fbpx

ماذا يُخبئ بوتين بعد هزيمته المُذلة في خيرسون؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بوتين الذي كان كرر أن خيرسون هي جزء لا يتجزأ من التراب الروسي تعمد التغيب والتخفي بعدما فقد ماء وجهه ولم يتجرأ على حضور لحظة الإعلان عن اتخاذ قرار الانسحاب.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

المعلق الروسي المقرب من الكرملين فلاديمير سولوفيف، اغرق مشاهدي برنامجه في القناة الروسية الرسمية بسبب احلامه وتمنياته التي قصم ظهرها الاوكرانية في ملحمة خيرسون قائلاً بألم، “كنت أريد أن أرى علمنا يرفرف، في سماء كييف في آذار/ مارس”، مضيفاً، “لقد كان الأمر مؤلماً، عندما انسحبت قواتنا من كييف، ومن ثم تشيرنيهيف والآن من خيرسون، لكن هذه هي الحرب، فنحن نحارب الناتو”.

بهذه السردية المثيرة للسخرية تسعى موسكو إلى تبرير هزائمها العسكرية المتواصلة أمام القوات الأوكرانية، متجاهلة بذلك أنها تقر بتفوق الغرب على قواتها وأسلحتها العسكرية، التي ظلت تفخر بما حققته من إنجازات في سوريا. يحاول الكرملين تهدئة غضب الروس وسخطهم من هزيمة بلدهم المذلة، عبر توجيه اللوم للغرب وبالتحديد للولايات المتحدة التي تريد إذلال روسيا كما تقول وسائل إعلام تابعة لبوتين. تدعي روسيا أنها تواجه أميركا، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، والناتو، وتلقي بتبعية خساراتها المُرّة الواحدة تلو الأخرى في ساحات المعارك إلى تدخل الأعداء الخارجيين.

لا يكف الصحافيون والمحللون الناطقون باسم النظام عن تحذير أي فرد روسي أينما كان موقعه من عواقب وخيمة إذا انتقد الجيش الروسي، أو الرئيس، بسبب ما يحصل في أوكرانيا، داعياً الجميع بدلاً من ذلك الى رفع اعلام روسيا عالياً.

 إلا أن التهديد بالسجون والغرامات لمن ينتقد الحكم لم يمنع منتقدي النظام من المثقفين والعامة من نشر تغريدات تدين الانسحاب.

 بوتين الذي كان كرر أن خيرسون هي جزء لا يتجزأ من التراب الروسي تعمد التغيب والتخفي بعدما فقد ماء وجهه ولم يتجرأ على حضور لحظة الإعلان عن اتخاذ قرار الانسحاب، موكلاً هذه المهمة إلى وزير دفاعه سيرغي شويغو وقائد قواته في سوريا الجنرال سيرغي سوروفكين، متذرعاً بالاحتفال في مكان آخر بذكرى 75 عاماً على إنشاء الوكالة الفيدرالية الطبية- البيولوجية.

لا يكف الصحافيون والمحللون الناطقون باسم النظام عن تحذير أي فرد روسي أينما كان موقعه من عواقب وخيمة إذا انتقد الجيش الروسي، أو الرئيس، بسبب ما يحصل في أوكرانيا، داعياً الجميع بدلاً من ذلك الى رفع اعلام روسيا عالياً.

هل صدق أحد في روسيا وفي العالم هذه الذريعة التي بدت أقرب إلى النكتة السمجة، بوتين  يعي جيداً أن شعبه قبل العالم كله، يعرف أنه المسؤول والمذنب الأول عن كل نكسات جيشه وهزائمه في أوكرانيا، ويدرك وبعمق أن هزائم جيشه هي هزائمه قبل كل شيء، وهي كلها تنخر في صورته كقائد حازم وزعيم لا يقهر. 

ماذا تعني خيرسون؟

خيرسون  وفقاً لتوصيف “وول ستريت جورنال”، كانت المدينة الساحلية الرئيسية، والعاصمة الإقليمية الوحيدة التي استولى عليها الروس منذ بدء هجومهم على أوكرانيا، والتي طالما اعتبرها بوتين “بوابة لميكولايف وأوديسا، وللسيطرة على كل ميناء أوكراني على البحر الأسود، وربما كان من المحتمل أن يكون غزو مولدوفا هو التالي”.

تأتي أهمية خيرسون  الأولى في كونها  بوابة لشبه جزيرة القرم، وبالتالي فإن سيطرة الأوكرانيين عليها، ستغريهم بمواصلة المعارك مهما كانت شرسة ومكلفة لاستعادة شبه جزيرة القرم. وتتأتى أهمية خيرسون أيضاً من رمزيتها باعتبارها أول عاصمة إقليمية أوكرانية- والوحيدة- التي يحتلها الروس.

وتتمتع خيرسون بأهمية استراتيجية فائقة، لأنها أولاً ميناء رئيسي، وثانياً نقطة وصل أساسية، بمعنى الطريق الموصل بين الأجزاء التي تسيطر عليها روسيا من دونباس (لوهانسك ودونيتسك) وشبه جزيرة القرم، وهي الممر إلى مدن البحر الأسود الساحلية الواقعة تحت سيطرة أوكرانيا مثل أوديسا. وبالتالي فإن كييف تمتلك الآن خيار تهديد إمداد المياه في شبه جزيرة القرم، والتحكم بها لمدى طويل وجعلها ورقة تفاوضية مركزية عندما تحين فرصة الجلوس على الطاولة مع روسيا والوسطاء الدوليين. كما أن خيرسون تتميز بموقع إستراتيجي تطل منه على بحري آزوف والأسود، كما تقع قرب مصب نهر دنيبرو، وبالتالي فهي تمثل خط إمداد حيوي. ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليون شخص، وتمتد على مساحة 28 ألفاً و500 كيلومتر مربع.

يعكس الانسحاب الروسي أمرين: الأول، التفوق العسكري الأوكراني على روسيا خصوصاً بعد هجوم خاركيف المفاجئ خلال الصيف، والذي أظهر امساك الأوكرانيين بزمام المبادرة، والذي تحقق بفضل تفوقهم العددي وتحسن أدائهم العسكري المضطرد. أما الثاني فيتمثل في انخفاض معنويات الجنود الروس الذين يرى الكثير منهم أنهم ضُحي بهم، وبالتالي لا يريدون القتال.

خسارة روسيا لخيرسون برأي غالبية المحللين “تؤشر إلى مرحلة جديدة  يتحدد من خلالها مستقبل الحرب وربما مصير بوتين نفسه، لا سيما أنه مع جنرالاته باتوا على يقين كامل بأن الأهداف التي أرادوا تحقيقها من هذه الحرب تبدو مستحيلة وفق تقرير لموقع “ذي كونفرسيشن”. وقد توقع الخبير العسكري الفرنسي سيدريك ماس أن الإستراتيجية الروسية واضحة جداً، كونها تنطلق من أن عليهم أن يجتازوا الشتاء بأقل الخسائر، وهو ما يتطلب إجلاء الجنود من المناطق التي قد تتسبب في خسائر فادحة. وبالنسبة إلى الجيش الروسي، فسيكون من الأسهل الدفاع عن الضفة اليسرى لنهر دنيبر، أمام الهجمات الأوكرانية المتواصلة والهادفة إلى الضغط عسكرياً  على روسيا في هذه المنطقة بالتحديد. حتى الآن يسود شبه اتفاق بين المحللين العسكريين وخبراء السياسة الروسية، بأن هناك معركة أخرى «أكثر ذكاءً» يخطط لها سراً الجنرالات الروس الذين يرسلون إشارات «خادعة» تهدف إلى إرباك أعدائهم، ونصب الفخاخ لهم.

تغييرات الاستراتيجيات وضخ البروباغندا المهزوزة 

بعد فشلها في السيطرة على العاصمة كييف وفرض سلطة موالية لها من الدمى الأوكرانية، بدلت روسيا اهدافها وتحولت إلى محاولة ربط إقليم الدونباس بما يسمى “ممر القرم”، سعياً وراء عزل أوكرانيا نهائياً عن البحر الاسود، وجعلها دولة من  دون اطلاله على البحر. 

 تعد الأنهار في الحروب بمثابة حواجز دفاعية طبيعية في الاتجاهين، و يؤدي التخلي عن الأراضي عبر نهردنيبرو إلى إبطاء التقدم الأوكراني، إلا انه  أيضاً يجعل من المستحيل على القوات الروسية التقدم على طول ساحل البحر الأسود، إلا في حالة حدوث تحول دراماتيكي في الحرب لمصلحة روسيا، وهو احتمال بعيد الحدوث.

نجاح كييف إذاً في استعادة خيرسون سيجعل كل الطرق المؤدية إلى شبه جزيرة القرم  تحت مرمى الصواريخ الاوكرانية وبالتالي لن يكون بمقدور القوات الروسية تحقيق أي تقدم عسكري. يحدث ذلك بموازاة تنامي قدرات القوات الأوكرانية على مهاجمة القرم بشكل يفوق عمليتي تفجير جسر القرم، وضرب قاعدة ساكي الجوية في آب/ أغسطس الماضي. هذا فضلاً عن تمكن القيادة العسكرية الاوكرانية من إعادة توزيع ونشر قواتها حول زابوروجيا وإعادة تنظيم ونشر قواتها للتقدم نحو ميليتوبول، ما سيهدد بشكل كبير جزيرة القرم من الشرق. 

تأتي أهمية خيرسون الأولى في كونها  بوابة لشبه جزيرة القرم، وبالتالي فإن سيطرة الأوكرانيين عليها، ستغريهم بمواصلة المعارك مهما كانت شرسة ومكلفة لاستعادة شبه جزيرة القرم.

 يمثل فقدان خيرسون علامة أخرى على الضعف المتزايد في الدائرة الضيقة من المستشارين والاوليغارشيا المقربة من بوتين، والتي أبرزتها سلسلة غير منقطعة من الهزائم العسكرية، لأنه بالنسبة إلى روسيا مثلت السيطرة على خيرسون أمراً محورياً للدفاع عن شبه جزيرة القرم، إضافة إلى كونها بمثابة نقطة انطلاق لعملياتها الهجومية. هذا يفسر تواصل الدعاية الرتيبة والمملة في الميديا الرسمية الروسية وفي ما يرد على لسان صحافيي البلاط القيصري حول “أن الانسحاب هو لخلق مواقع دفاعية افضل”. فالانسحاب جدد بركاناً من الانقسامات داخل اجنحة السلطة الحاكمة، وتجلى في الانتقادات الحادة لصحافيين ومحللين محسوبين على الكرملي، وشخصيات مثل سيرغي بريغوجين المعروف بطباخ بوتين ورئيس الشيشان صديق بوتين المقرب رمضان قاديروف وآخرين. 

الإمبراطورية وعلامات الجشع التجاري

يرى المحللون أن الخلافات داخل المعسكر المؤيد للحرب قد  تعطي بوتين مساحة للتنفس. ولم تخل التعليقات من السخرية، برغم سحق كل الأصوات المعارضة. وتساءل أحدهم على تويتر: “أين تنتهي حدود روسيا؟”، مجيباً: “عند الحدود التي لم تهزم فيها”.

اعتبرت صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير لها عن تطورات الأحداث في خيرسون أن “الانسحاب من خيرسون  من شأنه أن يعزز أوكرانيا وداعميها الغربيين قبل الشتاء، حيث من المتوقع أن تنخفض حدة القتال”. من هنا، فإن تغيير السردية الروسية من الفشل إلى النجاح ليس إلا محاولة يهدف من خلالها بوتين الى تكميم الافواه والأصوات المنتقدة للهزيمة في خيرسون، ما ينبئ بجولات من التدمير المبرمج والعنف ضد المدنيين وضد المراكز السكانية وامدادات الطاقة والمياه والبنى التحتية الاخرى، بغية كسر شوكة المدنيين بعد فشله في لوي عنق القيادتين السياسية والعسكرية. 

ولا يستبعد المحلل في “فورن افيرز” بيتر كليمنت “أن تكون الخطوة الروسية حصلت بمعزل عن شيء ما تحضر له موسكو في المرحلة المقبلة، فلا يعقل أن تقوم بالانسحاب من أراض ضمتها إليها من دون ان تحقق إنجازاً عسكرياً استراتيجياً بديلاً. وتذهب قراءات أخرى إلى أن الانسحاب يرتبط بشكل أساسي بهزيمة الجيش الروسي في حربه على أوكرانيا. وهو الرأي نفسه الذي تتبناه الباحثة في المركز الأوروبي التابع للمجلس الأطلسي ريتشل ريزو بقولها، “إن ما يحدث في خيرسون هو بسبب الأحداث الجيوسياسية والهزيمة الإستراتيجية الكبيرة للجيش الروسي”. وبحسب محرر الشؤون العسكرية في وكالة تاس الروسية فيكتور ليتوفكين، فإن روسيا قدمت فرصة للجيش الأوكراني ليتقدم إلى الجانب الأيمن من نهر دنيبرو، وبالتالي سيكون بإمكان الجيش الروسي وضع افخاخ مميتة للقوات الأوكرانية. وتمسك ليتوفكين بالرواية الروسية القائلة إن القوات الروسية انسحبت من أجل حماية المدنيين في خيرسون خوفاً من أن تغرقهم القوات الأوكرانية بالمياه بقصف متعمد لأحد السدود.

بالعودة إلى الفترة التي تلت ضم شبه جزيرة القرم الى الاتحاد الروسي، كان بوتين اعلن ما سماه “نوفو روسيا”، وهي المنطقة الواقعة شمال البحر الأسود التي كانت ضمتها كاترين العظيمة في القرن الثامن عشر، والتي تضم وفقاً لقوله خاركيف وخيرسون ولوغانسك ودونيتسك وميكولايف وأوديسا، مناطق وصفها الزعيم الروسي آنذاك بأنها “ليست جزءاً من أوكرانيا”. المشكلة أن الأميركيين والأوروبيين لم ينتبهوا الى هذه الكلمات الخطيرة وما تخفيه من معان وآفاق تهدد الكيان الاوروبي بحرب كارثية جديدة اعتقدوا أن حصولها غير وارد، وهو ما كشفته هذه الحرب المخطط لها منذ فترة بعيدة لإنهاء وجود أوكرانيا واعادتها الى الحضن الروسي، بعدما أفلتت منه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

لم تتوقف محاولات روسيا للسيطرة على السلطة في أوكرانيا، فقد فشلت في فرض رجلها الذي كان وصل إلى كرسي الرئاسة في كييف والإطاحة به بعد ثورة الميدان الملونة وفراره الى موسكو.

لدى بوتين الآن خيارات قليلة ولكن الاستمرار في المضي قدماً لجعل هذه الحرب أكبر؛ إما أكبر في أوكرانيا أو أكبر من خلال التقدم خارج حدود أوكرانيا. التصعيد مبني على الوضع الحالي وقد وصلت أوروبا إلى لحظة خطيرة للغاية في تاريخها الحديث.