“Dubai Bling” : بريق الألماس لا يخفي ظلمة الإمارة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

لاشك أن دبي باتت المدينة العربية الأشهر والأكثر جذباً للباحثين عن فرص عمل وعيش بمن ضاقت بهم بلادهم. ولهذه المدينة وجوه كثيرة وسيكون مجحفاً القول إن Dubai Bling يختزلها، بل يصح القول إن هذا المسلسل بالذات هو أسوأها برغم كل بريقه وجمال نجومه.

شابة ثرية تزور محل مجوهرات، وتنتقي على عجل وكأنها تشتري صنفاً من الفاكهة، عقداً ماسياً بنحو ثلاثة ملايين دولار.

رجل أعمال ثري يوفد طائرته الخاصة لنقل شابة جميلة في موعد غرامي أول.

زوجان يخوضان نقاشاً مصيرياً لأن الخزانة الضخمة في الفيلا التي تحوي خمس غرف نوم والتي يعيش فيها ثلاثة أشخاص فقط غير كافية لملابس وأحذية ومجوهرات الزوجة… 

تفاصيل “واقعية” في سياق بصري مبهر مليئ بالديكورات والرخام والألوان والملابس الباهظة الثمن. لكن الواقعية هنا كلمة مطاطة، فنحن نتحدث عن خصوصيات تشهد عليها كاميرات وأطقم تصوير ومنتجون أنفقوا ملايين الدولارات لنصدق أن ما نراه هو حياة حقيقية لأناس يعيشون بيننا أو على بعد قصرين أو ثلاثة، وأن الدموع التي ذُرِفت في عدد من المشاهد كانت تلقائية. 

لا حاجة لاستعراض أسماء النجوم العشرة الذين جعلونا نقترب في ثماني حلقات من حياتهم الباذخة في دبي على Netflix في مسلسل الدراما الواقعية الجديد “Dubai Bling”، فالنقاش هنا ليس عن الأفراد بقدر ما هو عن السياق الذي جمع هؤلاء وما يحمله من تناقضات ورسائل سامة عن الحياة والمال والمرأة. 

صحيح أن النقاد وعلماء الاجتماع وحتى المعجبون لا يتوقفون أبدًا عن التعبير عن مقت وكراهية ونقد لهذه البرامج، لكن صناع هذا النمط تمكنوا في النهاية من غزو الثقافة السائدة وحصلوا على جائزتهم: انتباهنا.

دراما أهل المال والنفوذ 

لاشك أن النجاح الجماهيري لتلفزيون الواقع في السنوات الماضية غيّر بشكل جذري منظورنا نحو أهل المال والنفوذ، فقد اخترق نجوم الواقع كلّ ركن من أركان صناعة الترفيه في العالم. ساعد هذا النمط الذي غزا الدراما الأميركية بداية في تعميم مفاهيم الجمال المفتعل والقسوة والعداء والسطحية وعدم الولاء، فالنجاحات المتكررة لهذا الإنتاج كرست افتتان أميركا والعالم بنموذج الأثرياء السيئين.

صحيح أن النقاد وعلماء الاجتماع وحتى المعجبون لا يتوقفون أبدًا عن التعبير عن مقت وكراهية ونقد لهذه البرامج، لكن صناع هذا النمط تمكنوا في النهاية من غزو الثقافة السائدة وحصلوا على جائزتهم: انتباهنا.

الآن، نعيش هذا العالم الباذخ المراوغ بدراما عربية وتحديداً من دبي.

يضم Dubai Bling مجموعة من النساء الثريات والناجحات ورجال الأعمال وأفراد من عالم النخبة والمشاهير في الإمارة، تتابعهم الكاميرات أثناء احتفالهم وعيشهم وانخراطهم في الخلافات والتفاخر على الطائرات واليخوت الخاصة.

حياة مليئة بالمال والنميمة والدسائس والكلام المهين والعبارات النمطية والطبقية العنصرية أحياناً كمثل المشهد البائس في استخدام رجل الأعمال الثري لعبارة “أنا لم أكن يوماً موظفاً عند أحد” بكل ما فيها من استعلاء على العمال والموظفين، واستخفاف بمفهوم العمل نفسه.

قوة Dubai Bling ليس في مسارات حياة النجوم وكيفية تحقيقهم ثرواتهم رغم محاولات مستميتة للنفخ في المأساة الشخصية لبعضهم، لكن الدراما هنا هي نمط العيش المليئ بالبريق والسحر والرفاهية وهيرميس وشانيل وفيرساتشي وكارتييه والسيارات باهظة الثمن والمطاعم والمنازل الفخمة. 

ثراء يدفع للقول: هل حقاً يحتاج الإنسان كل هذا؟!

قد يشعر من يعيشون مثلنا في دول عربية شرق أوسطية، يعيش أكثر من ثلثي شعوبها ضائقات اقتصادية وسياسية وأمنية، بالحسد لما يملكه نجوم Dubai Bling من قوة شرائية يعجز عن بلوغ شذرةٍ منها ملايينُ الغارقين في أزمات تكاد لا تنتهي.

صحيح أننا نتحدث عن مسلسل وبإمكان من لا يعجبه هذا المسلسل أو غيره من دراما الواقع الخاصة بالمشاهير والأثرياء أن يشيح وجهه ولا يتابعها. لكن الجدل ليس حول المشاهدة بل عن المفارقة الصارخة في من يقف خلف مثل هكذا انتاج ضخم.

من خلال العيش البراق في Dubai Bling تتسلل عبارات على ألسنة بعض النجوم من نوع “مثلي الأعلى هو الشيخ محمد”، في إشارة إلى حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد. في مشهد آخر، نشاهد النجوم يتسابقون للاحتفال باليوم الوطني السعودي رقصاً وغناء وبملابس خضراء، أما الثريات اللبنانيات الجميلات في المسلسل فاكتفين باختزال هويتهن باضطرارهن إلى الخروج من بلدهن المأزوم والممزق للمجيء إلى بلد الفرص والأحلام والثروة والجمال. 

لاشك أن دبي باتت المدينة العربية الأشهر والأكثر جذباً للباحثين عن فرص عمل وعيش بمن ضاقت بهم بلادهم. ولهذه المدينة وجوه كثيرة وسيكون مجحفاً القول إن Dubai Bling  يختزلها، بل يصح القول إن هذا المسلسل بالذات هو أسوأها برغم كل بريقه وجمال نجومه.

ففي الوقت نفسه الذي كان يُحتفى به بعرض السلسلة كنا نقرأ ما ورد في الـ “صاندي تايمز” في تقرير بعنوان “الوجه المظلم لدبي: نجوم إنستغرام يتاجرن بالجنس لتمويل حياتهن الباذخة”. بحسب التقرير فإن بعض المؤثرات اللاتي يقدمن صورة براقة عن إمارة دبي، يتاجرن بالجنس. وتعلق الصحيفة أن هذه تجارة تختزل الجانب المظلم لصعود دبي المفاجئ كعاصمة للمؤثرين في العالم، من خلال جذب آلاف من المؤثرين الذين أغرقوا منصات التواصل الاجتماعي بالمنشورات التي تحتفي بالإمكانيات الفاخرة والباهرة في الإمارة. وتصور المنشورات عالماً من النوادي الليلية على الشاطئ، وشمبانيا البولينغر والمحار بكميات هائلة، والليالي التي يتم قضاؤها إلى جانب الأثرياء بطريقة خيالية، والذين يضمون الآن آلافاً من الروس الذين تدفقوا على الإمارة منذ بداية الحرب في أوكرانيا. ويرى تقرير الـ”صنداي تايمز” أن إعلام التواصل الاجتماعي أصبح جزءاً أساسياً بشأن الطريقة التي تُقدّم فيها الإمارات للجمهور العالمي. وفرشت الحكومة الإماراتية البساط الأحمر للمؤثرين والمؤثرات، وقدمت الدعم المالي لعدد منهم، ومنحت بعضهم “تأشيرة ذهبية” للإقامة عشرة أعوام قابلة للتجديد. والنتيجة، صورةٌ لدبي كجنة للمستهلكين. 

للمصادفة أيضاً، فقبل أيام تقدمت تينا جوهيانين وهي صديقة فنلندية للشيخة لطيفة ابنة حاكم دبي بشكوى جنائية في ألمانيا ضد نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، ومسؤولين آخرين بدعوى تعرضها لـ”تعذيب وخطف”. وتينا هي من ساعدت لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، في محاولتها الفاشلة للهروب من الإمارات عام 2018 على متن يخت لكن دون جدوى، فقد تم احتجاز اليخت واعادة لطيفة إلى الإمارات التي كانت قضيتها واحدة من ملفات حقوقية تكشف الوجه المظلم للإمارات. 

قضية خطف الشيخة لطيفة ولاحقاً قضية هروب الأميرة هيا الزوجة الأخيرة للشيخ محمد وما تخللها من تفاصيل كشفتها قضية الطلاق التي رفعتها الأميرة هيا في بريطانيا لجهة تهديدات بالقتل واستغلال نفوذ، هي قضايا لا تقال علناً ولا تناقش في الإمارات وحتماً لا “دراما واقعية” تحكي عنها، تماماً كما تغيب قصص اعتقال حقوقيين وسجناء الرأي، فأي انتقاد لأحد أفراد العائلة الحاكمة أو السلطة يواجه بالشجب والاتهام وصولا الى السجن والترحيل. وليس مصادفة أن تكون الإمارات من أكبر المستثمرين في المراقبة الالكترونية للصحافيين والمعارضين والناشطين.

إقرأوا أيضاً:

من دبي الى الرياض ومسخ الترفيه

منذ سنوات ومع صعود نخب جديدة حاكمة في دول الخليج زاد زخم التسابق المحموم على امتلاك زمام الدراما والإنتاج الفني والقبض عليه من قبل أنظمة وتحديداً السعودية والإمارات. 

تمكنت الدولتان الثريتان من تكريس دبي والرياض بوصفهما مركز استقطاب فني بعد أن ثبتتا سيطرتهما على الإعلام السياسي في العقدين الأخيرين.

قبل مدة أعلنت السعودية التي تقدم نفسها كمركز استقطاب فني صاعد أنها خصصت نحو 64 مليار دولار للاستثمار في الترفيه من الآن وحتى حلول 2030، فبدأت إنفاق المليارات لجذب صناع الترفيه من دراما وموسيقى الى الرياض. 

قفزة السعودية نحو الانفتاح ونفض التشدد والتحرر من فتاوى المشايخ تزامنت مع حملة قمع قصوى للناشطات والناشطين والمعارضين شملت اعدامات بالجملة مطلع هذا العام. لكن الفن والترفيه واجهة مضيئة أريد لها أن تُبالغ في البريق فتحجب القمع السياسي والحقوقي. 

هي ثنائية “الانفتاح والترفيه” التي تحاول تمويه قضايا الحقوق والمعارضة السياسية وإزاحتها عن المشهد بوصفها كماليات ليس وقت طرحها الآن، من هنا تبدو الدراما الواقعية التي يقدمها Dubai Bling، وما سيلحقه من انتاجات بعد تسريبات بأن السعودية بصدد انتاج نسخة خاصة بها، هو بمثابة قوة ناعمة في مسار المزيد من السلطة والفساد وإهدار المال باسم الفن. 

نفض إرث الانغلاق والرجعية من دون حريات حقيقية ومن دون مقاربة فنية متحررة من ضغوط السياسة والسلطة لا يزال غير متاح، وكل ما نراه هو  تقليد نماذج غربية لانتاج مسخ ثقافي وفني مبهر بصرياً.

قد لا نتوقف أبدًا عن الرغبة في المال، وما يمكن أن يبدد من قلق بالغ نعيشه على مستقبل اولادنا وبلادنا المأزومة، لكن الأكيد هو أننا نقدّر قيماً مثل حريتنا واحترامنا لذاتنا بنفس القدر الذي نرغب فيه المال والرفاهية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني