إيران: “جنة” مفروضة من النظام يراها الشعب جهنّم على الأرض

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

كما كل مشاريع الإسلام السياسي، جوهر الجمهورية الإسلامية في إيران خلقُ عالم ٍ، شاء المؤمنون أم أبوا، يكون طريقاً للجنة، أو بمعنى آخر قلب الدنيا سبيلاً للآخرة حسبما يرى أصحاب المشروع ومنظّروه، وفي الحالة الإيرانية، فقهاؤه.

بعد ثلاثة أشهر من انطلاقتها، وعلى الرغم من القمع المطّرد، تتواصل الاحتجاجات في إيران. عدا أحكام إعدامٍ نُفذت بالفعل بحق متظاهرين، نعرف أن أكثر من عشرين آخرين مهددون بالمصير نفسه بناء على اعترافات يتردد أنها انتزعت تحت التعذيب ومن خلال محاكمات يصعب وصفها بـ”العادلة”. 

التقديرات الموثقة للقتلى حتى الآن تقارب الخمسمئة، تقديرات أخرى يصعب التحقق منها تصل بالرقم إلى ألف وثمانمائة. الأصوات التي تدعوا للاستماع إلى المتظاهرين، بما في ذلك من الجناح الأكثر اعتدالاً داخل النظام، ممثلاً برئيس الجمهورية الأسبق محمد خاتمي، لم تلق أذناً صاغية، بل حتى الخبر الذي انتشر أن ما يعرف اصطلاحاً بـ”شرطة الأخلاق” قد تم تعليق عملها أو حلها لا يبدو دقيقاً، هذا إذا كان صحيحاً أصلاً. لكن لا غرابة في تصلب مواقف  الخامنئي (المولود عام 1939 و الذي شغل منصب المرشد الأعلى منذ عام 1989 ) ، فالمرشد، عبر نزع حق الترشح للإنتخابات من خلال هيئات مختلفة يسيطر هو عليها بحكم منصبه، أقصى بشكل مستمر الأصوات الأقل تشدداً داخل النظام عبر محطات مختلفة كان أبرزها انتخابات الرئاسة عام 2009 التي آمن كثيرون في إيران أنها زوُرت لصالح محمود أحمدي نجاد ضد مير حسين موسوي المحسوب على الجناح المعتدل داخل النظام. لكن أنى لمن يُعتقدُ أنه تجسيدٌ للصواب المطلق بالتخلي عن سبيله؟ 

يزدي وجنتي: أصوات المنطق الحاكم

مطلع العام 2021 توفي رجل الدين القريب من الخامنئي محمد تقي مصباح يزدي. اليزدي كان معروفاً بولائه لولاية الفقيه، إلى الحد الذي يُنسب إليه قوله أن الولي الفقيه “يُكشف” عنه، وأن انتخابه من قبل مجلس الخبراء (الخاضع فعلياً لرغبات الولي الفقيه)  ليس إلا وسيلةً لذلك “الكشف ” (التعبير يذكر بما يقال عن انتخاب بابا الفاتيكان). لذلك ربما غير مستغربٍ أن يزدي صرح في العام 2014 أن الشعب الإيراني “لا يستحق أن يكون له زعيم” مثل آية الله خامنئي الذي تشكل قيادته “نعمة”. فعند يزدي، بحسب مقال منشور له  (في موقع شبكة فجر الثقافية ، فبراير/شباط عام 2017) :”ليس هناك أي تفاوت بين ولاية النبي والأئمة المعصومين … [حسب العقيدة الاثناعشرية] وبين ولاية الفقيه، وهذا هو ما يعبّر عنه بـ”ولاية الفقيه المطلقة”. الولي الفقيه، الخامنئي كان أم غيره،  إذاً “نعمة إلهية”، فمن ذا الذي يرفض نعمةً إلهية ناهيك أن يسائل أوامرها؟ وفي المقال نفسه يرد يزدي على ما يعتبره خطأ شائعاً: “إنّ تقسيم الحكومة إلى …  نوعين : ليبرالي وفاشستي هو مغالطة، إذ أنّ هناك قسماً ثالثاً للحكومة يمكن أن نتصوره ، لا يحكم فيه رئيس الدولة على أساس رغبات وأذواق الناس (الحكومة الليبرالية )، ولا على أساس رغباته وذوقه الشخصي (الحكومة الفاشستية )، وإنّما على أساس رغبة وإرادة الله تعالى، والتبعية للقوانين والأحكام الإلهية، ونظام ولاية الفقيه هو النوع الثالث، وعليه لا يكون فاشستياً. متسقاً مع موقفه هذا، الذي يرى الولي الفقيه ممثلاً لإرادة الله على الأرض، عادى يزدي كل الإصلاحيين داخل منظومة الجمهورية الإسلامية وعلى رأسهم محمد خاتمي، الرئيس الأسبق وموسوي مرشح الرئاسة عام 2009 وغيرهم. بل إنه، وبعد أن كان مؤيداً متحمساً له، عادى بقوة، أحمدي نجاد لأنه خالف الولي الفقيه في أمور. لا مخالفة للولي الفقيه، حتى ولو من رئيسٍ محسوب على تياره المتشدد. 

النتيجة هي ما نراه اليوم في شوارع إيران: “جنة” مفروضة من النظام يراها قطاعٌ واسعٌ من الإيرانيين، إن لم يكن غالبيتهم الكاسحة، وبالذات الأصغر سناً منهم، جهنم على الأرض.

يزدي كان مقرباً من خامنئي وكان له دور فكري تنظيري مهم. أما أحمد جنتي (المولود 1927 ) رجل دين محافظ آخر قريب من الخامنئي، وكان أيضاً قريباً من يزدي،  فأحد أوسع رجالات النظام نفوذاً (رئيس مجلس صيانة الدستور، الهيئة الأقوى في بينة الجمهورية الإسلامية، منذ 1992 إلى اليوم، بتجديدٍ لست دورات متتالية من الخامنئي ومنذ 2016 رئيس مجلس الخبراء المنوط به اختيار الولي الفقيه، و، نظرياً، مراقبة أدائه). تساءل جنتي  عام 2001، في وقت خلافاتٍ مع الإصلاحيين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية آنذاك محمد خاتمي: “ماذا ينقص إيران لتطبيق الأحكام الإسلامية كما تفعل حركة (طالبان) في أفغانستان …  النظام الإسلامي عليه مسؤولية أخذ الناس إلى الهداية حتى ولو بالقوة ليضمن لهم آخرتهم يوم الحساب” (طبقاً لمقالٍ منشور في صفحة الاندبندنت العربية للكاتب حسن فحص، شهر يوليو/تموز 2022). الولي الفقيه يمثل الامام المعصوم على الأرض، ويملك صلاحيته وإن لم يكن (أي الولي الفقيه) معصوماً.  هذا ما يقوم عليه الدستور الإيراني و”الجمهورية الإسلامية”. الولي الفقيه مشغول بضمان آخرة الناس، شاؤوا أم أبوا، وهو في هذا لا يعبر عن الجمهورية الإسلامية في إيران فقط، ولا عن قرائتها هي للفقه الشيعي الاثناعشري (الخلافية بين فقهاء المذهب) فقط، بل عن الإسلام السياسي كله، سني وشيعي على حد سواء. 

في أغنية أصبحت نشيد الانتفاضة الجارية خير تعبير عن الأزمة التي سببها هذا المنطق، منطق جر الناس بالقوة إلى الهداية، حين خلق واقعاً كان الحجاب فيه فتيلاً لحريق يكاد يأكل الجمهورية الإسلامية. من عشرات آلاف التغريدات التي جالت بلاده في خضم الانتفاضة الجارية، نسج الموسيقي الإيراني الشاب شيروان حاجيبور ما أصبح أنشودة هذا الحراك . قُبض على حاجيبور لبضعة أيام ثم أطلق سراحه بكفالة في الرابع من أكتوبر /تشرين الماضي ، لكن أغنيته بقيت الخلفية لجل ما يجري إذ عددت ببلاغة أسباب الحنق على الجمهورية الإسلامية. “براي” (بسبب أو لأجل بالفارسية) موجودة على الإنترنت لحناً وغناءً ونصاً وترجمةً. “الزقزقة” (ترجمة أخرى لtweet)  الأهم التي ضَمّنْها حاجيبور في نص الأغنية و الأبلغ في التعبير عن المشهد هي هذا السطر  (بالفارسية): “براي إين بهشت إجباري”: “ضد هذه الجنة المفروضة”. 

كما كل مشاريع الإسلام السياسي، جوهر الجمهورية الإسلامية في إيران خلقُ عالم ٍ، شاء المؤمنون أم أبوا، يكون طريقاً للجنة، أو بمعنى آخر قلب الدنيا سبيلاً للآخرة حسبما يرى أصحاب المشروع ومنظّروه، وفي الحالة الإيرانية، فقهاؤه. من ثم الهوس بالصورة الأخلاقية التامة التي من أركانها تغطية جسد المرأة، و بينما في ذلك المسعى ذكورية غير خافية، وتجاهل تامٍ لدور الرجل الموازي في “غض البصر” الحاضر بقوة في الفقه، ولنتذكر أن الإسلام السياسي في سياق آخر، تحديداً أفغانستان-طالبان (السنية)، أجبر الرجال على إطلاق لحاهم وعوقب كل من تجرأ على ارتكاب موبقة قص اللحى. قبل السخرية من هذا المنطق تذكر أن خلق صورة مثالية متكاملة للمجتمع، ولو بزيٍ واحد، لا تقتصر على الإسلام السياسي. الشيوعيون في أكثر من بلد، أشهرها الصين تحت حكم ماو زيدونج (ت 1976) ، عمموا ارتداء زيٍ معين كعلامةٍ على الولاء للشيوعية الصينية وقائدها (ما عرف ببدلة ماو)، و الويل لمن لا يظهر الولاء! كذلك الجمهورية الإسلامية، أو على الأقل بعض القائمين عليها، يرون فيما يبدو، في خلع غطاء للرأس تهديداً وجودياً لها. علماً أن الرواية التي بين أيدينا تقول إن الشابة الكردية-الإيرانية مهسا أميني، التي أشعل موتها هذه الإنتفاضة، قُبض عليها فقط لأن حجابها لم يغطِ رأسها كما يجب. رعب الحاكم وثورة المحكومة (ومن ورائها المحكوم) في رمزية الفعل.

الحُكم باسم “الإسلام” وما يرتبط به من سيطرة رجال الدين قائمٌ على فهمٍ للمجتمع لا-تاريخاني بامتياز (أي خارج التاريخ تسجيلاً وتغيراً). المجتمع “النموذجي (الأسوة)” (التعبيران من نص الدستور الإيراني، كما يرد مترجماً للعربية في موقع وزارة الخارجية الإيرانية)  الذي تُجبر فيه المرأة خصوصاً على تغطية شعرها والكل عموماً على سلوكٍ مُعين، بل فرض شكلٍ و أزياءٍ محددة، وحيث “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” (مرة أخرى حسبما يخبرنا الدستور الإيراني) من أركان الدولة والمجتمع، التصورُ-الهدف هذا  يقوم على إعتقادٍ في مجتمعٍ مثالي يفترض أنه وُجد في التاريخ يوماً ما؛ الصواب هو إعادته للحياة. في الجمهورية الإسلامية بالذات انتهى هذا إلى خلق واقع مبكٍ مضحك كما سنبين، لكن قبل النظر في المُعاصر من الظروف لندقق أولاً فيما يفترض أنه سبق. أي قراءة الأدب والتاريخ العربي والمسلم على التوالي، في قرونهما الأولى، وستجد مئات الأمثلة لمجتمعٍ بشري عادي يختلط فيه الصالح والطالح ، والورِع والفاسق، من ثم، مثلاً لا حصراً، ما بين أيدينا عن زهد وتقوى الحسن البصري وعن (نقيضه) أبي نواس، وما يتواتر عن آل البيت من أقوال وأفعالٍ مثالية وما نقرأ من روايات في ثنايا بعض كتابات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي  مما لا يسمح به أي نظام رقابة اليوم، أو ما يتواتر عن غرام الأمين، أخو المأمون وشريكه في الخلافة العباسية، بالغلمان دون النساء، والوصف نفسه عن الفقيه قاضي المأمون والمتوكل، يحيى ابن أكثم. قطعاً لم تؤيد قيم المجتمع آنذاك سلوكيات كهذه لكنها غضّت النظر عنها، وفرق كبير بين الرضوخ لوجودِ ممارسةٍ مرفوضة ودفعها للإستتار والموافقة عليها، تماما مثلما يوجد فرق شاسع بين السكوت عن وجود ما قد يكون مرفوضاً أو ممجوجاً وقتل كل خصوصيةٍ لمنعه بالإجبار. وهذا بدوره يأخذنا إلى وجه اللاتاريخانية الثاني الأساس من طبيعة الدولة التي يريدها الإسلاميون في إيران وغير إيران.

نظم الحكم والسيطرة التي تعرفها الدول المركزية المعاصرة وصولاً إلى القدرة على الرقابة شبه الكاملة على المحكومين أفراداً وجماعات ظاهرة شديدة الجِدة في التاريخ البشري. فهل من نظّر للأحكام الفقهية (سنياً كان أم شيعياً) منذ منذ بضعة قرونٍ أو أكثر تخيل شرطةً تطارد النساء في الشوارع  أو تستوقف المارة أو تجبر الرجال على حلق اللحى أو حتى تتجسس على اتصالات الناس وبيوتهم؟ قطعاً لا، فهذا لم يكن وارداً أو حتى مُتخيلاً.

هذا بدوره يجرنا إلى سؤال ربما يذهب نحو علم الكلام والفلسفة: إن كان المؤمن مُحاسباً على أفعاله ألا يلزم ذلك مساحةً من حرية الاختيار؟ و إن غُيبت هذه الحرية تماماً، كما في جنة الإسلام السياسي المفترضة، فما الحكمة من الحساب؟ هل ولي الأمر، أو الولي الفقيه، وحده هو من سيحاسب وكلنا بعد ذلك براءٌ وإلى الجنة؟ ثم ألا يعني هذا المستوى من التحكم الكامل منظومة شمولية  قمعية خانقة باسم الإسلام، لا بد أن يتمرد الناس عليها إن عاجلاً أم آجلاً؟ وعلى “الإسلام” الذي يمنحها الشرعية؟ هل من طريقةٍ للقضاء على الإسلام أمضى من الحكم باسمه؟

الواقع الذي تحقق لا المرغوب الذي تبدد

الأمثلة التي ذكرنا لمجتمعاتٍ مسلمة مبكرة عرفت كل ما هو معتاد في أي مجتمع بشري، قد يرد عليها مؤمنٌ بولاية الفقيه بأنها لم تعرف حكم أئمة آل البيت حسب الاعتقاد الشيعي (الاثناعشري) الصحيح، من ثَم فسادها. فكيف كان حكم الولي الفقيه في إيران؟ في العام 2012، بعد ثلاثة عقود من عمر الجمهورية الإسلامية وشرطة أخلاقها، شنت هذه الجمهورية الإسلامية نفسها حملةً لمكافحة الدعارة. لم تنه الحملة الأزمة،  تقديرات العاملات في الدعارة في طهران وحدها حسب تقارير عديدة تلت هذه الحملة لم يقل أبداً عن عشرة آلاف امرأة، بالرغم من العقوبات الصارمة التي توقعها الدولة على كل متورطٍ ومتورطة في هذا النشاط . علماً أن هذه الأرقام لا علاقة لها بالزواج المؤقت، أو زواج المتعة، الذي يحلله فقهاء اثناعشريين وتقبله الدولة في إيران وإن انتقده بعض رجال الدين من المذهب نفسه كغطاءٍ لممارساتٍ غير مقبولة. و من أشهر من قُبض عليه داخل بيتٍ للدعارة، في عهد الرئيس الأسبق نجاد، رئيس شرطة طهران، تحديداً عام 2008. أما بالنسبة للخمور فالصورة ليست أفضل. في العام 2012 أيضاً أصدرت وزارة الصحة في الجمهورية الإسلامية تحذيراتٍ من تفشي ظاهرة إدمان الكحول بالرغم من أن أي تعاملٍ مع المشروبات الكحولية مُجرّمٌ ويُعاقب عليه. في عام 2015  افتتحت وزارة الصحة 150 مركزاً في مختلف أنحاء البلاد لعلاج إدمان الكحول. ولأن غرام الإيرانيين التاريخي بالخمر لا طرق قانونية لإرضائه يعتمدُ الاستهلاكُ الواسع للكحول على مصدرين: التهريب والإنتاج المحلي (غير المراقب طبعاً)، الأول الآتي عبر حدود البلاد الغربية تجارة تقدر بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً، والثاني يتسبب في العديد من حالات التسمم والوفاة سنوياً  (حسب تقرير نشرته مجلة Atlantic Monthly  الأمريكية، مبني على مصادر طبية في المستشفيات الإيرانية في 27 مارس/ آذار 2020 خلال الشهرين السابقين فقط على النشر، ومع بدء وباء كوفيد-19  بلغت حالات التسمم بالكحول 2197 حالة توفى منهم 214). علماً أننا لم نذكر الفساد في تركيبة الجمهورية الإسلامية الذي لا تنتهي الروايات عنه. إذاً،  بعد أربعةِ عقودٍ من حكم الجمهورية الإسلامية،  لم ينجح فرض فضائل الأخلاق بالقوة. 

قبضة حديدية على أساسٍ مهزوز

الطريق الذي ارتآه الرئيس الحالي، الفقيه، والقاضي السابق، إبراهيم رئيسي، لإصلاح الأمور  لم يكن إلا المزيد من الإجبار، وكأن الاستمرار فيما فشل سبيلٌ للنجاح، و في هذا اتفاق مع تاريخ رئيسي نفسه وخلفيته، ومع الخط الذي أكد عليه مؤسس الجمهورية الإسلامية واستمر عليه مرشدها الحالي. الرئيس الحالي للجمهورية الإسلامية (ومن ثم الرجل الثاني فيها بعد المرشد الأعلى) محسوبٌ على الجناح المتشدد في الجمهورية الإسلامية. ولد أواخر عام 1960 لأحد رجال الدين في مشهد و انضم في سنٍ مبكرة إلى قضاء الجمهورية الإسلامية الوليدة وترقى فيه بسرعةٍ شديدة. بعد توليه منصب المدعي العام في مدينة كرج غرب طهران، في عام  1989 تولى منصب المدعي العام في طهران  (قبل أن يتم ثلاثين عاماً). الفترة والدور الأهم ربما في حياة رئيسي كانت في 1988 حينما تولى مع ثلاثة قضاة آخرين النظر في ملفات آلاف المعتقلين السياسيين بعد محاولة من منظمة مجاهدي خلق، التي كانت متمركزةً في العراق، غزو البلاد من الغرب. القضاة الأربعة عُرفوا لاحقاً بلجنة الموت، تقديرات من تسببوا في إعدامهم تتخطى الخمسة آلاف في أقل تقدير. لم تحقق الجمهورية الإسلامية أبداً في أحكام هذه اللجنة لكن قراراتها التي تكاد تكون إبادةً جماعية تؤشر إلى الطريق الذي أوصل الجمهورية الإسلامية إلى حيث هي اليوم. ممن أعترضوا بشدة على هذه الإعدامات، وكان هذا قبيل وفاة الخميني، نائبه والرجل الثاني في النظام آنذاك، حسين علي منتظري. كان الجدل حاداً في هذا الأمر ما أدى إلى الإطاحة بمنتظري من نيابته للمرشد الأعلى، ومن ثم من موقعه كخليفةٍ منتظر للخميني، وحل مكانه رئيس الجمهورية آنذاك: علي خامنئي. بين إرث الخميني والرجال الثلاثة: منتظري، خامنئي، ورئيسي، وأفكارهم ومصائرهم نرى الدرب الذي سارت عليه الأمور. علماً أن الجمهورية الإسلامية تبقى “متفوقةً” على أي بلدٍ في العالم في عدد الإعدامات بالنسبة إلى عدد السكان (تتفوق الصين كعددٍ مطلق لأحكام الإعدام المنفذة).

خلاف منتظري مع الخميني امتد من رفضه الإعدامات بالجملة إلى اعتقاده بضرورة رد شرعية الجمهورية الإسلامية، ولو جزئياً، إلى الناس لا استمدادها فقط من ولاية الفقيه وكونه نائباً عن الامام (الثاني عشر والأخير، المعصوم، والغائب). أزمة الإطاحة بمنتظري واستبداله بخامنئي استدعت أزمةً اخرى. المعتاد أن كل اثنا عشري ملتزم يتبع مرجعاً حياً للتقليد: فقيهاً بلغ مرتبة الاجتهاد وتمكن منها. طبقاً للدستور الإيراني آنذاك كانت حيازة مقام المرجعية الفقهية وقدراتها، الدرجة الأعلى بين رجال الدين الاثناعشرية ، شرطاً لشغل منصب الولي الفقيه ساعة وفاة الخميني، وبسبب افتقاد خامنئي لهذا المؤهل الأساس، شغل المنصب بصفة مؤقتة حتى تم تعديل الدستور لإزالة هذا الشرط  وبعدها ثُبت مكانه، لكن خامنئي “نودي” به مرجعاً عام 1994. كفقيه إذاً، لم يحظ خامنئي لا بمكانة الخميني ولا منتظري، وإلى اليوم يبقى إدعائه المرجعية محل خلاف. علماً أن المرجع الأوسع اتباعاً في العالم الاثناعشري اليوم هو السيستاني  (الإيراني الأصل المقيم في العراق). الخامنئي افتقد مكانة وشخصية سلفه (الخميني)، وكذا مكانته العلمية، وبدلاً من التحلي بالمرونة السياسية التي يفترض أن يدفعه هذا لها ازداد تصلبه، هو والنظام مع الوقت وسط عالم يتغير سريعاً. والنتيجة هي ما نراه اليوم في شوارع إيران: “جنة” مفروضة من النظام يراها قطاعٌ واسعٌ من الإيرانيين، إن لم يكن غالبيتهم الكاسحة، وبالذات الأصغر سناً منهم، جهنم على الأرض. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني