fbpx

“على الأقل نُدفن هناك مجاناً”: 
لاجئون سوريون يجبرون على العودة من لبنان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

منذ بدء الحكومة اللبنانية بخطة العودة الطوعية لم تكشف بشكل واضح عن الإجراءات المعتمدة، لا نعرف الكثير عمّا يجري ولا يوجد متابعات إعلامية مباشرة، فما الذي يحدث بالضبط؟ هل ينتقل السوريون من جحيمٍ إلى آخر؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بتاريخ 1 من آذار/ مارس الماضي، اعتقل الأمن اللبناني أحد اللاجئين السوريين  بسبب إشكال جماعي لا دخل له به، نُقل بعدها إلى مخفر بعلبك، ثم نقله الأمن إلى مخفر العدلية في المدينة وذلك بتاريخ 20 من آذار/ مارس نفسه، لحين انتهاء التحقيق وتمت تبرئته في القضية. وبتاريخ 25 من أيار/ مايو الماضي، تم تحويل الموقوف إلى الأمن العام في بعلبك على أن يتم إخلاء سبيله من هناك، وبعد ثلاثة أيام تم ترحيله إلى سوريا، وتم تسليمه إلى الجانب السوري.

لماذا قد يعود لاجئ إلى سوريا؟

لم تنتهِ قصة الموقوف هنا، فعلى الرغم من أنه أخبر الأمن العام اللبناني بمرضه، إذ أنه لا يمتلك إلا كلية واحدة ورفض ترحيله إلى سوريا، لكنهم أُجبروه على ذلك. في الوقت الحالي يخدم مرغماً في صفوف الجيش السوري في منطقة حمص، ويعاني من سوء المعاملة وغياب العناية الطبية اللازمة.

هذه قصة صغيرة وردت في  تقرير صدر عن مركز “وصول” لحقوق الإنسان، بعنوان “العودة الطوعية القسرية للاجئين السوريين من لبنان”. وإن لم يمتلك الشاب المعني اسماً في القصة إلا أن قصته تختصر ما ينتظر آلاف اللاجئين السوريين في بلادهم.

فاطمة لديها قصة أخرى، وهي واحدة من ثلاث شهادات أوردها التقرير. ستعود إلى سوريا، إذ أنها عاجزة عن رعاية زوجها المصاب بجلطة دماغية بعد وفاة ابنائه، وبخاصة أنه وبعد الأزمة الاقتصادية في لبنان لم تعد قادرة على تأمين أدويته والكثير من الجمعيات “ترفض المساعدة بحجة عدم وجود التمويل”، بحسب الأجوبة التي تصل إلى فاطمة من قبل العاملين في الجمعيات، في ظل مساعدة لا تذكر ما تزال تصل من قبل مفوضية اللاجئين، تقدم كلّ ثلاثة أشهر، لكنها غير منتظمة ومتقطعة، تقول فاطمة: “لم يعُد لدينا خيار للعيش هنا (لبنان)، نموت هنا ونموت في سوريا، ولكن على الأقل فإننا نُدفن هناك مجاناً”.

قصة الضحية الأول وقصة فاطمة تدفعاننا للتساؤل: “هل يريد السوريون حقاً العودة؟”، وبخاصة أن القصة التي يقدمها الجانب الرسمي اللبناني  للعودة الطوعية ترتكز على أمرين، أولوهما الاستقرار الأمني المفترض في الجانب السوري، وثانيهما رغبة اللاجئين بالعودة، ويبدو الأمر صادماً، أن نشاهد لاجئين يعودون على الرغم من كل المخاطر وعدم وجود شيء يعودون إليه في بلادهم. في تقرير مركز ACHR  يمكن تتبع العديد من  النقاط الاساسية التي تدفع اللاجئين إلى العودة، يذكر التقرير أن هناك عوامل متنوعة تؤثر في القرارات التي يتخذها اللاجئون، لكن هذه القرارات لا تعبّر عن الرغبة الحقيقية لدى اللاجئين، بمعنى أنه، إذا امتلك اللاجئون بالفعل الخيار الحقيقي لما فكروا بالعودة إلى سوريا.

كيف تجبرُ لاجئاً على الرحيل؟

يتعرض اللاجئون السوريون بشكل أساسي، منذ ان بدأت الحكومة السورية في إعادة بسط سيطرتها على معظم مناطق البلاد، عام 2016  إلى ضغوطات متزايدة بهدف إجبارهم على العودة من البلدان المجاورة، وهذا ما يحدث في تركيا أيضاً، أي أن الأمر ليس محصوراً في لبنان وحسب. في لبنان تشمل هذه الضغوط  فرض بعض البلديات حظر تجول على السوريين، قامت هيومن رايتس ووتش بتحديد ما لا يقل عن 45 بلدية فرضت حظر تجول بحق السوريين في كافة أنحاء البلاد خلال السنوات الماضية. من جهة أخرى في عام 2015 أنهى  لبنان سياسة إعفاء السوريين من التأشيرة، وباتت شروط الدخول إلى الجانب اللبناني أكثر تعقيداً، بالإضافة إلى أن الأمن العام اللبناني، وضع شروطاً تقييدية ومكلفة لتجديد إقامة اللاجئين، ووفق تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فإن نسبة السوريين الحاصلين على إقامات قانونية (من الفئة العمرية 15 عامًا وما فوق) تقدّر بـ16% من مجموع المقيمين على الأراضي اللبنانية. لم تتغير هذه النسبة خلال السنوات الماضية، كل هذا هو جزء من سياسات حكومة تهدف لدفع اللاجئ إلى الرضوخ والعودة الطوعية والتي في حقيقتها هي قسرية، بخاصة أنه وبسبب غياب الأوراق القانونية، يفتقد اللاجئون إلى أبسط حقوقهم، ويتعرضون للابتزاز ويحرمون من الخدمات الأساسية كالحق في العمل بصورة شرعية (نسبة السوريين الحاصلين على إجازات عمل تقدر بـ 0.5%)، مع صعوبة الحصول على خدمات التعليم والطبابة. 

لا تنتهي معاناة اللاجئ السوري هنا، إذ أن عمليات مداهمة المخيمات وأماكن سكن اللاجئين ما زالت تسجل على نطاق واسع في البلاد، وبلغ عدد حالات الإخلاءات القسرية بحق اللاجئين السوريين من أماكن سكنهم 1871، من بداية العام 2022 حتى تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وفق ما سجله مركز ACHR. أي أنه وبشكل ما يتعرض السوري لسياسات قمعية شبيهة بتلك التي قام بها نظامه.

ما هي خطة العودة الطوعية بالضبط؟

منذ بدء الحكومة اللبنانية بخطة العودة الطوعية لم تكشف بشكل واضح عن الإجراءات، لا نعرف الكثير عمّا يجري ولا يوجد متابعات إعلامية مباشرة لما يحدث، كل ما صرح به الجانب اللبناني هو أنه مستعد لإعادة من يرغب من السوريين وأن الجانب السوري يستعد لاستقبال اللاجئين من خلال مخيمات وتجهيزات طبية وما إلى هنالك، في الحقيقة لم يتم تغطية ذلك أيضاً من الجانب السوري، دون أن ننسى أن سوريا تعاني فقداً حاد في الوقود أدخل البلاد في حالة شلل، إذاً ما الذي يحدث بالضبط؟ هل ينتقل السوريون من جحيمٍ إلى آخر؟ يلقي التقرير الضوء على الغموض الذي يكتنف عمل الحكومة اللبنانية في هذا الملف، إذ لم يصدر حتى تاريخ نشر التقرير، أي بيان رسمي يتضمن سياسة محددة لتعامل الحكومة مع ما تسميه “العودة الطوعية” للاجئين السوريين إلى بلادهم، فلا خطّة واضحة ولا إجراءات دقيقة أصدرتها الحكومة اللبنانية، غياب الشفافية يعني مخاوف أكثر على اللاجئين .

ووفق ما علم به مركز “وصول” لحقوق الإنسان (ACHR)، فإن تسجيل طلبات العودة إلى سوريا لدى مراكز تسجيل في مختلف أنحاء لبنان يكون تحت إشراف وتنسيق المديرية العامة للأمن العام اللبناني، لكن الإجراءات القانونية للأوراق والموافقات الرسمية للطلبات غير واضحة، والبت بالموافقات تتم من خلال السلطات السورية، ويتم ذلك عبر الأمن العام اللبناني الذي يُبلغ بدوره اللاجئين المُسجّلين نسخة مصوّرة من الموافقة إلى الشخص المعني. وعند مغادرة لبنان، يتم وضع إشارة منع دخول إلى لبنان بإقرار واضح وصريح لدى مكاتب الأمن العام على الحدود اللبنانية، من دون معرفة المدة الزمنية لمنع دخولهم لبنان، أي أن اللاجئ يُعامل كالداخل إلى السجن ولا فرصة للعودة في حال تعرض لأي نوع من الاضطهاد!

و”بلغ عدد العائلات التي سجلت أسماءها للعودة في القافلة الأولى لدى وزارة المهجرين (اللبنانية) 483 عائلة، أي ما بين 1500 و1800 شخصاً، وقد تم تسجيل 235 سيارة كذلك”، بحسب ما قاله وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال، عصام شرف الدين، في إحدى التصريحات الرسمية. كما انطلقت في 5 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، الدفعة الثانية من خطة “العودة الطوعية” من منطقة عرسال تحت اسم متداول بين اللاجئين السوريين وناشطين بعدة مناطق لبنانية وهو “قافلة المطلوبين”، دون معرفة أسباب هذه التسمية. وبلغ عدد العائدين من اللاجئين في الدفعة الثانية من الخطة حوالي 100 لاجئ، بحسب ما رصده مركز ACHR، ووصلت القافلة إلى منطقة القلمون الغربي في بلدة رأس العين. واعتقل فرع الأمن السياسي، وفق ما سجّله المركز، بمنطقة النبك لاجئين إثنين من بين العائدين خلال الدفعة الثانية، أحدهما تم الإفراج عنه بعد دفع رشوة مالية، أما الثاني ما يزال موقوفاً.

وبين عودة طوعية وأخرى قسرية، ماعاد اللاجئ السوري يعلم تماماً ما يحدث من حوله وهو يرغم على الاختيار بين خيارين أحلاهم علقم.