fbpx

الحقبة المظلمة لحرية الصحافة:
بيروت/ بغداد… القاتل واحد 1/3

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
"درج"

خسر لبنان من مائه ومن نفطه، وخسر العراق عبر وصول حكومة ضعيفة التمثيل النيابي. وربحت إيران وربحت إسرائيل. لكن هذه المرة جرى ذلك برعاية غربية، فالحاجة إلى النفط والغاز بفعل الحرب في أوكرانيا أشد من الحاجة إلى قيم الحرية والحق بالحياة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

وأخيراً أثمر التشابه في الانتهاكات التي تعرض لها صحافيون وكتاب وناشطون لبنانيون وعراقيون، تبادلاً في المصالح أقدم عليه المرتكب الواحد في كلا البلدين، فكان أن تشكلت حكومة عراقية، بتسهيل من الغرب، تقف وراءها الفصائل الموالية لإيران، وولد بموازاتها اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل. 

طهران أخذت الحكومة العراقية، وطهران أعطت ترسيم الحدود. 

هنا وضمن حملة “وضوح” التي تهدف للحد من استهداف الناشطين ومؤسسات المجتمع المدني، التي ننشر تقارير أعدت في سياقها، نستعيد شبهة العلاقة بين المرتكبين في العراق وفي لبنان.   

تأخذنا معادلة مبادلة حكومة القوى الموالية لإيران في العراق باتفاقية الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، إلى ما سبقها من وقائع شهدها البلدان، لبنان والعراق. احتجاجات تشرينية في كلا البلدين انطلقت في العام 2019، وبموازاتها تصد دموي لهذه الاحتجاجات بلغت ذروتها في العراق، انما لم يسلم المحتجون اللبنانيون منها، فكان أن تولى “حزب الله” أولاً عبر خطب أمينه العام حسن نصرالله دعوة المحتجين للعودة إلى منازلهم ولاحقاً إلى اتهامهم بأنهم “عملاء السفارات”، وتدرج الخطاب إلى أن بلغ ذروته عبر ظاهرة “الشبيحة” الذين أطلقهم الحزب في الشوارع وأقدموا على حرق خيم المحتجين، في وسط بيروت. أما مدن الجنوب اللبناني، لا سيما مدينتي صور والنبطية، فقد شعر كل من “حزب الله” وحركة “أمل” أن ساحات الاحتجاج فيهما هي اعتراض مباشر على سلطتهما، فأذاقا المحتجين (الشيعة) أنواعاً من الاعتداءات استعملت فيها أشكال مختلفة من التهديد ومن الحصار، أبعد على أثرها عدد من الناشطين عن مناطقهم، وتلقى آخرون تهديدات زخرت بها وسائل التواصل الاجتماعي في حينها.

ينشر موقع “درج” على حلقات كتاباً صدر هذا العام (2050) في نيويورك لكاتبه مارك دبوسي، وهو صحفي أميركي من أصل لبناني عاش في بيروت قرابة عشر سنوات.

في هذا الوقت كانت حكومة عادل عبد المهدي في العراق تتفوق على نظيرتها اللبنانية في إسالة الدماء. فانخرط قناصة الفصائل المسلحة الموالية لإيران باستهداف ساحات التظاهر في بغداد وفي مدن الجنوب (الشيعية) بالأسلحة النارية ما أدى إلى مقتل مئات المتظاهرين، وإصابة الآلاف، وترافق ذلك مع ظاهرة اغتيالات استهدفت وجوه ساحات التظاهر، أقدمت عليها مجموعات موالية لإيران جرى توثيق أسماء عناصرها ممن تولوا تنفيذ الاغتيالات، ونادراً ما جرت محاسبتها.

منذ بداية الاحتجاجات في العراق في تشرين الأول/أكتوبر من العام  2019 وحتى مطلع العام 2022 شهد العراق نحو مئة عملية اغتيال أو محاولة اغتيال لناشطين قتل خلالها ثلاثين ناشطاً، عدد من هذه العمليات كانت أشبه بقتل معلن نفذته مجموعات معروفة بعلاقتها بايران وبالفصائل “الولائية”. فالناشط في مدينة كربلاء إيهاب الوزني الذي اغتيل في شهر تموز/يوليو من العام ٢٠٢١ كان سبق أن تعرض لمحاولة اغتيال قتل خلالها زميله فاهم الطائي، وهو اتهم في حينها قائد شرطة المدينة بالتواطؤ مع المنفذين. والصحافي والناشط في مدينة البصرة الذي وصفت عملية قتله في حينها بـ”اغتيال بنكهة مقدسة”، تبين أن قاتله ضابط في جهاز الشرطة اعترف بفعلته!

لقتل الناشطين واستهدافهم في العراق وفي لبنان وظيفة سياسية واضحة، فالسلطة في كلا البلدين شعرت بأن الأرض تهتز تحت أقدامها. فالتشابه في الجريمة يأخذنا الى استحضار جريمة قتل الكاتب والناشر لقمان سليم في سياق استعادتنا لجريمة الباحث العراقي هشام الهاشمي. في العراق هتف المحتجون “بغداد حرة حرة… ايران برا برا”، وحماية النظام في لبنان هي حماية للنفوذ الإيراني فيه. المهمة واحدة في البلدين، مهمة المحتجين ومهمة المتصدين لهم. ناهيك عن تشابه موازِ في التركيبة الطائفية وفي نظامي المحاصصة والفساد. وجاء النفوذ الإيراني ليتوج هذا التشابه عبر اختراقه البنى المذهبية وتأسيسه نفوذاً عبرها.

ولعل أكثر ما أثار مخاوف هذا النفوذ في العراق حقيقة أن انتفاضة تشرين انطلقت في المدن الشيعية، لا سيما مدينتي الناصرية والبصرة، لكن أيضاً مدن العتبات المقدسة في الفرات الأوسط كالنجف وكربلاء، فكان لا بد من إسالة الدماء. وملامح من العنف العراقي شهدها لبنان وان بمنسوب أقل من الدماء، وإذا كان حرس مجلس النواب (ومعظمهم من حركة أمل) قد تولوا فقأ أعين الناشطين برصاصهم في وسط بيروت، فإن ساحات التظاهر في الجنوب شهدت مستويات من الترويع سببها قرار بمنع الشيعة من الانخراط في الاحتجاجات.

وخاتمة تلازم المسارين “العراقي واللبناني” تمثل في الوظيفة التبادلية التي شهدنها عبر تشكيل حكومة عراقية من قوى موالية لإيران لم تفز بالانتخابات، وعبر اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل أعطيت فيه تل أبيب “حقوقاً” ليست لها على ما يؤكد خبراء الحدود.

خسر لبنان من مائه ومن نفطه، وخسر العراق عبر وصول حكومة ضعيفة التمثيل النيابي. وربحت إيران وربحت إسرائيل. لكن هذه المرة جرى ذلك برعاية غربية، فالحاجة إلى النفط والغاز بفعل الحرب في أوكرانيا أشد من الحاجة إلى قيم الحرية والحق بالحياة.