fbpx

في أننا اخترنا أن نكون بنات بيرسيفوني يا سولرس…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نسويات اليوم يختلفن عن نسويات الستينات. ونسويات الغد لن يكنّ كاللواتي ينشطن اليوم. لكل عصر نسوياته، أما العنف والاضطهاد فيبقيان في شكل واحد يرمي إلى الاستئثار بالسلطة مهما كان الثمن.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“لا تتحدثوا معهن عن الجنس، هذا الشيء المبتذل من العالم القديم. تدثروا ببرودهن الرائع. بنات بيرسيفوني يرتعبن من الابتذال، وان كنّ فاجرات عند الضرورة”. 

هذا مقطع من كتاب “رغبة” للكاتب الفرنسي المعاصر فيليب سولرس الصادر عن دار “الرافدين” بترجمته العربية. 

“رغبة” هي رواية خيالية عن حياة الفيلسوف الفرنسي المتنور لوي كلود دو سان مارتان (1743- 1803) المعروف بالفيلسوف المجهول وهو كاتب “انسان الرغبة” و”وظيفة الإنسان-الروح”. 

أراد الكاتب من خلال “رغبة” أن يروي حياة الفيلسوف وما قد تكون عليه في أوقات لم يعشها، متطرقاً إلى الثورات الفرنسية والموجات النسوية وصعود الذكاء الاصطناعي مضمّناً الرواية رأيه بـ”العالم الجديد الذي بدأ يرى النور”.

لماذا يحتج سوليرس على “العالم الجديد” الذي يكتب عنه؟ 

يسمي سولرس هذا العالم “العالم المضاد للرغبة” الذي صعد مع الحركات النسوية التي اعتبرها قاتلة للرغبة الجنسية لأنها تحارب العنف. المفارقة أن الكاتب يعتبر أن الأمر بدأ مع السينما الأميركية، وسوليرس يعتبر العنف جزءاً طبيعيا في العلاقة بين الرجل والمرأة التي عليها أن تتقبّله متسائلاً بتهكّم: “لماذا يتحدثن الآن؟ هل هو انهيار النظام الأبوي في المجتمع؟ هل هو التمكن من الإنجاب التقني؟ أم الاكتشاف المتأخر للاختلاف الجنسي؟ لا شك، لا شك. في أي حال، ثمة عالم جديد بدأ يرى النور، هو عالم الرغبة المضادة”. 

بالنسبة لسوليرس، ليست مصادفة أن يتزامن الاحتباس الحراري مع صعود الموجات النسوية والتطور العلمي. العلاقة بين العلم والاحتباس الحراري واضحة. لكن سوليرس يربط التطور العلمي بظهور الحركات النسوية لسماح العلم بالانجاب دون الاعتماد على شريك. بذلك، تحررت النساء من حلم الأمومة وأصبحن قادرات على رفض الشريك فيقول: “لقد بدأ عهد البويضات. تكمن المشكلة في ايجاد عدد كاف من الحيوانات المنوية التي تتناقص كل يوم، والتي أصبحت جودتها كما يبدو، موضع شك  أكثر من أي وقت مضى”.  

بهذه الجملة الأخيرة، يحتج سوليرس على صعود الموجات الداعمة للمثلية كما  يفعل بمرات كثيرة في كتابه. ويعتبر أن النسويات تدعمن الموجات الداعمة للمثلية لأن المثليين يرضون أن يتقاسموا السلطة مع النساء. نعم، أصبح رفض تقاسم السلطة أمرا طبيعيا في هذا النموذج من الأدب الفرنسي المعاصر. أما عن الرجال المغايرين جنسيا، فيدعوهم سوليرس بأن يأملوا أن يرزقوا بابنة “لا صبياً سيتحمل الكثير في عالم المستقبل غير القابل للعيش”. وهي وجهة نظر تنتشر كثيرا اليوم في العالم الذي يرى أنه يجب أن نطالب بحقوق الرجل. 

 كما يحتج سوليرس على “المثل النسوية الصاعدة” وعلى حركات مثل “مي تو” و”فيمن” التي كشفت عن “طبيعة السلوك المزدري للمرأة” باعتقاده. بما أنها كانت موجات الكترونية تحدثت النساء خلالها عن تجاربهن  مع التحرش والعنف والاغتصاب. أهمية هذه الموجات أنها نزعت قدسية الكثير من الرجال الذين قدسوا لنجاحهم في مجالات عديدة مثل الكاتب الفرنسي غابرييل ماتزينيف والمنتج الأميريكي هارفي واينستاين والمخرج وودي الن والمغني الأميريكي كريس براون  وممثلين كبن أفليك ومورغان فريمان. 

يسمي سولرس هذا العالم “العالم المضاد للرغبة” الذي صعد مع الحركات النسوية التي اعتبرها قاتلة للرغبة الجنسية لأنها تحارب العنف.

سوليرس الذي يتغنى في كتابه بكتابات الايطالي الماركيه دو ساد الذي اشتهر بكتاباته الاباحية المفتوحة على العنف، يرفض حركات البوح عن العنف وفضح المتحرشين والمغتصبين. ويرى بالحركات التي سمحت بالبوح للكثير من النساء أن “وحدهم الضحايا يحق لهم أن يتكلموا”. مقارناً الحركات النسوية بحركات التحرر من العبودية ومتوقعا فشلها: “فشل العبيد لأنهم كانوا دائما على حق”. يدور ذلك في فلك الدفاع عن الرغبة و”الحاجة لصيانة الرغبة ليكون التنوير عملاً يومياً”. لكن، عن رغبة من يتحدث سوليرس؟ وكيف تسير الرغبة في عالمه المتخيل والخاص؟ 

في موجات الذكورية التي تعاود صعودها بشراسة، يصعب تخيل رغبة نسائية. كما يصعب تخيل أي رغبة أو اشباع لها ان لم يكن هدفها إشباع الرغبة الذكورية. خاصة أننا لسنا بصدد مناقشة كتاب نشر في وقت اعتبر فيه العنف طبيعياً. بل، نحن أمام عمل روائي، لا يخلو من الخيال والفن، كتب حديثاً ويعد من الأعمال المطبّعة مع العنف والتي تحثنا، كنساء،على القبول به. وتحث الرجال الى تبنيه كي لا يفقدوا السلطة. لكن، ألا تقتصر الرغبة على توقع المتعة كما كتب لوي أراغون وذكرها سوليرس في كتابه؟

المفارقة أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين آراء سوليرس وأي رأي ذكوري آخر في أيامنا هذه. وأعتقد أن تلك قوة الموجة الذكورية الحالية: اتفاق المبشرين بها على أسس وقيم ينشرونها. بينما النسوية كانت لكل عصر. نسويات اليوم يختلفن عن نسويات الستينات. ونسويات الغد لن يكنّ كاللواتي ينشطن اليوم. لكل عصر نسوياته، أما العنف والاضطهاد فيبقيان في شكل واحد يرمي إلى الاستئثار بالسلطة مهما كان الثمن. 

تبرز وجوه الشبه هذه في محطات عديدة من الكتاب. منها اختراع الكاتب لشخصية مسماة “نو فالور”، أي “قيمنا” بالفرنسية، مفرقاً بين قيم يعتبرها له أو للمجتمع الفرنسي والقيم التي اجتاحته. أهمية “نو فالور” تكمن بأنه يميز بين القيم العاقلة والقيم العقلانية لأنه “لطالما أظلمت الأيديولوجيات المريبة أو المجرمة المناخ العام”. تذكرنا هذه المقاربة بادعاءات تعتبر النسوية قيماً اجتاحت مجتمعاتنا بينما نحن غير مهيئين لها. كأن قيم العدالة والمساواة لا مكان أو حاجة لها في مجتمعاتنا. أو كأنها تنبع  من جهة واحدة فقط ولا يجب أن تعمّم. 

لا يمكننا الحكم  على جميع أعمال سوليرس من مقاربته لموضوع المرأة وحسب. لكن علينا جميعنا واجب أخلاقي بتعليم أعماله وأعمال غيره من منظار نسوي كيلا يمجد المعنفون والمدافعون عن العنف. اليوم، يجب أن نعترف أن فيليب سوليرس يعد من أهم روائيي فرنسا. بل انه أيضا كاتب وباحث وناقد أسس مجلتي “تل كل” و “لينفيني” اللتين تستهويان الكثير من القراء. حتى أنه من السذاجة أن نتفاجأ من صدور هذه الاراء الذكورية عن شخص وقّع في كانون الثاني سنة 1977 بيانا يدافع عن البيدوفيليا نشر في صحيفتي “لوموند” و”ليبراسيون” الفرنسيتين. 

يحدث كل هذا بلا رادع تحت شعار حرية التعبير. وهو مبدأ لم تناد النسويات يوماً بالغائه، لذلك اختار أن أعبّر أيضاً بوجه التعبير الرائج حاليا. وأختار أنا وأخريات مثلي أن نكون بنات بيرسيفوني، الهة الجحيم عند اليونانيين. لا نخجل لتبنّينا هوية ينظر إليها الرجل الأبيض بازدراء. لا يهمنا أن نلبي رغبته طالما تتناقض مع رغبتنا. نرفض أن نكون وسيلة طالما لا نرضى عن الغاية. طالما الرغبة ليست لنا وطالما أن رجالاً معربدين أمثال سوليرس يتهموننا بتلبية الرغبة فقط لأسباب مادية. 

قد يكون عالم جديد بصدد الولادة فعلاً، لكن ذلك لا ينفي تخييم ظلام العالم القديم على مستقبل العالم الجديد الذي يكافح كي يرى النور.