fbpx

“طه حسين” البصرة:  
استثناء يثبت “تعامي” الدولة عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في العراق يواجه المكفوفون وذوو الاحتياجات الخاصة أو أصحاب الهمم ظروفاً صعبة، بدءاً من حالات التنمر من المجتمع المحيط بهم، وصولاً إلى صعوبات كبيرة في الحصول على عمل.

لم يمنع فقدان البصر، الشاب عصمت البصري، الذي يعيش في محافظة البصرة (جنوب العراق) من تحقيق حلمه بدخول مجال الإعلام، فقد أطلق عليه أصدقاؤه لقب “طه حسين البصرة”، نسبة إلى عميد الأدب العربي المصري، لموهبته الفذة وشغفه في تقديم البرامج الاذاعية وتدريسه مادة اللغة العربية لطلبة مدرسة المكفوفين بتميز، دون أن تقف أي تحديات أمامه وتمنعه من مواصلة مسيرته المهنية أو تقلل من عزيمته.

عصمت (38 سنة)، حاصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة البصرة، لكن شغف الدخول إلى مجال الإعلام رافقه منذ نعومة أظفاره، إلا أنه لم يكن حلماً سهلاً بطبيعة الحال.

لم يحظ البصري بأي اهتمام من المؤسسات الإعلامية في مدينته، لأنه كفيف، لكنه حقق حلمه ليعمل مقدماً للبرامج في إذاعة محلية (إذاعة هنا البصرة)، بعدما وجدوا فيه الموهبة والإرادة، في قراءة الأخبار وتقديم البرامج وطرح المواضيع المهمة.

الموهبة لا تحتاج إلى بصر

 يواظب البصري على طباعة المناهج الدراسية والكتب الثقافية والفنون، بلغة برايل (كتابة بحروف بارزة تمكن المكفوفين من القراءة باستخدام حاسة اللمس)، المخصصة لفاقدي البصر، وعلى نفقته الخاصة، لأن السلطات التربوية غير مهتمة بطباعة المناهج للطلبة المكفوفين في المدينة. كما يرسل بعض الكتب إلى المحتاجين إليها من المكفوفين في بقية مدن العراق، وبالمجان، متحملاً التكاليف بنفسه. 

يقول البصري لـ”درج” إن “موضوع طباعة المناهج الدراسية للطلبة المكفوفين يحتاج إلى جهد دولة ومؤسسات كبيرة، على الحكومة أن تتبنى طباعة هذه المناهج ولكن للأسف الدولة مقصرة في هذا الجانب، لذلك أنا أقوم بهذا الدور وبمفردي، لقد بدأت سابقاً طباعة منهج المرحلة الابتدائية وبدأت الآن بطباعة منهج المرحلة الثانوية. بصراحة أنا لا أستطيع تلبية كل حاجات الطلبة، لأن الطلب على الكتب كبير من مختلف المدن العراقية، كما أن الحاجة إلى الكتب لا تقتصر على المناهج الدراسية بل هناك أيضاً حاجة إلى كتب ثقافية وأدبية وعلمية”.

أما عن شغفه بمجال الاعلام، فيقول البصري: “لقد اكتسبت شغف الإعلام من والدي، كان يتابع بحرص وسائل الإعلام ويستمع إلى الراديو، ومنذ تلك اللحظة، بدأت قصتي مع الإذاعة وتعلقي بالمذياع. واستمر معي هذا الشغف حتى كبرت، بدأت بعد ذلك بتسجيل بعض المقاطع الصوتية وقراءة الاخبار بصوتي في التسعينات، كنت العب دور مقدم البرامج ومذيع للأخبار”.

ويضيف البصري: “عندما وجدت نفسي جاهزاً لدخول مجال الإعلام، زرت عدداً من المؤسسات الإعلامية للتقدم على وظيفة، لم ألق أي تفاعل إيجابي، ودائماً ما كان ينتهي طلب العمل بالرفض غير المباشر. ولكن في الحقيقة، أنا كنت أعرف الأسباب التي تجعلهم يرفضون طلبي، وهو أنني كفيف، بصراحة كانوا يحكمون عليّ بشكل مسبق. يعتقدون أنني غير قادر على العمل، وهذا مفهوم غير صحيح، فقدان البصر لا علاقة له بقدراتي ومواهبي”.

يحظى البصري باهتمام زملائه في العمل ودعمهم لمواصلة عمله، كما يتفاعل معه الناس على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء تقديمه البرامج الخدمية التي تحاكي هموم أبناء بلده ويناقش قضاياهم اليومية.

مدير إذاعة “هنا البصرة” فيصل بنوان يشرح لـ”درج”: “نحن في هذه الإذاعة، نعمل على استقطاب كل الطاقات والمواهب الإعلامية من دون تمييز، لا نركز أبداً على المظهر ولا طريقة اللبس أو اللون، بل نختار من لديه مهنية كافية وقدرة على تقديم البرامج وطرحها، وهذه الصفات وجدناها لدى عصمت البصري”.

 ذوو الحاجات الخاصة والقانون

لعل قصة البصري هي قصة نجاح من بين الآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي يعانون ظروفاً صعبة في الحصول على العمل أو إكمال تعليمهم بسهولة. وقد نص “قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة” العراقي، على إيجاد فرصِ عمل لهم في دوائر الدولة والقطاع العام والمختلط والخاص، لكن هذه القوانين لا تختلف كثيراً عن القوانين الأخرى التي كفلت حق العيش والعمل والحياة الكريمة لشرائح المجتمع، دون أن تجد طريقاً للتطبيق على أرض الواقع بسبب الفساد وانشغال السياسيين والأحزاب الحاكمة في مصالحهم الخاصة.

ويواجه المكفوفون وذوو الاحتياجات الخاصة أو أصحاب الهمم ظروفاً صعبة، بدءاً من حالات التنمر من المجتمع المحيط بهم، وصولاً إلى صعوبات كبيرة في الحصول على عمل، مهما بلغ مستواهم التعليمي وكفاءتهم المهنية، فالقوانين لا تجبر القطاع الخاص على تخصيص نسبة معينة من الوظائف لذوي الحاجات الخاصة، وبالتالي يخضع الأمر لمزاج أصحاب العمل، فيما ينتظر آلاف الشبان والشابات لسنوات الحصول على فرصة. 

إقرأوا أيضاً:

معاناة وتحديات

عانى الشاب عباس عدنان (32 سنة) يسكن محافظة البصرة (جنوب العراق)، كثيراً في البحث عن عمل بعد تخرجه من معهد المعلمين في البصرة، بعدما أصيب بشظية قذيفة هاون سقطت بقربه، أطلقتها إحدى ميليشيات خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لتستقر في جسده، وتقعده على كرسي متحرك.

قطع عدنان مشواراً طويل من الألم والتفكير بإصابته وبكيف سيكمل بقية حياته، ففكر بالبحث عن عمل ينسيه والتركيز على طموحه في مهنة التعليم.  

يقول عدنان: “لقد تعرضت للتنمر كثيراً طوال فترة بحثي عن العمل، البعض قال لي: أنصحك بلا تبحث عن العمل وأنت تعيش في العراق، المدارس العراقية غير مؤهلة لذوي الاحتياجات الخاصة وعليك التفكير بعمل آخر أو أن تمارس الهواية التي تريدها وتشغلك عن وضعك الصحي. واصلت تقديم طلبات العمل، وكان الرد واحداً، الرفض والتأسف، وذلك بسبب إعاقتي”. 

لم يستسلم عدنان أمام الصعوبات التي مرّ بها، إذ فتح ورشة عمل صغيرة في منزله للأعمال الفنية (الانتيكات) الخشبية المصغرة، ويشعر بأنه حقق شيئاً مهماً، على رغم أن شغفه في التعليم ما زال قوياً. حالة عدنان تشبه آلاف الحالات غيره، من دون مساعدة أحد، أو دعم أو رعاية حكومية لهم.

“رسالتي إلى جميع الناس، وخصوصاً ممن لديهم مواهب وطاقات إبداعية، أقول لهم، إنكم قادرون على تحقيق كل شيء، الأبواب تتسع الجميع، وإذا أغلق باب أمامك فهناك مئات الأبواب تنتظرك، لا تتوقف كثيراً عند التعليقات السلبية ولا تستمع لهؤلاء الذين يقلّلون من عزيمتك” يقول البصري، فاتحاً كوّة صغيرة من الأمل في جدار اليأس الصلد.

إقرأوا أيضاً: