fbpx

فيلم “شرف” لسمير نصر: السجن كصورة مصغرة
عن واقع الأنظمة الاستبدادية العربية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الفيلم أتى ليُعرّي كل مظاهر الفساد والمحسوبية والطبقية والظلم داخل السجن ولكنه في الحقيقة ليس سوى صورة مصغرة لما يحصل خارجه في حياتنا اليومية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أثار فيلم “شرف” للمخرج المصري سمير نصر اهتماماً كبيراً لدى جمهور الدورة 33 من أيام قرطاج السينمائية في تونس بفضل شجاعته في طرح واقع السجون وما يحصل فيها من انتهاكات وفساد واستبداد، وهو ما مكّنه من الحصول على جائزتين في المهرجان: جائزة “التانيت البرونزي” وجائزة أفضل ديكور. وكان من الممكن أن يحصل على التانيت الذهبي لولا أن لجنة التحكيم رأت غير ذلك.

“شرف” فيلم مستوحى من رواية للكاتب المصري صنع الله ابراهيم، وشارك المخرج في كتابة السيناريو، ليخلقا فيلماً قوياً قاتماً يستعرض الواقع المرير داخل السجون العربية الذي يشكّل انعكاساً لما يعيشه المواطن العربي في مجتمعاتنا فيما يمكن أن نسميه “سجن كبير بدون سقف”.  

الفيلم أتى ليُعرّي كل مظاهر الفساد والمحسوبية والطبقية والظلم داخل السجن ولكنه في الحقيقة ليس سوى صورة مصغرة لما يحصل خارجه في حياتنا اليومية.

الفيلم يحكي قصة “شرف” شاب في العشرينات من عمره يجد نفسه وراء القضبان لأنه قتل شخصا أجنبياً في محاولة الدفاع عن شرفه ليبدأ مشواراً جديداً من حياته يكتشف فيه الوجه الحقيقي للواقع المرير للإنسان في مجتمعاتنا العربية الذي تطحنه الأنظمة الإستبدادية الفاسدة وتسدّ أمامه كل الآفاق فلا يبقى أمامه سوى التخلي عن مبادئه وأحلامه ليستطيع العيش.

الفيلم هو صرخة ضد المنظومات الاستبدادية السائدة في عالمنا العربي والتي زادت في حدتها منظومة العولمة التي عمّقت الشرخ بين الطبقات الإجتماعية المرفهة والفقيرة فأفرزت واقعاً هو أشبه بالسجن الكبير الذي يعيش فيه الجميع دون أي بصيص أمل في الخروج منه.

“شرف” الذي تقمّص شخصيته بإتقان الممثل الفلسطيني أحمد المنيراوي يجد نفسه في أول يوم له في السجن أمام تقسيم طبقي أشبه بما يحصل في الواقع بين “السجن الملكي” و”السجن العادي” أو “الشعبي”. فإذا كان السجين ميسور الحال واستطاع أن يجد من يُؤمّن له يومياً من خارج السجن أكله بالإضافة إلى علبتي سجائر، يمكنه عند ذلك أن يختار الذهاب إلى الصنف الأول حيث لا يقوم بأية أعمال ويُعامل معاملة حسنة من الحراس، أما إذا كان من الفقراء ومن عامة الشعب فمصيره الصنف الثاني حيث سيتذوق كل أنواع الذل والتنكيل. ولأن “شرف” هو ابن الطبقة الوسطى التي أنهكتها الأزمات الإقتصادية فلم تعد قادرة على توفير أبسط مقومات العيش، وجد نفسه في الصنف الثاني ليكتشف الحياة المُرّة في أسفل السلم الإجتماعي.

لكن تطوراً ما يحصل له عندما يقبل بعرض مدير السجن بأن يصبح عينه الساهرة داخل الزنزانة، ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في حياة الشاب العشريني ليجد نفسه في زنزانة أشبه بغرفة ضيافة مع طبيب وديبلوماسي وتاجر سيارات. تتحسن أحوال “شرف” في مقابل أن يتخلى عن جزء من مبادئه ويصبح عيناً متجسسة على رفاقه وخاصة الطبيب (فادي أبو سمرة) الذي يجسد دور المفكر الناقد للواقع الفاسد حوله، بعد أن أُلقي به في السجن لأنه ندد بتجاوزات شركة الأدوية العالمية التي كان يعمل فيها.  يتم إقصاء هذا الطبيب عن البقية بوضعه في حبس انفرادي في محاولة للتقليل من تأثيره على المساجين الآخرين، لكنه يظل يصرخ من داخل زنزانته منددا بكل أشكال الفساد والمحسوبية دون أن يجد آذانا صاغية، حيث  يواصل بقية السجناء أنشطتهم وكأن الحقائق الصادمة التي يعريها الطبيب بكلامه عن واقعهم التعيس من تسلط واستبداد وعنف واستغلال لا تعنيهم، في مشهد سريالي يذكرنا بحالة الإنكار التي يعيشها المواطن العربي في ظل واقع قاتم لا يحمل أي أمل في الخلاص. 

إلا أن البقاء في الطبقة المُرفّهة في السجن يحتاج إلى تضحيات أكبر من “شرف” الذي يدرك أخيراً أن العيش “بشرف” في مجتمع السجون الذي يحكمه حراس عنيفون وفاسدون يخدمون منظومات فساد أكبر تُتاجر في المخدرات وقطع السيارات المسروقة، أمر مستحيل، فينتهي به الأمر إلى الإستسلام إلى الواقع ليضمن لنفسه ما يشبه “الحياة الكريمة”.

فيلم” شرف” هو فيلم موغل في الواقعية يخترقك ويحرك كل سواكنك ويطبق بقتامته على أنفاسك كمُشاهد فتشعر بحالة اختناق، وهو بالضبط الإحساس الذي أراد المخرج أن يخلقه لدى الجمهور خاصة بإصراره على المحافظة على حضور الكاميرا داخل السجن من البداية إلى النهاية وكأنه لا مفر منه. ولئن تغيرت أماكن التصوير داخل الحبس ولكنه يبقى الإطار الجامع لكل الشخصيات سواء كانت من السجناء، من الطبقة المرفهة أو الفقيرة، أو من الحراس ومديري السجن. الجميع يتحرك في فضاء واحد لا تحكمه سوى العلاقات الطبقية القائمة على الظلم والعنف والإستبداد والمحسوبية وقانون الغاب. ولا أمل لأحد في الخروج من هذا النظام المستبد. وحتى لو علت بعض الأصوات المعارضة مثل صوت الطبيب فسيتم بسرعة عزلها واسكاتها كي لا تتسرب عدواها إلى الباقين.

الفيلم مقتبس من رواية مصرية، ومع ذلك فقد حمل لهجات عديدة أخرى: تونسية ومغربية وفلسطينية ولبنانية في إشارة واضحة من المخرج إلى أن الواقع الذي يعريه ليس فقط واقعاً مصرياً، كما صوره صاحب الرواية صنع الله إبراهيم، وإنما واقع عربي بامتياز. 

الفيلم هو صرخة ضد المنظومات الاستبدادية السائدة في عالمنا العربي والتي زادت في حدتها منظومة العولمة التي عمّقت الشرخ بين الطبقات الإجتماعية المرفهة والفقيرة فأفرزت واقعاً هو أشبه بالسجن الكبير الذي يعيش فيه الجميع دون أي بصيص أمل في الخروج منه.

عمّار المأمون - كاتب سوري | 20.02.2024

محاكمة جوليان أسانج…كم لوحة لبيكاسو نُحرق كي يطلق سراح مؤسس ويكيليكس؟

يصادف اليوم 20 شباط/ فبراير 2024، الجلسة الأولى من جلسات الاستماع الى جوليان أسانج، الهاكر، الصحافي،ومؤسس ويكيليكس، الذي أسقطت عنه السفارة الإكوادورية عام 2019 حق اللجوء، كي تتم محاكمته في بريطانيا لنقاش ترحيله إلى الولايات المتحدة كونه متهماً بـ"خرق قانون التجسس" و"تهديد الأمن القومي".