حين سُرِق وجهي مني…                                   

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

حين استشعرت بداية سرقة وجهي، لاحظتُ أنه لم يعد يعبّر عمّا أريد أو ما أرغب، أصبح يعكس الوضع العام المنهك للبلاد.

لطالما كانت علاقتي بوجهي حميمية وخاصة، أحببت ملامحه، لون بشرتي وبريق عيني وابتسامتي منذ صغري، وكان دائماً بوصلتي، كل من حولي أكدوا ذلك: “وجهك بريء وذو ملامح طفولية، وجهك مريح، وكيف لنا أن ننسى وجهك هذا!”.

كان وجهي طريقي للوصول إلى الرضا عن ذاتي لتقييم مشاعري. قبل انتشار الأجهزة الذكية كنت أراقب تغيّر ملامحه بالصور الفوتوغرافية وبالمرآة وألاحظ بشدة انعكاس المشاعر والمراحل المختلفة على ملامحي، لكن وبعد استخدامنا الأجهزة الحديثة أصبحت المراقبة أسهل ومتاحة أكثر.

أثر الحزن على الوجه

منذ بداية الحرب في دمشق سعيتُ جاهدة للحفاظ على رونق وجهي من خلال الحفاظ على توازني النفسي، محاولة ألّا تتغير الملامح أو تصبح مشوهة ومتعبة وأن تبقى بوصلة للتعريف عن ذاتي، لكن الموضوع معقد للأسف وفي النهاية لا نستطيع منع المشاعر من رسم ما تريد على وجوهنا، حين استشعرت بداية سرقة وجهي، لاحظتُ أنه لم يعد يعبّر عمّا أريد أو ما أرغب، أصبح يعكس الوضع العام المنهك للبلاد.

من بعدها سُرِق كامل وجهي عندما استسلمت لعلاقة سرقت ابتسامتي وقدرتي على التعبير والفرح، فأصبح وجهي ليس مني وليس لي. تسرق العلاقات السامة أو غير الصحية وجوهنا، التنبيه الأول لأي علاقة غير صحية هي فقدانك وجهك. وهذه العلاقات المؤذية تشمل علاقات مع أوطان نحبها وتأكل من وجوهنا بالعرق المالح، تنحت ألماً يدلّ بوضوح على أوجاعنا.

الوجوه تخزن المشاعر بوضوح وتعكسها بدقة، هي مرآتنا ومصفاة صراعاتنا، ومع كل علاقة مسيئة أو مشاعر من عدم الارتياح تتبدل وجوهنا لترسم خارطة الخروج والحاجة إلى الهرب.

أراقب وجوه المارة عندما أعود من عملي مشياً لعدم توفر وسائل النقل، ألملم العرق من على وجهي، لأفهم ببساطة كل ما يقولون وما يشعرون، مشاعرهم مكتوبة بدقة على وجوههم، أسأل نفسي: “هل يفهمون ما أشعر به الآن؟”.

الوجوه تخزن المشاعر بوضوح وتعكسها بدقة، هي مرآتنا ومصفاة صراعاتنا، ومع كل علاقة مسيئة أو مشاعر من عدم الارتياح تتبدل وجوهنا لترسم خارطة الخروج والحاجة إلى الهرب، وهكذا تبدأ الخسارات… خسارتي قدرتي على إلقاء التحية على الأطفال الغرباء والمسنين في الشوارع والابتسام لهم، خسارتي القدرة على الوقوف أمام المرآة لتأمل بريق عيني. أتذكر مقولة للطبيب الأميركي والباحث ديفيد هاوكينز في كتابه “السماح بالرحيل”: “كل التجارب التي تقلل من فرحنا في الحياة تعكس ذاتها في عضلات الوجه مما يؤثر في ملامحنا وحالتنا الصحية”.

كيف نسترد وجوهنا؟

وكما تحفر المآسي علاماتها، تترك العلاقات الصحية والمشاعر الجيدة على وجوهنا ملامح الرضا، تترك ابتساماتٍ وجمالاً ينبعث من مكان حقيقي تماماً، وبعد رحلة طويلة من استرداد الذات بعد خروجنا من علاقة مؤذية أول ما نسترده هو وجوهنا، وجوهنا الحقيقية، لا تلك التي يرسمونها لنا، فيقررون متى نضحك ومتى نبكي، نتعاطف، أو نندهش ومتى نقول لا ومتى نقول نعم. 

برغم تعقيد العلاقات الانسانية وصعوبة وضع معايير ثابتة للحكم على مسار العلاقات إلا أن معيار الوجه الفرح هو أكثرها وضوحاً وحقيقةً، لذلك نصبح أجمل مع من نحب.

بعد سنوات من فقداني وجهي الحقيقي، أسترده رويداً، رويداً، مع كل ابتسامة وتحية ونظرة اهتمام، مع كل حب أرميه في قلب أحدهم، يكبر وجهي الحقيقي كما روحي من الداخل لعلي أسترد حقيقتي مرة أخرى.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني