fbpx

“وحي من الله على المرشد”: 
خطط تغيير المناهج الإيرانية وصولاً لأعلى مراحل الخمينية 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

خامنئي لا يتوانى عن شن هجماته ضد تدريس بعض المناهج والعلوم. الأمر يتصاعد في لحظات التوتر السياسي. ففي أعقاب تظاهرات “الحركة الخضراء قال خامنئي: “إنّ تدريس الكثير من العلوم الإنسانية في الجامعات، يجعل الطلاب يكفرون بالتعاليم الإلهية والإسلامية”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

جرائم أمريكا وتاريخها الاستعماري، قاسم سليماني وسيرة حياته حتى مقتله، احتلال السفارة الأميركية في طهران عام 1979، سيرة حياة العسكريين الذي قتلوا في سوريا…

هذه بعض من الموضوعات المقترحة، في الفترة الأخيرة في إيران لدمجها في البرامج التعليمية. فهناك مسعى حثيث لإحداث تعديلات على المناهج التعليمية الإيرانية وتوحي العناوين والتعديلات المقترحة أن سياسة عسكرة الأجيال الجديدة، أو بالأحرى خلق “عصبة مؤمنة”، على الطريقة الخمينية هو في طور التصعيد وليس الانحسار. 

لا تشهد القضايا الفكرية أو العلمية أو الأدبية التي تزخر بها الثقافة الفارسية النقاش نفسه ولا الزخم إياه بل تبدو تلك هامشية أمام أدلجة مناهج التعليم وفق رؤية النظام.

من يتابع النقاشات الحاصلة بشأن ما ينبغي تعديله ودمجه في المناهج التعليمية يستنتج أن النظام يسعى لتعميم نموذج قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي قتل قبل أكثر من عامين في العراق.

خامنئي ومرجعية سيد قطب

لطالما أثرت مقولات ومفاهيم المنظر الإسلامي سيد قطب (العصبة المؤمنة والجيل القرآني والحاكمية) في المرشد الإيراني، علي خامنئي. فترجم الأخير له كتاب: “المستقبل لهذا الدين”، والذي تحول عنوانه بالفارسية إلى “بيان ضد الحضارة الغربية”. 

الجيل المتخيل في إيران المستقبل، الذي سيتحول طواعية أو قسراً إلى “جيل مقاوم”، بتعبير آخر سياسي، وفق وزير التربية والتعليم الإيراني، يوسف نوري، ينبغي أن يتعرف إلى “أهداف الثورة”، ويخضع لإجراءات الولي الفقيه المؤيدة من الله، كما قال عضو مجلس صيانة الدستور، محسن رضائي، والذي ذكر أنّ مشروع الخطة الثانية من الثورة الثقافية “وحي من الله على المرشد”.

لذلك، تبدو “سيرة حياة الضباط والجنود الذين قُتلوا في سوريا تفوق بكثير أهمية ذكر الأدباء والشعراء الإيرانيين مهما كبرت عناوينهم”، وفق حسين قاسم بور مقدم، مدير قسم الآداب الفارسية، والمسؤول عن إعداد الكتب الدراسية بوزارة التربية والتعليم.

وتكاد لا تختلف استراتيجية الحكومات المتعاقبة في إيران، على مدار أربعة عقود، في ما يخص ضرورة تغيير المناهج، بصفة مستمرة، للوصول إلى أعلى مراحل الخمينية السياسية وتطبيقاتها على الأفراد. 

فعام 1980 قال الإمام الخميني: “يجب أن تحدث الثورة الإسلامية، في جميع الجامعات في مختلف أنحاء إيران، حتى يتم تطهير الجامعات من الأساتذة المرتبطين بالشرق والغرب، وتصبح الجامعة بيئة صحية لتدريس العلوم الإسلامية”.

ولم تكن هذه الكلمات التي رددها الإمام الخميني، عام 1980، ضمن خطابه في عيد النوروز، بينما أكد ضرورة “أسلمة” الجامعات، سوى عتبة صعود طلبة من أتباع الإمام الخميني للدخول في صراع محتدم مع الطلاب الآخرين من ذوي الانتماءات اليسارية والليبرالية. 

غير أنّ محاولات النخبة الحاكمة، في طهران، تسييس وأدلجة التعليم والثقافة والفنون، كحال أي ثورة أو انقلاب له مرجعية ويستهدف تغيير البنى المجتمعية، قد بلغت درجاتها القصوى إثر خطاب الخميني الذي نجم عنه اقتحام عدد من الجامعات من قبل عناصره الولائية، ثم احتلالها. 

مشهد العنف الذي صنعه طلاب الإمام الخميني بقوة ودأب، يفسره الشحن السياسي في خطابات قائد الثورة الإسلامية، والذي أعلن عن امتعاضه من تأخر إجراءات الثورة الثقافية. وقال الخميني: “إنّ ضرورة الثورة الثقافية، وهي أمر إسلامي ورغبة الأمة الإسلامية، معلنة منذ فترة، ولم يتم اتخاذ أيّ إجراء فعال”.

وانتهى الحال بإغلاق الجامعات “لأجل غير مسمى”، بينما تنامت وتيرة العنف والصدامات الدموية بين الطلبة. والنتيجة كانت بداية ما عرف بـ”الثورة الثقافية”.

وبعد الإغلاق الرسمي للجامعات أصدر الإمام الخميني قراراً بتشكيل مقر للثورة الثقافية. بينما لم تتوقف خطاباته التعبوية لحشد فئات وقطاعات متفاوتة، وتحديداً الطلاب المنتمين للاتحاد الإسلامي للجامعات والمنظمات الطلابية الإسلامية. 

وفي ظل حالة السيولة التي شهدتها طهران، حاولت بعض الأطراف داخل السلطة، دونما جدوى، تهدئة الوضع، بينما كانت عملية “الثورة الثقافية” تجري صناعتها بوتيرة سريعة. وفشل عضو المجلس الثوري، وقتذاك، هاشمي رفسنجاني، الذي توجه إلى جامعة تبريز، في إلقاء كلمته في قاعة كلية الطب تحت وطأة الحشود الطلابية. 

بني صدر

واصطف رئيس الجمهورية، آنذاك، أبو الحسن بني صدر، مع تيار التغيير الراديكالي والمتشدد الذي يهدف إلى “تطهير” الجامعة من العناصر التي تقف على النقيض من مبادئ الجمهورية الإسلامية. 

وقال بني صدر: “إنّ مبدأ الأمر بضرورة تغيير نظام التعليم ليس سؤالاً موضع شك. لقد فكرت في الأمر بنفسي لسنوات وقمت بإجراء بحث، لكن اختيار هذا الوقت هو مسألة أخرى”.

وفي ما يبدو أنّ النظام استثمر لأقصى درجة احتجاجات الطلبة الإسلاميين، وعمد إلى توظيفها لمصلحته، بل وإدارتها.

كما لم يتوان عن الحشد والتعبئة المتواصلين من خلال الخطابات التحريضية. إذ قال المجلس الثوري، في بيان له، إنّ إغلاق الجامعات سيمتد حتى نهاية الأول من أيار/ مايو 1980، وعلى المواطنين والأكاديميين والطلاب مغادرة الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. 

وذكر بيان المجلس الثوري: “من الواضح أنّه كلما رأى المجلس الثوري ضرورة لذلك، سيُطلب من الناس الذهاب إلى الجامعات مع الرئيس والمجلس الثوري عبر رسالة إذاعية”.

هذا المشهد التأسيسي كان بمثابة حلقة أو فصل في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وقد خفت حدته مع مرحلة الرئيس الإيراني السابق، محمد خاتمي. ثم عاودت الأمور سيرتها الأولى مع نهاية حكم التيار الإصلاحي. وقد دشن الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، المرحلة الثانية من الثورة الثقافية. 

وفي فترة رئاسة حسن روحاني حدثت مناورات كثيرة في هذا الاتجاه، حيث تعطل المسار على خلفية تباعد الرؤى والمواقف بين التيارين الإصلاحي والمتشدد. بل إنّ تنامي الخلافات مع روحاني عطلت تنفيذ استراتيجية “وثيقة الجامعة الإسلامية” التي وافق عليها المجلس الأعلى للثورة الثقافية. 

وقال روحاني: “لا توجد رياضيات أو فيزياء أو كيمياء إسلامية… إنّ وضع القرآن في صندوق قفازات السيارة لن يجعل تلك السيارة إسلامية”.

وضمن سياسات أحمدي نجاد والتيار الأصولي لاستكمال عملية “أسلمة” الجامعات، إرغام عدد من الأكاديميين على التقاعد القسري. الأمر الذي طاول عدداً من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وبخاصة المحسوبون على الرئيس السابق خاتمي. فضلاً عن نقل بعضهم إلى جامعات أخرى (غير حكومية)، مثل جامعة آزاد الإسلامية. 

ووفق معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإنّ ممارسة طرد طلاب الجامعات وإقالة الأساتذة سارية، منذ عام 1979. فخلال الثورة الثقافية الأولى، طُرد حوالى 50 ألف طالب معارض من مدارسهم. وبسبب القمع السياسي، تمّ فصل أو هجرة أكثر من ثلث أعضاء هيئة التدريس.

وبرغم التكتم على هذه الممارسات التي تجري بحيل خارج نطاق القانون، إلا أنّ وزير العلوم، كامران ضاحي، لمّح إلى ضروراتها ومبرراتها. وقال: “ليس لك الحق في توظيف شخص في الجامعات لا يتبع مسار الالتزام العملي بالسلطة القانونية والدستور… وأقول بوضوح إنّنا بحاجة لأشخاص في الجامعات لديهم التزام عملي بالإسلام والسلطة الدينية”.

إذاً، الهيمنة الأيدولوجية على الجامعات، لا تعدو كونها أمراً طارئاً أو جديداً. بل إنّها تلازم الولي الفقيه الذي يواصل إحكام قبضته على العملية التعليمية، ويتفادى أيّ جيوب تتسلل منها المعارضة، وتهز الأرض تحت أقدامه.

اللافت أنّ خامنئي لا يتوانى عن شن هجماته ضد تدريس بعض المناهج والعلوم. الأمر الذي يتصاعد في لحظات التوتر السياسي. ففي أعقاب تظاهرات “الحركة الخضراء” التي اندلعت ضد نتائج الانتخابات التي فاز فيها أحمدي نجاد، وطاولتها اتهامات بالتزوير، قال خامنئي: “إنّ تدريس الكثير من العلوم الإنسانية في الجامعات، يجعل الطلاب يكفرون بالتعاليم الإلهية والإسلامية”.

ونجم عن ذلك مراجعة وتعديل نحو 555 كتاباً في 38 مجالاً في العلوم الإنسانية بالجامعات، كما نقلت وكالة أنباء فارس عن حميد رضا آية الله، رئيس معهد البحوث الإنسانية بوزارة التعليم العالي.

إذاً، لا يبدو قرار وزير التربية والتعليم الإيراني، يوسف نوري، الذي امتثل لقرارات المرشد الإيراني، نهاية الشهر الماضي، بخصوص مراجعة المحتوى التعليمي في الكتب المدرسية، خبراً مباغتاً. فتغيير محتوى 200 كتاب مدرسي أمسى حدثاً متوقعاً وعادياً.

قال نوري: “الكتب كانت قيد الطباعة هذا العام، لكن تمّ إرسال 200 عنوان كتاب لإجراء التغييرات”.

إقرأوا أيضاً:

قبل عام، أدان البرلماني الإيراني السابق، علي مطهري، التغييرات التي عمدت إلى صناعة صورة مزيفة حول التاريخ لمصلحة التقارب السياسي، الموقت والبراغماتي، بين موسكو وطهران. وقال مطهري: “حتى في الكتب المدرسية حذفوا بعض الحقائق التاريخية التي هي ضد روسيا، وهذا يعني تشويه التاريخ وخداع الشعب”.

مع تعديلات مماثلة عام 2020، قال رئيس دائرة البحوث والدراسات التربوية في إيران، علي ذو علم، إنّ “هدفنا ليس حذف جرائم روسيا القيصرية أو الاتحاد السوفياتي، بل أن نصحح المنهجية في تناول المعلومات التاريخية”. 

تمثل فترة صعود الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي، بينما تتسيد أجهزة ومؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية العناصر القريبة من المرشد الإيراني والحرس الثوري، المرحلة الثالثة من الثورة الثقافية. 

بخلاف روحاني، الذي اتخذ خطوات أقل تشدداً بخصوص التعاطي مع قضية “أسلمة” الجامعات، وكذا رفض استبعاد الطلاب على أساس الميول السياسية، فقد تضمن برنامج رئيسي الانتخابي انقلاباً على هذا الاتجاه السابق، وعمد إلى مقاربة “الإيمان والأخلاق” في منظومة التعليم ودمج الطلاب معها. 

برغم غموض التعبيرات المستخدمة وبلاغتها الدينية أو حمولتها الإيدولوجية، فإنّ أهدافها تبدو مباشرة وواضحة لاستئناف مشروع السيطرة على الفضاء الجامعي.

المرحلة الثالثة من الثورة الثقافية التي يقودها رئيسي، والتي لا تختلف عن المرحلتين السابقتين من حيث إجراءاتها المتشددة وإقالة أساتذة جامعيين، اعتبرها كبير مستشاري ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري العميد يد الله جافاني، أمام “فرصة ذهبية (مع إدارة إبراهيم رئيسي) لأسلمة الجامعات، لأن أمورنا الشاذة ومشكلاتنا في البلاد اليوم ناجمة عن عدم إصلاح الجامعات، لكن الإصلاح يجب أن ينفَّذ هذه المرة”.

إقرأوا أيضاً:

11.09.2022
زمن القراءة: 7 minutes

خامنئي لا يتوانى عن شن هجماته ضد تدريس بعض المناهج والعلوم. الأمر يتصاعد في لحظات التوتر السياسي. ففي أعقاب تظاهرات “الحركة الخضراء قال خامنئي: “إنّ تدريس الكثير من العلوم الإنسانية في الجامعات، يجعل الطلاب يكفرون بالتعاليم الإلهية والإسلامية”.

جرائم أمريكا وتاريخها الاستعماري، قاسم سليماني وسيرة حياته حتى مقتله، احتلال السفارة الأميركية في طهران عام 1979، سيرة حياة العسكريين الذي قتلوا في سوريا…

هذه بعض من الموضوعات المقترحة، في الفترة الأخيرة في إيران لدمجها في البرامج التعليمية. فهناك مسعى حثيث لإحداث تعديلات على المناهج التعليمية الإيرانية وتوحي العناوين والتعديلات المقترحة أن سياسة عسكرة الأجيال الجديدة، أو بالأحرى خلق “عصبة مؤمنة”، على الطريقة الخمينية هو في طور التصعيد وليس الانحسار. 

لا تشهد القضايا الفكرية أو العلمية أو الأدبية التي تزخر بها الثقافة الفارسية النقاش نفسه ولا الزخم إياه بل تبدو تلك هامشية أمام أدلجة مناهج التعليم وفق رؤية النظام.

من يتابع النقاشات الحاصلة بشأن ما ينبغي تعديله ودمجه في المناهج التعليمية يستنتج أن النظام يسعى لتعميم نموذج قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي قتل قبل أكثر من عامين في العراق.

خامنئي ومرجعية سيد قطب

لطالما أثرت مقولات ومفاهيم المنظر الإسلامي سيد قطب (العصبة المؤمنة والجيل القرآني والحاكمية) في المرشد الإيراني، علي خامنئي. فترجم الأخير له كتاب: “المستقبل لهذا الدين”، والذي تحول عنوانه بالفارسية إلى “بيان ضد الحضارة الغربية”. 

الجيل المتخيل في إيران المستقبل، الذي سيتحول طواعية أو قسراً إلى “جيل مقاوم”، بتعبير آخر سياسي، وفق وزير التربية والتعليم الإيراني، يوسف نوري، ينبغي أن يتعرف إلى “أهداف الثورة”، ويخضع لإجراءات الولي الفقيه المؤيدة من الله، كما قال عضو مجلس صيانة الدستور، محسن رضائي، والذي ذكر أنّ مشروع الخطة الثانية من الثورة الثقافية “وحي من الله على المرشد”.

لذلك، تبدو “سيرة حياة الضباط والجنود الذين قُتلوا في سوريا تفوق بكثير أهمية ذكر الأدباء والشعراء الإيرانيين مهما كبرت عناوينهم”، وفق حسين قاسم بور مقدم، مدير قسم الآداب الفارسية، والمسؤول عن إعداد الكتب الدراسية بوزارة التربية والتعليم.

وتكاد لا تختلف استراتيجية الحكومات المتعاقبة في إيران، على مدار أربعة عقود، في ما يخص ضرورة تغيير المناهج، بصفة مستمرة، للوصول إلى أعلى مراحل الخمينية السياسية وتطبيقاتها على الأفراد. 

فعام 1980 قال الإمام الخميني: “يجب أن تحدث الثورة الإسلامية، في جميع الجامعات في مختلف أنحاء إيران، حتى يتم تطهير الجامعات من الأساتذة المرتبطين بالشرق والغرب، وتصبح الجامعة بيئة صحية لتدريس العلوم الإسلامية”.

ولم تكن هذه الكلمات التي رددها الإمام الخميني، عام 1980، ضمن خطابه في عيد النوروز، بينما أكد ضرورة “أسلمة” الجامعات، سوى عتبة صعود طلبة من أتباع الإمام الخميني للدخول في صراع محتدم مع الطلاب الآخرين من ذوي الانتماءات اليسارية والليبرالية. 

غير أنّ محاولات النخبة الحاكمة، في طهران، تسييس وأدلجة التعليم والثقافة والفنون، كحال أي ثورة أو انقلاب له مرجعية ويستهدف تغيير البنى المجتمعية، قد بلغت درجاتها القصوى إثر خطاب الخميني الذي نجم عنه اقتحام عدد من الجامعات من قبل عناصره الولائية، ثم احتلالها. 

مشهد العنف الذي صنعه طلاب الإمام الخميني بقوة ودأب، يفسره الشحن السياسي في خطابات قائد الثورة الإسلامية، والذي أعلن عن امتعاضه من تأخر إجراءات الثورة الثقافية. وقال الخميني: “إنّ ضرورة الثورة الثقافية، وهي أمر إسلامي ورغبة الأمة الإسلامية، معلنة منذ فترة، ولم يتم اتخاذ أيّ إجراء فعال”.

وانتهى الحال بإغلاق الجامعات “لأجل غير مسمى”، بينما تنامت وتيرة العنف والصدامات الدموية بين الطلبة. والنتيجة كانت بداية ما عرف بـ”الثورة الثقافية”.

وبعد الإغلاق الرسمي للجامعات أصدر الإمام الخميني قراراً بتشكيل مقر للثورة الثقافية. بينما لم تتوقف خطاباته التعبوية لحشد فئات وقطاعات متفاوتة، وتحديداً الطلاب المنتمين للاتحاد الإسلامي للجامعات والمنظمات الطلابية الإسلامية. 

وفي ظل حالة السيولة التي شهدتها طهران، حاولت بعض الأطراف داخل السلطة، دونما جدوى، تهدئة الوضع، بينما كانت عملية “الثورة الثقافية” تجري صناعتها بوتيرة سريعة. وفشل عضو المجلس الثوري، وقتذاك، هاشمي رفسنجاني، الذي توجه إلى جامعة تبريز، في إلقاء كلمته في قاعة كلية الطب تحت وطأة الحشود الطلابية. 

بني صدر

واصطف رئيس الجمهورية، آنذاك، أبو الحسن بني صدر، مع تيار التغيير الراديكالي والمتشدد الذي يهدف إلى “تطهير” الجامعة من العناصر التي تقف على النقيض من مبادئ الجمهورية الإسلامية. 

وقال بني صدر: “إنّ مبدأ الأمر بضرورة تغيير نظام التعليم ليس سؤالاً موضع شك. لقد فكرت في الأمر بنفسي لسنوات وقمت بإجراء بحث، لكن اختيار هذا الوقت هو مسألة أخرى”.

وفي ما يبدو أنّ النظام استثمر لأقصى درجة احتجاجات الطلبة الإسلاميين، وعمد إلى توظيفها لمصلحته، بل وإدارتها.

كما لم يتوان عن الحشد والتعبئة المتواصلين من خلال الخطابات التحريضية. إذ قال المجلس الثوري، في بيان له، إنّ إغلاق الجامعات سيمتد حتى نهاية الأول من أيار/ مايو 1980، وعلى المواطنين والأكاديميين والطلاب مغادرة الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. 

وذكر بيان المجلس الثوري: “من الواضح أنّه كلما رأى المجلس الثوري ضرورة لذلك، سيُطلب من الناس الذهاب إلى الجامعات مع الرئيس والمجلس الثوري عبر رسالة إذاعية”.

هذا المشهد التأسيسي كان بمثابة حلقة أو فصل في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وقد خفت حدته مع مرحلة الرئيس الإيراني السابق، محمد خاتمي. ثم عاودت الأمور سيرتها الأولى مع نهاية حكم التيار الإصلاحي. وقد دشن الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، المرحلة الثانية من الثورة الثقافية. 

وفي فترة رئاسة حسن روحاني حدثت مناورات كثيرة في هذا الاتجاه، حيث تعطل المسار على خلفية تباعد الرؤى والمواقف بين التيارين الإصلاحي والمتشدد. بل إنّ تنامي الخلافات مع روحاني عطلت تنفيذ استراتيجية “وثيقة الجامعة الإسلامية” التي وافق عليها المجلس الأعلى للثورة الثقافية. 

وقال روحاني: “لا توجد رياضيات أو فيزياء أو كيمياء إسلامية… إنّ وضع القرآن في صندوق قفازات السيارة لن يجعل تلك السيارة إسلامية”.

وضمن سياسات أحمدي نجاد والتيار الأصولي لاستكمال عملية “أسلمة” الجامعات، إرغام عدد من الأكاديميين على التقاعد القسري. الأمر الذي طاول عدداً من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وبخاصة المحسوبون على الرئيس السابق خاتمي. فضلاً عن نقل بعضهم إلى جامعات أخرى (غير حكومية)، مثل جامعة آزاد الإسلامية. 

ووفق معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإنّ ممارسة طرد طلاب الجامعات وإقالة الأساتذة سارية، منذ عام 1979. فخلال الثورة الثقافية الأولى، طُرد حوالى 50 ألف طالب معارض من مدارسهم. وبسبب القمع السياسي، تمّ فصل أو هجرة أكثر من ثلث أعضاء هيئة التدريس.

وبرغم التكتم على هذه الممارسات التي تجري بحيل خارج نطاق القانون، إلا أنّ وزير العلوم، كامران ضاحي، لمّح إلى ضروراتها ومبرراتها. وقال: “ليس لك الحق في توظيف شخص في الجامعات لا يتبع مسار الالتزام العملي بالسلطة القانونية والدستور… وأقول بوضوح إنّنا بحاجة لأشخاص في الجامعات لديهم التزام عملي بالإسلام والسلطة الدينية”.

إذاً، الهيمنة الأيدولوجية على الجامعات، لا تعدو كونها أمراً طارئاً أو جديداً. بل إنّها تلازم الولي الفقيه الذي يواصل إحكام قبضته على العملية التعليمية، ويتفادى أيّ جيوب تتسلل منها المعارضة، وتهز الأرض تحت أقدامه.

اللافت أنّ خامنئي لا يتوانى عن شن هجماته ضد تدريس بعض المناهج والعلوم. الأمر الذي يتصاعد في لحظات التوتر السياسي. ففي أعقاب تظاهرات “الحركة الخضراء” التي اندلعت ضد نتائج الانتخابات التي فاز فيها أحمدي نجاد، وطاولتها اتهامات بالتزوير، قال خامنئي: “إنّ تدريس الكثير من العلوم الإنسانية في الجامعات، يجعل الطلاب يكفرون بالتعاليم الإلهية والإسلامية”.

ونجم عن ذلك مراجعة وتعديل نحو 555 كتاباً في 38 مجالاً في العلوم الإنسانية بالجامعات، كما نقلت وكالة أنباء فارس عن حميد رضا آية الله، رئيس معهد البحوث الإنسانية بوزارة التعليم العالي.

إذاً، لا يبدو قرار وزير التربية والتعليم الإيراني، يوسف نوري، الذي امتثل لقرارات المرشد الإيراني، نهاية الشهر الماضي، بخصوص مراجعة المحتوى التعليمي في الكتب المدرسية، خبراً مباغتاً. فتغيير محتوى 200 كتاب مدرسي أمسى حدثاً متوقعاً وعادياً.

قال نوري: “الكتب كانت قيد الطباعة هذا العام، لكن تمّ إرسال 200 عنوان كتاب لإجراء التغييرات”.

إقرأوا أيضاً:

قبل عام، أدان البرلماني الإيراني السابق، علي مطهري، التغييرات التي عمدت إلى صناعة صورة مزيفة حول التاريخ لمصلحة التقارب السياسي، الموقت والبراغماتي، بين موسكو وطهران. وقال مطهري: “حتى في الكتب المدرسية حذفوا بعض الحقائق التاريخية التي هي ضد روسيا، وهذا يعني تشويه التاريخ وخداع الشعب”.

مع تعديلات مماثلة عام 2020، قال رئيس دائرة البحوث والدراسات التربوية في إيران، علي ذو علم، إنّ “هدفنا ليس حذف جرائم روسيا القيصرية أو الاتحاد السوفياتي، بل أن نصحح المنهجية في تناول المعلومات التاريخية”. 

تمثل فترة صعود الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي، بينما تتسيد أجهزة ومؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية العناصر القريبة من المرشد الإيراني والحرس الثوري، المرحلة الثالثة من الثورة الثقافية. 

بخلاف روحاني، الذي اتخذ خطوات أقل تشدداً بخصوص التعاطي مع قضية “أسلمة” الجامعات، وكذا رفض استبعاد الطلاب على أساس الميول السياسية، فقد تضمن برنامج رئيسي الانتخابي انقلاباً على هذا الاتجاه السابق، وعمد إلى مقاربة “الإيمان والأخلاق” في منظومة التعليم ودمج الطلاب معها. 

برغم غموض التعبيرات المستخدمة وبلاغتها الدينية أو حمولتها الإيدولوجية، فإنّ أهدافها تبدو مباشرة وواضحة لاستئناف مشروع السيطرة على الفضاء الجامعي.

المرحلة الثالثة من الثورة الثقافية التي يقودها رئيسي، والتي لا تختلف عن المرحلتين السابقتين من حيث إجراءاتها المتشددة وإقالة أساتذة جامعيين، اعتبرها كبير مستشاري ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري العميد يد الله جافاني، أمام “فرصة ذهبية (مع إدارة إبراهيم رئيسي) لأسلمة الجامعات، لأن أمورنا الشاذة ومشكلاتنا في البلاد اليوم ناجمة عن عدم إصلاح الجامعات، لكن الإصلاح يجب أن ينفَّذ هذه المرة”.

إقرأوا أيضاً:

11.09.2022
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية