fbpx

قمة المناخ: مصر ثالث دولة في العالم
تستهلك لحوماً برازيلية وتساهم في تدمير الغابات!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
أحمد حسن

تشير المعلومات والبيانات التي حصلنا عليها أثناء إعداد هذا التحقيق أن مصر تحتل المركز الثالث عالميا فى استيراد اللحوم البرازيلية بعد هونج كونج والصين، لا سيما أنها تعاني من عجز فى الاستهلاك المحلي من اللحوم الحمراء يصل إلى نحو 40% من إجمالي استهلاك سكانها وتحاول سد تلك الفجوة عبر استيراد اللحوم الحمراء من الخارج عبر عدة دول، تأتي البرازيل على رأسهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يكن يعرف حسام الريس الشاب العشريني المقيم فى الاسكندرية (شمالي مصر) أن تفضيل أسرته لوجبات اللحوم المستوردة – كونها منخفضة السعر التى تصل لنحو نصف أسعار اللحوم البلدية الطازجة التي تتراوح بين 140: 170 جنيه للكيلو – من المحتمل أن تتسبب، بطريقة غير مباشرة، في غرق مدينته الساحلية التى نشأ وتربى فيها ويقطنها الآن نحو 5 ملايين ونصف المليون نسمة.

شاهد حسام مقطع الفيديو الخاص برئيس وزراء بريطانيا الأسبق بوريس جونسون خلال محادثات قمة المناخ (كوب 26)، التي اختُتمت في جلاسكو بنهاية 2021، وهو يتحدث عن احتمالات غرق عدد من المناطق من ضمنهم الاسكندرية فى مصر بسبب التغيرات المناخية وما قد يسببه الاحترار الكربوني من إذابة الجليد القطبي الذي سيزيد بدوره من منسوب المياه التى تهدد غرق بعض المناطق الساحلية، ثم تم الإعلان حول فوز مصر باستضافة النسخة الجديدة من قمة المناخ (كوب 27) بنهاية 2022 .

يعيش الشاب السكندري وأسرته ضمن شريحة محدودي الدخل البالغ عددها 29 مليون شخص في مصر بحسب إحصاء الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لكن أحد المنشورات العابرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أثار انتباهه حول علاقة الطعام وخاصة اللحوم المستوردة من البرازيل بالتغيرات المناخية أو بغرق الاسكندرية، وهو ما دفعه للبحث خلف هذه القضية.

تشير المعلومات والبيانات التي حصلنا عليها أثناء إعداد هذا التحقيق أن مصر تحتل المركز الثالث عالميا فى استيراد اللحوم البرازيلية بعد هونج كونج والصين، لا سيما أنها تعاني من عجز فى الاستهلاك المحلي من اللحوم الحمراء يصل إلى نحو 40% من إجمالي استهلاك سكانها وتحاول سد تلك الفجوة عبر استيراد اللحوم الحمراء من الخارج عبر عدة دول، تأتي البرازيل على رأسهم.

C:\Users\clinic\Desktop\lllldd.JPG

البيانات التى حصلنا عليها من مبادرة (trase) وهي سلسلة توريد وأداة شفافية مالية طورتها Global  Canopy  ومعهد ستوكهولم للبيئة (SEI) لمساعدة الجهات الفاعلة على فحص المخاطر المضمنة في سلاسل توريد المنتجات الناتجة عن تدمير الغابات، تشير إلى احتمالية أن اللحوم المستورد من البرازيل التي تم استهلاكها في مصر مرتبطة على ما يبدو بكميات من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون فى البرازيل الناتجة عن إزالة الغابات في عام 2017 وكان حجمها نحو 6.859 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وفي 2016 كانت 6.355، وفي 2015 كانت 6.355.

وبحسب (trase) فإنه من المحتمل أن يكون قد تم تدمير 15,543,7 هكتارًا من الغابات لتزويد المصريين بلحوم الأبقار فى 2017، وكذلك 17,272,5 هكتارا فى 2017، وفى 2015 كان الرقم 17,458,5 هكتار (ويعادل الهكتار 10,000 متر مربع).

C:\Users\clinic\Desktop\fd.jpg

ويعتمد مربو الثروة الحيوانية في البرازيل على الغابات بصورة رئيسية، خاصة وأن هذه الدولة تستحوذ على 60% من غابات الأمازون المطيرة على أراضي 9 بلدان في أمريكا الجنوبية ووفقاً لمنظمة “غرينبيس”، فيما يرتبط ثلث إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية من قبل مُنتجي اللحوم الذين يقتطعون مساحات ضمن الغابات لتربية مواشيهم والتى يتم تصدير معظمها إلى الخارج وتعتبر مصر ثالث دولة فى ترتيب المستوردين لها.

وتؤدي تلك الغابات عددا من الخدمات البيئية المهمة، مثل عزل الكربون وتخزينه وحماية التنوع البيولوجي، فضلًا عن صيانة النظام البيئي من خلال الأشجار التي تُعد إزالتها أحد أهم مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إلى جانب أنها تعمل كمنطقة عازلة تحمي الأرض من أضرار الرياح والأمواج، وتحول دون تسرُّب المياه المالحة إلى المياه الجوفية، كما تحد من وطأة تغيّر المناخ؛ إذ تحتجز نحو 75 مليار طن من الكربون، وتؤوي العديد من الحيوانات البرية والبحرية، حسبما ذكرت منظمة “غرينبيس”.

يقف حسام حائراً حول مسؤولية ما يجري: هل تقع على عائق المستهلكين من المصريين ذوي المداخيل المنخفضة بأكلهم لمثل تلك اللحوم المستوردة من البرازيل ومصدرها مواشي تم تربيتها بعد تدمير الغابات، أما أن المسؤولية تقع على عاتق حكومة دولته التي لم تحظر استيراد مواد غذائية أو لحوم “لها علاقة بتدمير الغابات” نظراً لكونها رخيصة الثمن!

حصة مصر غير المباشرة

ورغم أن حصة مصر محلياً من انبعاثات ثانى اكسيد الكربون لا تتعدى الـ 0.68% من الإنتاج العالمى، إلا أن “تياجو رايس” أحد مسؤولي مؤسسة “جلوبال كانوبي” بشمال الولايات المتحدة الأمريكية، يشير لـ”معد التحقيق” إلى إحتمالية أن تكون لمصر نصيب من التلوث الحراري الناتج عن إزالة غابات الأمازون البرازيلية لتربية المواشي حتى لو كان ذلك بشكل غير مباشر، لافتاً إلى أنه أمر أخلاقي من المفترض أن تلتزم به كل الدول ومن ضمنهم مصر كثالث مستورد لتلك اللحوم، وعليها أن تجد حلاً وبدائل لذلك، خاصة ومع استضافتها قمة المناخ الجديدة على أرضها.

فى المقابل، يقول أستاذ التغيرات المناخية بمركز البحوث الزراعية في وزارة الزراعة المصرية محمد علي فهيم، إن مصر غير معنية بكُلفة ثاني أكسيد الكربون التى تنتج عن منتجات مستوردة من أى دولة فى العالم، لافتاً إلى أن دول كثيرة رفضت تطبيق ما يُعرف بـ”البصمة الكربونية” (أى كم ثاني أكسيد الكربون الناتج عن أى منتج)، واصفاً تلك البصمة بـ”خراب البيوت للدول” قائلاً إن “الدول لا زالت غير مُلزمة بذلك ولم يتم فرض أى رسوم، ولا زالت جهوداً تطوعية حتى الآن”.

فهيم يضيف أنه على الرغم من أن هناك بعض المتاجر التي بدأت تُلزم الشركات الموردة للمنتجات الغذائية بالتأكد من خلو المنتجات من نسب كربونية محددة، مشدداً على عدم وجود آلية أو قانون يحكم هذه النقطة بالتحديد فى التجارة.

ويلفت فهيم لـ”معد التحقيق” إلى أن مصر مثلها كمثل باقي الدول مُلزمة بالتأكد من متبقيات المبيدات والملوثات والعناصر الثقيلة بالنسب التى تضعها الدول المستوردة للمنتجات المصرية، والعكس فى وارداتنا من الدول الأخرى لا سيما أننا نستورد نحو 35 مليون طن منتجات زراعية على رأسها القمح وفول الصويا.

ويشار فهيم إلى أن الاتحاد الأوروبي والتكتلات الاقتصادية يزعمون أنهم وضعوا استراتيجية أوروبية لما يسمى بـ “الصفر الكربوني” وهو ألا تكون كل الأنشطة والمنتجات متسببة فى الانبعاثات المتسببة في الاحتباس الحراري، من خلال تطبيقها على نفسها و صادراتها ووارداتها. مؤكداً أن تلك المبادرة ربما تمثل خطورة على مصر لأنها تُصدر بنحو 35 مليار دولار لكل الأسواق فى الخارج، مشيراً إلى أن الأسواق الأفريقية مقارنة بأوروبا ضعيفة للغاية.

وحول مسؤولية الدول فى الإلتزام بعدم إزالة الغابات وفقاً لكوب 26، يقول فهيم أن كل دولة التزمت بخفض الانبعاثات الحرارية فيها بمقدار محدد يقل تدريجيا بحلول 2030، لافتاً إلا أن المراقبة لا تتم عبر قياس نسب الكربون في الغلاف الجوي لأنه شبه مستحيل وغير علمي، لكن هناك حسابات واضحة لانبعاثات الطاقة والانتاج الحيواني وغيرها من القطاعات.

ويوضح خبير التغيرات المناخية أن الحل فى تقليل البصمة الكربونية في المنتجات المستوردة من قبل مصر، هو الزيادة فى الإنتاج الحيواني لتقليل الاستيراد من اللحوم، لكنه يلفت إلى أن هناك أزمة كبرى لأن اللحوم المستوردة من البرازيل أرخص بكثير من الإنتاج المحلي في مصر، قد يكون بمقدار النصف على الأقل، لأن البرازيل لديها مراعي وزراعات شاسعة، فيما لدى مصر أزمة فى هذا الشأن وقد يصل سعر أعلاف الماشية إلى أغلى من اللحوم نفسها، لكن يمكن التنويع فى صنوف اللحوم.

وأظهرت دراسة نُشرت خلاصتها في دورية “نيتشر” في منتصف 2020، أن غابات الأمازون لا سيما في جزئها الجنوبي الشرقي، تحولت بسبب التغير المناخي وقطع الأشجار من حوض لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون إلى مصدر لانبعاثات هذا الغاز. وإذا ما استمرت منطقة الأمازون، التي تضم نصف الغابات المدارية في العالم و تختزن في أشجارها وتربتها 450 مليار طن من الكربون، كمصدر دائم للانبعاثات، فإن مواجهة أزمة المناخ العالمية ستصبح أكثر تعقيداً.

وتجدر الإشارة إلى دراسة بحثية صادرة عن مركز الأهرام فى نوفمبر 2021 تحت عنوان “التغيرات المناخية فى مصر: التداعيات وآليات التكيف”، إلى أنه بالرغم من أن مصر بذلت جهوداً ضخمة ومُتكاملة، سواء على مستوى المؤسسات أو السياسات، لمواجهة التحديات المرتبطة بتداعيات التغير المناخي إلا أن هناك حاجة لعدد من الإجراءات المُكملة، خاصة على مستوى البحث العلمي، وتنمية الوعي المجتمعي، وتفعيل دور المجتمع المدني كشريك ضروري في مواجهة هذه التداعيات. 

C:\Users\clinic\Desktop\New folder\hhhh.JPG

تعهد مصر والعالم

في تشرين ثاني/ نوفمبر 2021، اتفق أكثر من 100 زعيم عالمي (كانت مصر ضمن المشاركين) وتعهدوا بإنهاء إزالة الغابات وتجريف التربة بنهاية العقد الحالي، وذلك بدعم من أموال عامة وخاصة حجمها 19 مليار دولار للاستثمار في حماية الغابات واستعادة غطائها النباتي، ومن بين الدول الموقعة البرازيل وروسيا اللتان تُوجه إليهما أصابع الاتهام بسبب تسارع قطع أشجار الغابات على أراضيهما، فضلا عن الولايات المتحدة والصين وأستراليا وفرنسا.

وبحسب الإعلان فإن الإتفاق التمويلي سيغطي غابات تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 21 مليون كيلومتر مربع، فى محاولة لتحقيق هدف حصر الاحترار المناخي عند 1,5 درجة مئوية. وفي إطار الاتفاق، تعهدت 12 دولة بينها بريطانيا بتقديم 12 مليار دولار من الأموال العامة بين 2021 و2025 لمساعدة الدول النامية عبر جهود منها استعادة عافية الأراضي التي تعرضت لانحلال التربة والتصدي لحرائق الغابات، كما سيقدم أكثر من 30 كياناً استثمارياً من القطاع الخاص، ومن بينها أفيفا وشرودرز وأكسا، ما لا يقل عن 5.3 مليار جنيه إسترليني إضافية.

إلى ذلك تعهدت هذه الكيانات، التي تمثل 8.7 تريليون دولار من الأصول المدارة، بوقف الاستثمار في أنشطة متعلقة بإزالة الغابات بحلول 2025.

ما الحل؟

تقول هانا ريشي وهي زميلة في كلية أكسفورد مارتن أنه قد يكون تناول اللحوم مفيدا في بعض الحالات، أنه رغم فائدة اللحوم إلا أنه قد يكون لتناولها أضرار صحية، موضحة أن العديد من الدراسات ربطت الإفراط في تناول اللحوم الحمراء والمعالجة بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والجلطات وأنواع من السرطانات، موضحة أنه قد يكون استبدال هذه اللحوم بلحوم الدجاج خطوة ايجابية في تجنب هذه الأمراض.

ولفتت ريشي إلى أنه سيكون لعملية الاستبدال هذه أثراً إيجابياً بالنسبة للبيئة، فالبقر على وجه الخصوص ليست من أكثر الوسائل كفاءة في تحويل العلف إلى لحم، وأنه مقارنة بالدجاج، البقر أكثر ضررا في مجالات استخدام الماء والأرض والانبعاثات الكربونية بنسبة 3 الى 10 مرات من الدجاج. أما الخنازير، وتأثيرها يقع بين الاثنين.

وتوقعت الباحثة فى أكسفورد أنه يقتضي التوصل إلى مستقبل يسوده استهلاك مستدام للحوم حول العالم إجراء تغييرات جذرية، ليس فقط في أنواع اللحوم المستهلكة بل في كمياتها أيضاً.

وبحسب دراسة نشرتها دورية “إنفيرومنتال ساينس آند تكنولوجي” فإنه بات من الضروري تبني وسيلة جديدة للحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من خلال التحكُّم في استهلاك الطعام ووسائل التخلُّص من مخلفاته، مشددة أن إحلال الدواجن محل ربع إجمالي استهلاك اللحوم يعمل على خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 6%.

وتقدر منظمة Animal Outlook غير الربحية للدفاع عن الحيوانات التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، أن عدم تناول اللحوم ليوم واحد فقط في الأسبوع، يمكن أن يقلل انبعاثات الكربون بمقدار 8 أرطال في اليوم، وتوفير 28 حيواناً برياً و175 مائياً في العام لكل شخص.

وتنصح جدون إيشل، أستاذ الفيزياء البيئية في كلية “بارد”، بأن تتكون الوجبة المثالية من البقوليات والعدس والحمص أو حتى فول الصويا وألا يتم التركيز على اللحوم.

ماذا فعل الاتحاد الأوروبي للحد من إزالة الغابات؟

كشفت المفوضية الأوروبية في تشرين ثاني/ نوفمبر 2021 عن استراتيجيتها لتنفيذ إجراءات الميثاق الأخضر الأوروبي، ووضعت المفوضية لائحة جديدة للحد من إزالة الغابات وهي تقول إن العالم، فقد من عام 1990 إلى عام 2020، 420 مليون هكتار من الغابات وهي مساحة أكبر من الاتحاد الأوروبي.

وترمي الاستراتيجية إلى محاولة الحفاظ على الغابات الضرورية لامتصاص ثاني أكسيد الكربون، وإبطاء ارتفاع الاحتباس الحراري. واقترحت بروكسل حظر استيراد بعض المنتجات، مثل فول الصويا أو لحم البقر أو زيت النخيل، عندما يسهم إنتاجها في التسبب بإزالة الغابات، وهو مشروع أشادت به المنظمات غير الحكومية المدافعة عن البيئة.

ووفقاً للمفوضية الأوروبية، سيؤدي المشروع إلى تقليل ما لا يقل عن 31.9 مليون طن من الانبعاثات كل عام، كما تنوي تصنيف مناطق العالم وفقاً لمستويات نسب أخطار مرتبطة بإزالة الغابات: ستدمج إعلانات المستوردين قاعدة بيانات يمكن للدول الأعضاء الوصول إليها للتحقق من الامتثال للقواعد، مع فرض غرامات على المخالفين تتناسب مع الضرر البيئي.