fbpx

نظام الأسد يهدد باجتياح مدينة السويداء
ودعوة إلى تجديد الاحتجاجات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما حدث في السويداء يسمى احتجاجاً وتظاهرة ولو أنها امتدت لساعات فقط، لكنه أتى من القمع والتعب وانعدام الخدمات، لذلك يبدو المشهد مرشحاً للعودة في أي لحظة. لا سيما أن خلق قضبان النظام ما زال كثيرون يقبعون ظلماً وقهراً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بينما تتصاعد دعوات جديدة للاحتجاج في السويداء، يرسل نظام الأسد تهديدات باجتياح المدينة في حال لم تهدأ الأوضاع، إذ قال فهد البلعوس نجل الشيخ وحيد البلعوس لـ”عنب بلدي“، إن “مضافة الكرامة” التي تمثّل شريحة كبيرة من سكان المحافظة، تلقّت تهديداً من “المخابرات الجوية” باجتياح المدينة.

السوريون يعرفون عدوّهم

تظاهرات السويداء الأخيرة، وإن انتهت سريعاً، هي إشارة إلى احتقان شعبيّ، ورفض كثيرين، بينهم مؤيدون، نظام الأسد أو سياسته على الأقل. تكرار التظاهرات دليل على أحقيتها وعلى أحقية أسبابها، وعلى أن السوريين لم ينسوا عدوهم مع مرور السنين والأزمات، عودة الاحتجاجات في أحلك الأوقات تذكيرٌ بأن السوريين يعلمون تماماً من هو المسؤول عن إفقارهم، وأنه سيطلق النار في كل مرة على معارضيه وحتى على مؤيديه، إذا اشتكوا من الجوع.

عاماً بعد آخر يواصل الوضع السوري الانحدار، وكأن لا حد له، وهو أمر مرعب بحد ذاته، والسويداء هي واحدة من المدن الضعيفة، التي لا تمتلك العائلات فيها قوة اقتصادية جيدة، ما يفاقم معاناة سكانها. السوريون اليوم محاصرون في الشوارع حيث لا مركبات لتقلهم بسبب فقدان الوقود، الذي يتسبب أيضاً في انقطاع شبه كامل للاتصالات والانترنت. يذكر أن حكومة النظام أقرّت يوم عطلة ثالثاً في الأسبوع، ليس من أجل منح مواطنيها رفاهية إضافية، بل لمحاولة حل معضلة المواصلات وانقطاع الوقود، هل يمكن أن تتحول كل أيام الأسبوع إلى أيام عطلة في سوريا مع الوقت؟

في حراك السويداء الأخير، انتشر فيديو، يُظهر مجموعة من الأهالي، وهم يحتجون سلمياً أمام مبنى المحافظة في السويداء، إلى أن رفع عنصر من الأمن السوري سلاحه وهددهم حتى يتراجعوا. جنّ جنون المتظاهرين، وطلبوا منه إنزال سلاحه إلا أنه رفض، فازدادوا غضباً وصراخاً بالمطالبة بإنزال السلاح من وجوههم. بعذ ذلك اقتحم   المتظاهرون مبنى المحافظة وضرموا النار به وبسيارة مصفحة تابعة للنظام. 

يعكس هذا المقطع ما يحدث في الداخل السوري، فأسلوب النظام لم يتغير، إذ ما زال يرفع السلاح لإسكات الناس. لكن المقاومة التي أبداها المتظاهرون بدت وكأنهم يسترجعون 12 عاماً من القمع والقتل، ويقولون لن نسمح بأن تقتلونا كما حصل سابقاً.

“نزّل سلاح” عبارة ترددت خلال احتجاجات السويداء، لتكذيب لكلّ روايات نظام الأسد واتهامه المحتجين بالخارجين عن القانون وبأنهم يحملون أسلحة فردية. وسرعان ما خرجت وزارة دفاع النظام ببيان، تتهم فيه المحتجين بأنهم خارجون عن القانون ومخربون وتوعدت بملاحقتهم. وكان على المؤيدين والمطبلين لنظام الأسد إيجاد حجة مقنعة لإبطال شريعة ما فعله أهالي السويداء، وبخاصة أنه لا يمكن إنكار الوضع المعيشي التعيس والمطالب المحقّة للمتظاهرين، ولم يجدوا حجة لرفض التظاهرات أفضل من اتهام المحتجين بتخريب مؤسسات الدولة وتدمير الأوراق الرسمية التي تعود للناس، متهمين المتظاهرين بأنهم عبروا عن مطالب محقّة بطريقة غير محقّة وهمجية.

فقد السوري منذ زمن صلته بمؤسسات الدولة كأماكن تقدم له خدمات وما تمثله اليوم ليس أكثر من أماكن لابتزازه وتعطيل أعماله وإهانته، فمع انتشار الفساد باتت هذه الأماكن لا تلبي حاجاتك سوى بالرشوة، ولو لم تدفع مقابل الخدمات، ستترك معاملاتك على الرفوف لأشهر. ربما الكثير من الأوراق التي أحرقها المتظاهرون عمرها سنوات، وربما تعود لمواطنين تركوا البلاد وهاجروا! عن أي مؤسسات تخدم المواطن يتحدثون بالضبط؟ هم أنفسهم الذين ينتظر أبناؤهم خلف “كوات” التسجيل في الجامعات لساعات، ويطلب موظف منهم العودة في الغد لأنه بقي عشر دقائق على انتهاء الدوام الرسمي، ولا يرغب بوضع ختم لن يأخذ أكثر من بضع ثوان! إنهم يدافعون عن جلادهم دون أن يعرفوا أنهم ضحايا حتى!

ما حدث في السويداء يسمى احتجاجاً وتظاهرة ولو أنها امتدت لساعات فقط، لكنه أتى من القمع والتعب وانعدام الخدمات، لذلك يبدو المشهد مرشحاً للعودة في أي لحظة. لا سيما أن خلق قضبان النظام ما زال كثيرون يقبعون ظلماً وقهراً… 

يريد النظام أن يروّج فكرة أن الاحتجاجات ماتت وأن المدن ما عادت تملك القدرة على الصراخ، وهو أمر بعيد من الواقع، فأي مدينة سورية هي مكان قابل للانفجار في أي لحظة…


تظاهرات السويداء الأخيرة، وإن انتهت سريعاً، هي إشارة إلى احتقان شعبيّ، ورفض كثيرين، بينهم مؤيدون، نظام الأسد أو سياسته على الأقل.


ديكتاتورية النظام السوري تتخطى أيّ ديكتاتورية أخرى

تجددت الدعوات إلى الاحتجاج، في حين نظم بعض الأهالي وقفة احتجاجية ودعوا السوريين في كل المدن السورية إلى إضراب عام، وحاول أعضاء من مجلس المحافظة التحدث مع المحتجين للتهدئة. 

تعكس هذه الدعوات الوضع المزري الذي يعيشه السوريون، وقد لا يتمكن المحتجون في القرى البعيدة من الذهاب إلى السويداء المدينة بسبب عدم توفر مواصلات ووقود، فيبدو السوريون محاصرين في الشوارع حيث لا مركبات تقلهم، ما يتسبب أيضاً في انقطاع شبه كامل للاتصالات والانترنت. يذكر أن حكومة النظام أقرّت يوم عطلة ثالث في الأسبوع، ليس بهدف تأمين رفاهية مضاعفة للمواطنين بل لمحاولة حل معضلة المواصلات وانقطاع الوقود، فهل يمكن ان تتحول كل أيام الأسبوع إلى أيام عطلة في سوريا مع الوقت؟

وكعادة النظام السوري سرعان ما خرجت وزارة دفاع النظام ببيان، تتهم فيه المحتجين بأنهم خارجون عن القانون ومخربون وتوعدت بملاحقتهم، وجنّد النظام إعلامه ومؤيديه للتركيز على هذه الرواية، وكان على المؤيدين إيجاد حجة مقنعة لإبطال شرعية ما فعله أهالي السويداء، بخاصة أنه لا يمكن إنكار الوضع المعيشي التعيس والمطالب المحقّة التي حملها المتظاهرون. فلم يكن أمام النظام وأذرعه سوى نظرية المؤامرة والتحريض. 

ديكتاتورية الأسد تتخطى أي نظام آخر، إذ تُمارس على مؤيديه أيضاً، فيتوجب عليهم أن يجوعوا ويبردوا دون أن يتكلموا، أيُّ اعتراض هو تشكيك بحب الأسد، إنها الجريمة الأولى في سوريا، وجريمة جميع السوريين. لا يعلم المؤيدون أنهم ضحايا هذه الديكتاتورية غير الصريحة، فالخوف من اعتراضك على جوع ابنائك هو جراء ديكتاتورية تُمارس عليك في كلّ يوم، ديكتاتورية في أسلوب حياتك، طريقة مشيك أو مستوى صوتك، الديكتاتورية ليست السجن والتعذيب والترهيب وحسب، بل أيضاً اعتبار أي اعتراض ضد القهر والجوع تخريباً وخيانة! 

وبحسب البلعوس، للنظام رواية مختلفة للأحداث، تصنّف تحرك أهالي السويداء في خانة العمالة لجهات خارجية، مستغلاً التواصل بينهم وبين أهلهم من طائفة الموحدين الدروز في فلسطين، والتبرعات التي يرسلونها إلى السويداء. لطالما انتشرت روايات عن أن “إسرائيل” تدعم السويداء بحجة وجود ضباط دروز في الجيش الإسرائيلي، ولا حجة أقوى من العمالة لإسرائيل لتحطيم المطالب المحقّة.

يتجاهل المنظرون أن السوري فقد منذ زمن صلته بمؤسسات الدولة كأماكن تقدم له خدمات، فما تمثله اليوم ليس أكثر من أماكن لابتزازه وتعطيل أعماله وإهانته، فمع انتشار الفساد باتت هذه الأماكن لا تسيّر أمور المواطن إلا مقابل رشوة أو خدمة، أو تُنسى المعاملة على الرفوف لأشهر… ربما الكثير من الأوراق التي أحرقها المتظاهرون عمرها سنوات وربما تعود لمواطنين تركوا البلاد وهاجروا!

خشية النظام من احتجاجات السويداء

ليست المرة الأولى التي تخرج فيها احتجاجات من السويداء إذ شهد مطلع عام 2020، احتجاجات مشابهة في المدينة الواقعة في الجنوب السوري، لكن هذه الاحتجاجات كانت أكثر عنفاً، على رغم أنها بدأت سلمية إلا أن النظام استفز المحتجين برفع السلاح والتهديد في كل الاحتجاجات التي قامت خلال السنوات الأخيرة. نادى السكان بإسقاط النظام السوري، ومزقوا صور بشار الأسد، لكن التحركات لم تشهد تصعيداً عسكرياً كما حصل خلال الاحتجاجات الأخيرة. وفي ظل عدم وجود أي نيّة لدى النظام في تحسين الأوضاع المعيشية، فلا مفرّ من تحركات جديدة تنفّس غضب المقهورين.

يخشى النظام من أصوات الاعتراض الخارجة من السويداء، لعلمه أنها تهدده لا سيما أنها لا تقتصر على السويداء وحدها، وهذا عكس ما يحاول النظام الترويج له، بإدعاء أن الناس حانقة على المسؤولين بسبب سياساتهم التي أوصلت البلاد لهذا الحال، محاولين وضع الأسد موضع الرئيس الجيد “لكن من حوله سيئون”. الحقيقة أن الناس غاضبون من الرئيس تحديداً، لأنه رأس الهرم ولأنه الآمر والناهي والقاتل والمرتكب. تظاهرات السويداء ليست رد فعل أو حدثاً طارئاً، إنها جزء من وعي سياسي عام، ينطبق على الجزء الأكبر من السوريين، والنظام يخشى امتداد هذا الغضب. وفي السويداء هناك خشية مضاعفة إذ إن تماسك المدينة وأبناءها يشكل قوة بحد ذاتها وإذا ما اشتعلت نيران المواجهة سيمتد الأمر حتماً إلى كل المناطق التي يقطنها الدروز كمنطقة جرمانا في العاصمة دمشق وربما في دول أخرى مثل لبنان وفلسطين.

"درج" | 19.07.2024

اغتيال مرهج الجرماني… محاولة لضرب الاحتجاجات السلمية في السويداء

لا شكّ بأن اغتيال مرهج يصب في مصلحة النظام، فهو لم يترك ساحة الاعتصام منذ بداية الثورة العام الماضي، وفي الشهر الماضي احتجز هو وفصيله عشرات الضباط والعناصر التابعين للنظام السوري، على خلفية اعتقال الأجهزة الأمنية شابة من السويداء بسبب نشاطها المدني، وتمكن بالفعل من تحريرها بعملية مقايضة.
12.12.2022
زمن القراءة: 6 minutes

ما حدث في السويداء يسمى احتجاجاً وتظاهرة ولو أنها امتدت لساعات فقط، لكنه أتى من القمع والتعب وانعدام الخدمات، لذلك يبدو المشهد مرشحاً للعودة في أي لحظة. لا سيما أن خلق قضبان النظام ما زال كثيرون يقبعون ظلماً وقهراً.

بينما تتصاعد دعوات جديدة للاحتجاج في السويداء، يرسل نظام الأسد تهديدات باجتياح المدينة في حال لم تهدأ الأوضاع، إذ قال فهد البلعوس نجل الشيخ وحيد البلعوس لـ”عنب بلدي“، إن “مضافة الكرامة” التي تمثّل شريحة كبيرة من سكان المحافظة، تلقّت تهديداً من “المخابرات الجوية” باجتياح المدينة.

السوريون يعرفون عدوّهم

تظاهرات السويداء الأخيرة، وإن انتهت سريعاً، هي إشارة إلى احتقان شعبيّ، ورفض كثيرين، بينهم مؤيدون، نظام الأسد أو سياسته على الأقل. تكرار التظاهرات دليل على أحقيتها وعلى أحقية أسبابها، وعلى أن السوريين لم ينسوا عدوهم مع مرور السنين والأزمات، عودة الاحتجاجات في أحلك الأوقات تذكيرٌ بأن السوريين يعلمون تماماً من هو المسؤول عن إفقارهم، وأنه سيطلق النار في كل مرة على معارضيه وحتى على مؤيديه، إذا اشتكوا من الجوع.

عاماً بعد آخر يواصل الوضع السوري الانحدار، وكأن لا حد له، وهو أمر مرعب بحد ذاته، والسويداء هي واحدة من المدن الضعيفة، التي لا تمتلك العائلات فيها قوة اقتصادية جيدة، ما يفاقم معاناة سكانها. السوريون اليوم محاصرون في الشوارع حيث لا مركبات لتقلهم بسبب فقدان الوقود، الذي يتسبب أيضاً في انقطاع شبه كامل للاتصالات والانترنت. يذكر أن حكومة النظام أقرّت يوم عطلة ثالثاً في الأسبوع، ليس من أجل منح مواطنيها رفاهية إضافية، بل لمحاولة حل معضلة المواصلات وانقطاع الوقود، هل يمكن أن تتحول كل أيام الأسبوع إلى أيام عطلة في سوريا مع الوقت؟

في حراك السويداء الأخير، انتشر فيديو، يُظهر مجموعة من الأهالي، وهم يحتجون سلمياً أمام مبنى المحافظة في السويداء، إلى أن رفع عنصر من الأمن السوري سلاحه وهددهم حتى يتراجعوا. جنّ جنون المتظاهرين، وطلبوا منه إنزال سلاحه إلا أنه رفض، فازدادوا غضباً وصراخاً بالمطالبة بإنزال السلاح من وجوههم. بعذ ذلك اقتحم   المتظاهرون مبنى المحافظة وضرموا النار به وبسيارة مصفحة تابعة للنظام. 

يعكس هذا المقطع ما يحدث في الداخل السوري، فأسلوب النظام لم يتغير، إذ ما زال يرفع السلاح لإسكات الناس. لكن المقاومة التي أبداها المتظاهرون بدت وكأنهم يسترجعون 12 عاماً من القمع والقتل، ويقولون لن نسمح بأن تقتلونا كما حصل سابقاً.

“نزّل سلاح” عبارة ترددت خلال احتجاجات السويداء، لتكذيب لكلّ روايات نظام الأسد واتهامه المحتجين بالخارجين عن القانون وبأنهم يحملون أسلحة فردية. وسرعان ما خرجت وزارة دفاع النظام ببيان، تتهم فيه المحتجين بأنهم خارجون عن القانون ومخربون وتوعدت بملاحقتهم. وكان على المؤيدين والمطبلين لنظام الأسد إيجاد حجة مقنعة لإبطال شريعة ما فعله أهالي السويداء، وبخاصة أنه لا يمكن إنكار الوضع المعيشي التعيس والمطالب المحقّة للمتظاهرين، ولم يجدوا حجة لرفض التظاهرات أفضل من اتهام المحتجين بتخريب مؤسسات الدولة وتدمير الأوراق الرسمية التي تعود للناس، متهمين المتظاهرين بأنهم عبروا عن مطالب محقّة بطريقة غير محقّة وهمجية.

فقد السوري منذ زمن صلته بمؤسسات الدولة كأماكن تقدم له خدمات وما تمثله اليوم ليس أكثر من أماكن لابتزازه وتعطيل أعماله وإهانته، فمع انتشار الفساد باتت هذه الأماكن لا تلبي حاجاتك سوى بالرشوة، ولو لم تدفع مقابل الخدمات، ستترك معاملاتك على الرفوف لأشهر. ربما الكثير من الأوراق التي أحرقها المتظاهرون عمرها سنوات، وربما تعود لمواطنين تركوا البلاد وهاجروا! عن أي مؤسسات تخدم المواطن يتحدثون بالضبط؟ هم أنفسهم الذين ينتظر أبناؤهم خلف “كوات” التسجيل في الجامعات لساعات، ويطلب موظف منهم العودة في الغد لأنه بقي عشر دقائق على انتهاء الدوام الرسمي، ولا يرغب بوضع ختم لن يأخذ أكثر من بضع ثوان! إنهم يدافعون عن جلادهم دون أن يعرفوا أنهم ضحايا حتى!

ما حدث في السويداء يسمى احتجاجاً وتظاهرة ولو أنها امتدت لساعات فقط، لكنه أتى من القمع والتعب وانعدام الخدمات، لذلك يبدو المشهد مرشحاً للعودة في أي لحظة. لا سيما أن خلق قضبان النظام ما زال كثيرون يقبعون ظلماً وقهراً… 

يريد النظام أن يروّج فكرة أن الاحتجاجات ماتت وأن المدن ما عادت تملك القدرة على الصراخ، وهو أمر بعيد من الواقع، فأي مدينة سورية هي مكان قابل للانفجار في أي لحظة…


تظاهرات السويداء الأخيرة، وإن انتهت سريعاً، هي إشارة إلى احتقان شعبيّ، ورفض كثيرين، بينهم مؤيدون، نظام الأسد أو سياسته على الأقل.


ديكتاتورية النظام السوري تتخطى أيّ ديكتاتورية أخرى

تجددت الدعوات إلى الاحتجاج، في حين نظم بعض الأهالي وقفة احتجاجية ودعوا السوريين في كل المدن السورية إلى إضراب عام، وحاول أعضاء من مجلس المحافظة التحدث مع المحتجين للتهدئة. 

تعكس هذه الدعوات الوضع المزري الذي يعيشه السوريون، وقد لا يتمكن المحتجون في القرى البعيدة من الذهاب إلى السويداء المدينة بسبب عدم توفر مواصلات ووقود، فيبدو السوريون محاصرين في الشوارع حيث لا مركبات تقلهم، ما يتسبب أيضاً في انقطاع شبه كامل للاتصالات والانترنت. يذكر أن حكومة النظام أقرّت يوم عطلة ثالث في الأسبوع، ليس بهدف تأمين رفاهية مضاعفة للمواطنين بل لمحاولة حل معضلة المواصلات وانقطاع الوقود، فهل يمكن ان تتحول كل أيام الأسبوع إلى أيام عطلة في سوريا مع الوقت؟

وكعادة النظام السوري سرعان ما خرجت وزارة دفاع النظام ببيان، تتهم فيه المحتجين بأنهم خارجون عن القانون ومخربون وتوعدت بملاحقتهم، وجنّد النظام إعلامه ومؤيديه للتركيز على هذه الرواية، وكان على المؤيدين إيجاد حجة مقنعة لإبطال شرعية ما فعله أهالي السويداء، بخاصة أنه لا يمكن إنكار الوضع المعيشي التعيس والمطالب المحقّة التي حملها المتظاهرون. فلم يكن أمام النظام وأذرعه سوى نظرية المؤامرة والتحريض. 

ديكتاتورية الأسد تتخطى أي نظام آخر، إذ تُمارس على مؤيديه أيضاً، فيتوجب عليهم أن يجوعوا ويبردوا دون أن يتكلموا، أيُّ اعتراض هو تشكيك بحب الأسد، إنها الجريمة الأولى في سوريا، وجريمة جميع السوريين. لا يعلم المؤيدون أنهم ضحايا هذه الديكتاتورية غير الصريحة، فالخوف من اعتراضك على جوع ابنائك هو جراء ديكتاتورية تُمارس عليك في كلّ يوم، ديكتاتورية في أسلوب حياتك، طريقة مشيك أو مستوى صوتك، الديكتاتورية ليست السجن والتعذيب والترهيب وحسب، بل أيضاً اعتبار أي اعتراض ضد القهر والجوع تخريباً وخيانة! 

وبحسب البلعوس، للنظام رواية مختلفة للأحداث، تصنّف تحرك أهالي السويداء في خانة العمالة لجهات خارجية، مستغلاً التواصل بينهم وبين أهلهم من طائفة الموحدين الدروز في فلسطين، والتبرعات التي يرسلونها إلى السويداء. لطالما انتشرت روايات عن أن “إسرائيل” تدعم السويداء بحجة وجود ضباط دروز في الجيش الإسرائيلي، ولا حجة أقوى من العمالة لإسرائيل لتحطيم المطالب المحقّة.

يتجاهل المنظرون أن السوري فقد منذ زمن صلته بمؤسسات الدولة كأماكن تقدم له خدمات، فما تمثله اليوم ليس أكثر من أماكن لابتزازه وتعطيل أعماله وإهانته، فمع انتشار الفساد باتت هذه الأماكن لا تسيّر أمور المواطن إلا مقابل رشوة أو خدمة، أو تُنسى المعاملة على الرفوف لأشهر… ربما الكثير من الأوراق التي أحرقها المتظاهرون عمرها سنوات وربما تعود لمواطنين تركوا البلاد وهاجروا!

خشية النظام من احتجاجات السويداء

ليست المرة الأولى التي تخرج فيها احتجاجات من السويداء إذ شهد مطلع عام 2020، احتجاجات مشابهة في المدينة الواقعة في الجنوب السوري، لكن هذه الاحتجاجات كانت أكثر عنفاً، على رغم أنها بدأت سلمية إلا أن النظام استفز المحتجين برفع السلاح والتهديد في كل الاحتجاجات التي قامت خلال السنوات الأخيرة. نادى السكان بإسقاط النظام السوري، ومزقوا صور بشار الأسد، لكن التحركات لم تشهد تصعيداً عسكرياً كما حصل خلال الاحتجاجات الأخيرة. وفي ظل عدم وجود أي نيّة لدى النظام في تحسين الأوضاع المعيشية، فلا مفرّ من تحركات جديدة تنفّس غضب المقهورين.

يخشى النظام من أصوات الاعتراض الخارجة من السويداء، لعلمه أنها تهدده لا سيما أنها لا تقتصر على السويداء وحدها، وهذا عكس ما يحاول النظام الترويج له، بإدعاء أن الناس حانقة على المسؤولين بسبب سياساتهم التي أوصلت البلاد لهذا الحال، محاولين وضع الأسد موضع الرئيس الجيد “لكن من حوله سيئون”. الحقيقة أن الناس غاضبون من الرئيس تحديداً، لأنه رأس الهرم ولأنه الآمر والناهي والقاتل والمرتكب. تظاهرات السويداء ليست رد فعل أو حدثاً طارئاً، إنها جزء من وعي سياسي عام، ينطبق على الجزء الأكبر من السوريين، والنظام يخشى امتداد هذا الغضب. وفي السويداء هناك خشية مضاعفة إذ إن تماسك المدينة وأبناءها يشكل قوة بحد ذاتها وإذا ما اشتعلت نيران المواجهة سيمتد الأمر حتماً إلى كل المناطق التي يقطنها الدروز كمنطقة جرمانا في العاصمة دمشق وربما في دول أخرى مثل لبنان وفلسطين.

12.12.2022
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية