fbpx

الصين اليوم: درس في السلطوية … أو بالأحرى محدوديتها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الطغيان الصيني هذا حلم كل حاكم أوتوقراطي في العالم، لكن من جهة أخرى واجهت هذه السطوة العاتية اختباراً قاسياً تحدى فاعليتها ولو لبضعة أيام

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

حيث كانت تبدو مستحيلة؛ تجمعت تظاهراتٌ تطالب بالإطاحة بالرئيس الصيني، بل وبسلطة الحزب الشيوعي الحاكم وانفراده بالسلطة، في طول البلاد وعرضها. صحيح يبدو أن الأمور عادت إلى الهدوء بسرعة، لكن الظاهرة لا يستهان بها. يصعب التفوق على التقليد الصيني العتيق في السيطرة والتحكم إذ لهذه السطوة جذور في ثقافةٍ تسبق الحكم الشيوعي بقرون. تحت حكم أباطرة قدامى كان سكان المدن ممنوعون من ترك أحيائهم ليلاً وكان السفرُ بين أقاليم البلاد يتطلب تصريحاً، و، مثلاً لا حصراً، حينما بنى أحد هؤلاء الأباطرة سوراً لعاصمته أمر أن يحمل كل  قالبٍ من القرميد اسم صانعها ليحاسبه إن كان بها عيب. فما بالك بتقليدٍ كهذا إن تمكن من آليات الدولة الحديثة ثم اختلط بمنطق الحزب الواحد؟

وسائل الإتصال الأكثر حداثة التي تسبب صداعاً لا ينتهي للأنظمة السلطوية حول العالم وظفتها السلطة القائمة في الصين كأدة مراقبة بدلاً من مساحةٍ للتململ ناهيك عن التمرد؛ مقابل فيسبوك وغيره من وسائل التواصل قدمت الحكومة الصينية مواقع تتحكم هي فيها وتستطيع مراقبتها. يصاحب ذلك كله قدرة هائلة على القمع الجماعي عزّ نظيرُها. أي حكومة في العالم اليوم قادرةٌ على ما تفعله الحكومة الصينية مع المسلمين الأويغور؟ و نحن هنا لا نتحدث فقط عن بشاعة القمع وسطوته، لكن أيضاً عن قدرة تنظيمية تضع الملايين في معسكرات اعتقال. علماً أن هذا القدر من القهر ليس جديداً. قبل عشرات السنين غزت الصين الشيوعية التيبت وضمته قسراً لسيطرتها و ابتدعت طرقاً مختلفة للسيطرة على ديانته البوذية ومؤساساتها ووأد سلطة الدلاي لاما ، من ثم نقرأ روايات عن بشاعات لا حصر لها ارتكبتها السلطات الصينية بحق أهل التيبت. وفي أواخر التسعينيات كان قمع الحكومة الشيوعية لحركة فالونج جونج حديث الساعة. لا شيء جديد إذاً فيما يجري مع الأويغور المسلمين، لكن جديدٌ تماماً أن تشتعل مظاهراتٌ فجأة عبر مدن صينية عديدة بشكل متزامن.

 كيف استقام الأمر سياسياً: حزب شيوعي يحكم قبضته دون شيوعية؟ ثمن الولاء كان نمواً اقتصادياً هائلاً انتشل مئات الملايين من الفقر بل وخلق طبقات واسعة من الميسورين والأثرياء في هذا البلد الضخم.

من جهة، الطغيان الصيني هذا حلم كل حاكم أوتوقراطي في العالم، لكن من جهة أخرى واجهت هذه السطوة العاتية اختباراً قاسياً تحدى فاعليتها ولو لبضعة أيام حينما دفعت اجراءات الحظر الصحي العنيفة بسبب كوفيد 19 الناس إلى الشوارع. لافتٌ أيضاً أن فتيل الأزمة كان حريقاً في مبنى في أورومشي، قلب بلاد الأويغور في  غرب الصين، لكن بدلاً من عدم الاكتراث، أشعل هذا الحريق موجة الاحتجاحات، إذ ساد اعتقادٌ أن حالة الحظر الصحي الممتدة هي التي عطلت إجراءات الإطفاء وأهدرت أرواحاً كان من الممكن إنقاذها. 

ربما  من سوء حظ الرئيس الحالي شي جين بينج أن يتوفى بعد أقل من أسبوع على هذه المظاهرات جيان زيمين، أحد قادة الصين في التسعينيات (الرئيس من 1993 حتى 2003) وأحد مهندسي التحول إلى الرأسمالية فعلاً مع الاحتفاظ بالشيوعية اسماً؛ وربما هنا تحديداً يكمن أصل الأزمة الحالية. زيمين الملقب بـ”الضفدع”، مثّل ذكرى أخافت الرئيس الحالي، فعلى الرغم من أن زيمين دعّم سلطوية الحزب الشيوعي وانفراده بالحكم، إلا أن سلطة الرجل اقترنت بانفتاحٍ نسبي يفتقده الصينيون اليوم، أيضا تزامن عهده مع نموٍ اقتصاديٍ هائل. إن أردت مؤشراً على مدى سلطوية منظومة الحكم القائمة في الصين اليوم وخوفها من أي نقدٍ ولو مبطن، عليك أن تنظر إلى ما تبع وفاة جيان زيمين دون غيرها. فعلى الرغم من سيطرة آلة الحزب الشيوعي على وسائل التواصل على الإنترنت إلا أنها عجت سريعاً بملايين الرسائل التي تنعي الراحل وتمدحه دون أن تسميه، مشيرة إليه بلقبه: “الضفدع”. وعلى الرغم من أن الأمر كان تلميحاً لا تصريحاً، إلا أن السلطات تلهث وراء كل إشارة فيها ولو نقد مبطن للوضع الحالي لمحوها من الفضاء الإلكتروني. أبعد من ذلك، وبينما نعت قيادة الحزب الراحل ومدحته محاولةً توظيف موته سياسياً، إلا أنها في الوقت نفسه، حسبما نقرأ، في قلق شديد من أن ينقلب أي تجمع لتأبينه إلى حراكٍ ضد الوضع القائم. و في التاريخ أمثلة سابقة. في العام 1989 توفي فجأة  هو ياو بانج، أحد كبار مسؤولي الحزب الشيوعي الذي حظي بشعبيةٍ واسعة، مراسم تأبينه شهدت ولادة الحراك الذي أدى إلى تظاهرات يتان مين الشهيرة في العام نفسه والتي أنهاها الجيش بقمعٍ بالغ الدموية. 

جيان زيمين مثل انفتاحاً نسبياً ووعداً بالنمو، اليوم يعيش الصينيون عكس ذلك، شي جين بينج (الرئيس منذ 2013)  أوتوقراطي أعاد الصين فيما يبدو إلى حكم الفرد الواحد الذي تركته منذ عقود، وحكمه يرتبط بإغلاقٍ متزايد للمجال العام، لكن هذا لا يفسر وحده الأزمة السياسية الحالية. بُعيد وفاة ماو زي دونج، القائد الشيوعي الأسطوري، عام 1976 شهد الحزب الشيوعي تحولاتٍ، كانت عاصفةٍ أحياناً، للخروج من إرث ماو الإقتصادي، ما نتج عنه الانفتاح التدريجي على إتاحة المجال للاستثمار الخاص ثم التوسع فيه وصولاً إلى استصدار قوانين تقر وتحمي الملكية الخاصة، في انقلابٍ كامل على شيوعية ماو. لكن كيف استقام الأمر سياسياً: حزب شيوعي يحكم قبضته دون شيوعية؟ ثمن الولاء كان نمواً اقتصادياً هائلاً انتشل مئات الملايين من الفقر بل وخلق طبقات واسعة من الميسورين والأثرياء في هذا البلد الضخم. 

هذا العقد الأساس يبدو اليوم مهدداً، فبينما واجه نمو الصين الاقتصادي السريع تباطؤاً أحياناً إلا أنه اليوم، وبعد ثلاث سنوات من إغلاق مستمر أحياناً ومتقطع أحياناً بسبب وباء  كوفيد19 يهدده خطرُ الإنكماش؛ بديهي إذاً أن يغلي الشارع.

التظاهرات هنا اندلعت بشكلٍ عفوي، و كذلك وسائل التعبير عن الاحتجاج في وجه القمع الشديد.  مثلاً لا حصراً، حمل محتجون ورقة بيضاء، في إشارة لمسح السلطات لكل احتجاجٍ من الفضاء الإلكتروني: الورقة خالية لكن الرسالة  وصلت بوضوح. نموذج الإشارة لـ”الضفدع”، يتكرر إذاً بصورٍ مختلفة، وبينما قد تختلف تفاصيل رغبات المحتجين، لكن يجمعهم التعبير عن التذمر وصولاً إلى المطالبة بإسقاط حكم الحزب الشيوعي. يبدو أن شي جين بينج يعتقد أن بمقدوره الحكم منفرداً كما حكم ماو بين آخر أربعينات ومنتصف سبعينات القرن الماضي. لكن هذا كان زمناً آخر ، سياسة ماو التي أطلق عليها “القفزة العظيمة” قتلت جوعاً عشرات الملايين من الصينين في الريف، ثورته الثقافية كانت غلواً شيوعياً كلف الصين الكثير، ومع ذلك مات الرجل على رأس السلطة، لكن هذا كان بلداً جل سكانه من الفلاحين، مدنه أصغر وأفقر بما لا يقاس، والأهم، مستوى تعليمه أقل بقدرٍ هائل. 

جزء أساس من نهضة الصين الاقتصادية شديدة السرعة اعتمدت على تطوير سريع وفعال للمنظومةٍ التعليمية ما يعني مواطنين مختلفين عمن حكمهم الحزب الشيوعي قبل ستة أو سبعة عقود، أضف إلى ذلك كله، خواء فكرة الشيوعية التي حكم بها ماو وإن بقيت إلى اليوم اسماً بلا دلالةٍ حقيقية. صحيح، لا مؤشر أن منظومة السيطرة  العاتية القائمة قيد السقوط، لكن واضحٌ تماماً أي درسٍ تعطينا: هناك حدودٌ لفاعلية القمع كأداة لحفظ أي وضع سياسي قائم، أو بالأحرى لإمكانية إحلاله مكان السياسة، حتى أكثر الديكتاتوريات عتواً تحتاج لبناء تحالف طوعي مع قطاع فعالٍ من المحكومين، لا استمرار لحكم بلا شرعية، ولا شرعية في حدها الأدنى، من دون نفع عامٍ أو وعدٍ مقبول بالنفع، وهذا الأخير، في بلدٍ حقق قفزة اقتصادية هائلة، لم يعد من السهل إرضاؤه ولا كبت التململ بسبب غيابه.