fbpx

بعد الغزو الروسي لأوكرانيا: موجة من زعزعة الاستقرار تمتد من القوقاز إلى آسيا الوسطى

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

صاحبت ضعف الموقف الروسي في القوقاز وآسيا الوسطى أنباء عن سحب روسيا القوات من قواعدها في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي لإعادة نشرها في أوكرانيا.

شهدت الحالة الأمنية في القوقاز وآسيا الوسطى تصعيداً حاداً في أعمال العنف في أيلول/ سبتمبر من هذا العام. فقد شنت القوات المسلحة الآذربيجانية هجوماً واسعاً على ست اتجاهات مختلفة داخل الأراضي الأرمينية المجاورة في 12 أيلول الماضي. وبعد 48 ساعة من المعارك المكثفة، لقي حوالى 300 شخص مصرعهم (بحسب التقارير الرسمية، أسفرت المعارك عن مقتل 207 جنود أرمن و80 جندياً أذربيجانياً). وخلال الأيام نفسها من 14 إلى 20 أيلول، وعلى بعد نحو 3 آلاف كيلومتر إلى الشرق، اندلعت اشتباكات عنيفة على الحدود بين قيرغيزستان وطاجيكستان، في الركن الجنوبي الشرقي من وادي فرغانة. ولا يزال عدد القتلى محل خلاف، لكن الأرقام الرسمية للضحايا تجاوزت 100 قتيل، في حين تم إجلاء 140 ألف مدني فقط من الجانب القرغيزي من الحدود.

ربط محللون بين اندلاع أعمال العنف في القوقاز وآسيا الوسطى، بحالة الضعف التي تشهدها روسيا بسبب حربها في أوكرانيا. كتب أحد المحللين أنه في حين كانت خطة بوتين الأصلية هي احتلال أوكرانيا وتعزيز النفوذ الروسي في منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي، “فقد  عجلت موسكو بقوة من تراجع نفوذها في جميع أنحاء أوراسيا، بما في ذلك دول الاتحاد السوفياتي السابق في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى”. بل ذهبت المؤرخة الفرنسية مارلين لارويل في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” إلى ما هو أبعد من ذلك، بقولها إن الأمر لا يقتصر على خسارة روسيا نفوذها في منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي، ولكن أيضاً “يبدو أن روسيا لم تعد قادرة على العمل بوصفها ضامناً للأمن الإقليمي للأنظمة المحلية (…)، ومن المؤكد أن الكثير من القوى، وبخاصة الصين وتركيا، سوف تستفيد من ذلك”.

صاحبت ضعف الموقف الروسي في القوقاز وآسيا الوسطى أنباء عن سحب روسيا القوات من قواعدها في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي لإعادة نشرها في أوكرانيا. فعلى سبيل المثال، أفادت بعض التقارير الجديدة في أيلول أن روسيا سحبت حوالى 1500 من الأفراد العسكريين من طاجيكستان وحدها. بعبارة أخرى، نتيجة للحرب المستمرة في أوكرانيا، أصبحت المؤسسة العسكرية الروسية ضعيفة، وبات نفوذها على الأرض أقل كثيراً من ذي قبل.

بعد عقدين من الزمان من العمل بحرص على ترسيخ صورة رسمية للقوة والنزعة المحافظة، مُني بوتين بهزيمة بالفعل في حربه على أوكرانيا.

وفي هذا الصدد، من الضروري توضيح نقطتين: النقطة الأولى هي أن الصراعات في القوقاز وآسيا الوسطى لها تاريخ يتجاوز الغزو الروسي لأوكرانيا. فقد كانت أحدث الاشتباكات في القوقاز هي توابع حرب قره باغ الثانية عام 2020، عندما شنت آذربيجان حرباً جديدة على القوات الأرمنية في إقليم قره باغ وأرمينيا. وعلاوة على ذلك، فإن صراع قره باغ له جذور قديمة في فترة انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد بدأ الصراع عام 1988 عندما طالب السكان الأرمن المحليون بتغيير وضع “منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي”، وهو مطلب تحول إلى حرب شاملة مع حصول أرمينيا وآذربيجان على الاستقلال (1992-1994). وعلى نحو مماثل، وقعت الاشتباكات الحدودية بين قيرغيزستان وطاجيكستان بالفعل في ربيع عام 2021، مجدداً قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا. فضلاً عن ذلك، فقد شهد وادي فرغانة نزاعاً للسيطرة على الموارد الطبيعية مثل الأرض والمياه، ما أدى إلى تصاعد التوترات العرقية بسبب ظهور الحدود الدولية التي يرجع تاريخها إلى أواخر سنوات الاتحاد السوفياتي.

أما النقطة الثانية فهي أن روسيا لم تكن راعية السلام، ولا الجانب الذي يُفضل حل النزاعات. في الواقع، حاولت روسيا الحفاظ على نفوذها من خلال التوازن بين أطراف النزاع،  كما حدث في النزاع بين أرمينيا وأذربيجان. فالوجود العسكري الروسي في أرمينيا لم يمنع أذربيجان من شن حرب قره باغ الثانية. وعندما لم يكن هذا التوازن ممكناً، اختارت روسيا التدخل العسكري المباشر، كما حدث في جورجيا عام 2008. ولكن لا ينبغي لأحد أن يشيطن الدور الروسي في النزاعات التي اندلعت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ إذ إن الجهات الفاعلة المحلية لديها إرادة وتتحمل مسؤولية تحويل التوترات والصراعات السياسية إلى نزاعات مسلحة.

إقرأوا أيضاً:

حرب أوكرانيا ونهاية نموذج بوتين الاستبدادي

من خلال غزو أوكرانيا، أضعف بوتين الأساسين اللذين قام عليهما حكمه الاستبدادي. أحدهما هو استعراض القوة، التي غالباً ما ترتبط بالقوة العسكرية. فقد وعد بوتين بأن يجعل من روسيا قوة عالمية عظمى مرة أخرى وأن يستعيد “احترام” الغرب، لا سيما الولايات المتحدة. وكانت الدعاية الروسية التي ترعاها الدولة موجهة نحو هذا الهدف، فقد نشرت صور الآلات الحربية الجديدة، والعروض العسكرية في الساحة الحمراء، وكذلك العمليات العسكرية الروسية في سوريا كانت ترمي إلى نفس الغرض. بيد أن القادة الروس كانوا مدركين أيضاً تخلفهم عن القوة العسكرية الأميركية، ومن هنا جاء تركيزهم على مبدأ “الحرب الهجينة”. فمن خلال غزو أوكرانيا، قوض بوتين أسس حكمه الاستبدادي.

يقوم أي نظام استبدادي على اتفاق ضمني مع الشعب الذي يحكمه. وفي حالة بوتين، ساهم ذلك في إرساء قواعد “الاستقرار” مقابل الاستيلاء على المجال العام. فقد تسببت سنوات من عدم الاستقرار في ظل حاكمين سابقين، ميخائيل غورباتشوف، وما صاحب حكمه من برامج الإصلاحات الاقتصادية “إعادة الهيكلة” (البيريسترويكا)، وبوريس يلتسن، وما رافق حكمه من فترة انتقالية لا نهاية لها، في شعور الشعب الروسي بالقلق إزاء التغيير. لذا، فقد وعد بوتين بعدم إحداث أي تغيير أو الاستقرار، بما في ذلك إنهاء الإصلاحات الداخلية التي تشتد الحاجة إليها، وفي المقابل كان لزاماً على عامة الناس أن يتحولوا إلى شعب لا يكترث بالسياسة. ومن خلال الحرب التي شنها على أوكرانيا، لا سيما التعبئة الجماهيرية، يقوض بوتين الأساس الثاني من حكمه الاستبدادي.

ثالثاً، يختلف تأثير الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 نوعياً عن الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014. ففي حالة غزو 2014، نجح بوتين في إثارة موجة من الحماس القومي، ما جعل الرأي العام ينسى الانتخابات الرئاسية عام 2012، حيث أصاب تبادل السلطة بين بوتين وميدفيديف، الأمر الذي يشبه لعبة “الكراسي الموسيقية”،  الكثير من الناخبين بالإحباط.

وبعد عقدين من الزمان من العمل بحرص على ترسيخ صورة رسمية للقوة والنزعة المحافظة، مُني بوتين بهزيمة بالفعل في حربه على أوكرانيا. وعلى الرغم من أن المعارضة المدنية داخل روسيا محظورة وتتعرض لقمع شديد، فإن الروس يصوتون بالرحيل: فقد غادر أكثر من 700 ألف روسي البلاد منذ بدء “العملية الخاصة”.

النزاعات المحلية ومنافسة القوى العظمى

من المؤكد أن المغامرة الأوكرانية ستقلل من النفوذ الروسي في القوقاز وآسيا الوسطى: على سبيل المقارنة، في كانون الثاني/ يناير من هذا العام، دعت النخبة الكازاخستانية إلى التدخل العسكري الروسي من أجل وضع حد للانتفاضة الداخلية. بيد أنه منذ الغزو الأوكراني، بدأت النخبة الكازاخستانية في اتخاذ خطوات تنأى بنفسها عن بوتين ومشروعه التوسعي الذي يشكك في سيادة دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، لا سيادة أوكرانيا وحدها.

لقد بدأ غزو أوكرانيا وفشل روسيا يرسم معالم الخلافة في مرحلة ما بعد بوتين. إذ ستخرج روسيا من هذه الأزمة وقد أصبحت أكثر ضعفاً، بسبب جيشها المَكلُوم، وتضاؤل قدرتها ومكانتها عالمياً. علاوة على ذلك، فإن آلة جني المال التي استند إليها بوتين في استقراره، وهي صادرات النفط والغاز، سوف تنخفض إلى حد كبير بسبب العقوبات الغربية. وقد يسعى الجيش الروسي إلى إعادة الانتشار في أعقاب الفشل في أوكرانيا، في حين قد تسعى النخبة السياسية إلى تبني نهج انعزالي متزايد. وبعد بوتين، ستحتاج روسيا إلى استدراك الإصلاحات التي رفض بوتين تنفيذها على مدى عقدين من الزمان.

لا تعني حالة الضعف والانعزالية التي تعاني منها روسيا أن الصراعات في القوقاز أو آسيا الوسطى أو الشرق الأوسط ستجد حلاً أسهل. إذ نشهد بالفعل زيادة حدة منافسة القوى العظمى في منطقة القوقاز، والتي تتزايد أهميتها الاستراتيجية بوصفها ممراً بين الاقتصادات الآسيوية والأسواق الأوروبية. ولا ينبغي لنا أن نتصور أن النفوذ الروسي قد ينحصر في تلك المناطق. حتى روسيا في ظل ما  تعانيه من حالة ضعف ستظل طرفاً مهماً في المناطق المتاخمة جغرافياً لروسيا نفسها.

إقرأوا أيضاً: