع كثيرون إلى المضاربة والربح المضاعف، كانوا يغروننا بالثراء السريع، خصوصاً أن كلاً منّا قد تعرّض لخسائر في عمله، أو يقاوم الغلاء الذي نقلنا من طبقة إلى طبقة أدنى، ودفعنا الى البحث عن عمل ثانٍ وثالث حتى نغطي تكاليف المعيشة، بخاصة أنها لم تطالبنا بأموال باهظة، واكتشفنا أن تلك خطتهم لجذب أكبر عدد من الناس، بطريقة التسويق الشبكي… كنت أدعو أصدقائي الى المشاركة على اعتبار أن ألف جنيه ليس مبلغاً ضخماً، ومن المؤكد أنه سيتضاعف، وفي النهاية وصلت المنصة الى آلاف الناس، وخسرنا جميعاً”.

يؤكّد الماحي أن كثيرين باعوا الذهب والأراضي والمنازل للمشاركة في التطبيق وتحقيق الأرباح، من دون أن يخافوا من أن يكون “مستريحاً جديداً” ولكن في العالم الرقمي، وذلك بسبب “امتلاك هوج بول سجلاً تجارياً، ومقاراً رسمية، وأرقام هواتف تحوّل الأموال إليها، وأشخاصاً معروفين يتواصلون مع الضحايا، أي أنها تعمل تحت نظر الحكومة وبعلمها، وليست كالمستريحين الذين يحصلون على الأموال بطريقة ودية”.

استغلال سعر الجنيه المصري المُنهار كان إحدى أدوات منصة “هوج بول” للدعاية لنفسها وجذب عملاء جدد، بخاصة أن سعر الدولار ضمن المنصة كان 20 جنيهاً فقط، بينما يُباع في البنوك بنحو 28 جنيهاً، وفي السوق السوداء تجاوز الـ30.

الأمن يتفرغ لملاحقة المعارضين ويترك الساحة للعصابات

يرى الخبير الاقتصادي، د. رشاد عبده، أنّ غالبية ضحايا “هوج بول” والتطبيقات الشبيهة “طماعون ونصابون”. ويقول لـ”درج”: “التورّط في مثل تلك التطبيقات التي تدّعي تحقيق أرباح مهولة لعملائها، لن يكون خطيراً على الاقتصاد المصري، ولكنه خطير على الأفراد، الذين سيزداد فقرهم بعدما يشاركون فيها، وبدلاً من أن يكونوا ضحايا للتضخم والغلاء فقط، فإنهم أيضاً يخسرون أموالهم في مضاربات غير آمنة على أمل تحقيق الربح السريع”.

يحلل  عبده الإقبال على تلك التطبيقات بالتأكيد على أنّها تضمّ “فاسدين كباراً، وفاسدين صغاراً يعرفون أنهم يمارسون عملاً غير مشروع ويستمرّون لتحقيق أي مكاسب، أما الفاسدون الكبار، فيعلمون أن التطبيق سيختفي وسيغلق، وشاركوا سابقاً في تطبيقات ومنصات شبيهة عدة، ويعرفون مؤشرات محدّدة لإغلاقه فيسحبون أموالهم قبلها حتى لا يخسروها”.

يتوقّع عبده أن ينتشر ذلك النوع من التطبيقات في الفضاء الرقمي، على رغم سقوط عصابة “هوج بول”، وذلك لسببين: “الأول هو الأزمة الاقتصادية التي تدفع الناس دائماً، وكما تشير تجارب عدة حول العالم وفي التاريخ، إلى استثمار أموالهم بكل الطرق وبأقل قدر من التحفُّظ أو حساب المخاطر، بهدف النجاة، والسبب الثاني، هو ضعف القبضة الأمنية التي لا تراقب الأسواق والاحتيال بالشكل المطلوب، ولا تؤدي عملها الحقيقي في مواجهة الجرائم بكفاءة”.

تتفرغ السلطات الأمنية والرقابية في مصر للأمن السياسي وملاحقة المعارضين، بعيداً من حفظ الأمن في الشوارع، وهو ما أمن بيئة آمنة لحوادث السرقة والقتل طوال الأشهر الماضية في مناطق حيوية كواقعة قتل الطالبة نيرة أشرف، إلى ضروب النصب على أيدي شركات مسجّلة. وبينما تثير واقعة “هوج بول” ضجة كبرى في مصر بعد سطو التطبيق الغامض على 6 مليارات جنيه، تفشل الحكومة المصرية في القبض على ملاك التطبيق الحقيقيين، أو إعادة الأموال الى أصحابها، على رغم أنه كان يُدار بالكامل في مصر، وبعد تلك الواقعة بأيام، أُغلق تطبيق آخر لتعدين “البلوك تشين” يحمل اسم “GSG“، بعد النصب على عدد كبير من المواطنين، على غرار “هوج بول” من دون تدخُّل أيضاً، على رغم أنه يعمل في مصر منذ كانون الثاني/ يناير 2021.

بلغت الأزمة الاقتصادية في مصر حداً لا يمكن التعامل معه، إذ خسر المصريون  مدخراتهم بعد سقوط قيمة الجنيه، فضلًا عن التضخم وغلاء الأسعار، وعدم قدرتهم على الثورة خوفاً من القبضة الأمنية التي تهدّد كل من يرفع شعاراً معارضاً أكثر ما تلاحق المجرمين والنصّابين الذين يستغلون فقر البسطاء ويورّطونهم في مشروعات مشبوهة تفقدهم أموالهم.

|

اشترك بنشرتنا البريدية