fbpx

عن النظام المصري الذي تهدده أغنية! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قد يتمكن النظام وأدواته من منع مغني الراب والمهرجانات من الغناء، وإقامة الحفلات داخل مصر، لكنهم لن يتمكنوا من منعنا من الاستماع لأغنياتهم ومشاركتها.

من بين المشاهد الكثيرة التي حفل بها نهائي كأس العالم في قطر، كان لمشاركة مغني “الراب” المصري ويجز وقع جميل على محبيه من الشباب العربي، وبخاصة الشباب المصريون الذين رأوا فيه تمثيلاً لائقاً لبلدهم، وقصة نجاح باعتباره شاباً مصرياً موهوباً استطاع تحقيق حلمه.

إنجاز ويجز ووصوله إلى العالمية، قابلته نقابة المهن الموسيقية المصرية بهجوم عليه، بحجة عدم حصوله على إذن مسبق منها للتعاون مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، والغناء في الحفل الختامي، وأكدت النقابة أنها ستتخذ الإجراءات المناسبة بحقه.

يأتي موقف النقابة في سياق حرب أطلقها النقيب السابق هاني شاكر، ويستكملها اليوم النقيب الحالي مصطفى كامل ضد مغني “الراب” والمهرجانات – وهو مصطلح أطلق على أغنيات مصرية لاقت رواجاً كبيراً في السنوات الأخيرة، وتجمع بين الكلام الشعبي والموسيقى العصرية- لأنها تخالف العادات والتقاليد المحافظة، وتهدّد قيم المجتمع والفن المصري بكلماتها ورسائلها الجريئة، و”الخادشة للحياء”.

وفي مشهد فيه الكثير من السلطوية، جمع كامل الذي اشتهر في بداياته لكونه مغنياً شعبياً، بعض مطربي الراب والمهرجانات في مؤتمر صحافي، هددهم فيه بالطرد من النقابة في حال استمرارهم بمخالفة العادات والتقاليد، وكأنه المتحكم الوحيد بمصيرهم الفني والمهني.

 الفن والحرية يهددان النظام الذي لم يقدّم لأبناء شعبه سوى كل أسباب للهروب من الوطن من دون رجعة.

ينسجم سلوك النقابة القمعي ورئيسها صاحب أغنية “تسلم الأيادي” المؤيدة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نهج النظام وتعامله مع الفنانين المعارضين. النظام نفسه الذي اعتقل المخرج والمصور الشاب شادي حبش عام 2018، بعد إخراجه لكليب أغنية “بلحة” للفنان رامي عصام التي انتقد فيها السيسي.  ظل في السجن الاحتياطي تعسفاً لعامين، وتوفي عام 2020، وهو يبلغ من العمر 25 سنة.

أذكر شادي حبش جيداً، تشاركنا زنزانة واحدة، كانت تدهشني قدرته على الاستمرار في ممارسة هواية الرسم التي يحب، كان شادي يرسم دائماً، يرسم أي شيء، وكل شيء، كانت تلك طريقته في مقاومة محاولاتهم كسر إرادته.

برغم القسوة التي كانت تحيط بنا، لم يتوقف شادي يوماً عن الحلم. 

يقول شادي في رسالة كتبها في السجن: “في السنتين اللي فاتوا حاولت أقاوم كل اللي بيحصلي لوحدي عشان أخرجلكم نفس الشخص اللي تعرفوه بس مبقتش قادر خلاص. مفهوم المقاومة في السجن، إنك بتقاوم نفسك وبتحافظ عليها، وعلى إنسانيتك من الآثار السلبية من اللي بتشوفوا وبتعيشوا كل يوم، وأبسطها إنك تتجنن أو تموت بالبطيء”.

لم يتمكنوا من كسر روح شادي وموهبته، ولكنهم نجحوا في إنهاء حياته.

 قتل شادي في حبسه بسبب أغنية ساخرة! قتل لأنه قال لا. “لا” التي ترعبهم وتوقظ جنونهم المستعر. “لا” التي سرقوا بسببها حياة آلاف الشباب وآمالهم وأحلامهم، لمجرد تجرؤهم على السعي لمستقبل أفضل.

 لا أنسى أيضاً جلال البحيري، زميلي في السجن الذي اعتُقل بسبب ديوانه “خير نسوان الأرض” بحكم عسكري لثلاث سنوات، ولُفقت له قضية جديدة لتمديد اعتقاله. طالبت منظمات حقوقية بإخلاء سبيل جلال، ولكن من دون جدوى، إذ لا يزال معتقلاً حتى يومنا هذا.

ما زلت أذكر جلال جيداً، أذكر كل مرة وقف فيها أمام الزنزانة ليحكي لنا فصول معاناته داخل السجن، وحرمانه من التواصل مع عائلته. لم يسلم جلال من الحملات ضده خارج السجن أيضاً، فطالب بعض الإعلاميين المصريين بإسقاط الجنسية عنه. الجنسية التي اعتقل وأهين وحُرم من أبسط حقوقه المدنية بسببها. 

إقرأوا أيضاً:

لا يقتصر قمع النظام للمواطنين المصريين على التوقيف والاعتقال، بل يتعداهما إلى التضييق على الفنانين، ومنعهم من التعبير عن فنهم بحرية، لأن النظام يدرك جيداً أهمية الفن كوسيلة غير محدودة للتعبير عن الحرية بكل أشكالها.

 الفن والحرية يهددان النظام الذي لم يقدّم لأبناء شعبه سوى كل أسباب للهروب من الوطن من دون رجعة.

برغم تلك المآسي، إلا أن الخضوع للنظام وممارساته القمعية ليس قدراً، فحجم الضغط الذي مورس على الفنانين المصريين، وكل التهديدات بمنعهم من ممارسة نشاطهم وإقامة الحفلات، لم تثن بعضهم عن الامتناع عن حضور المؤتمر الذي عقده مصطفى كامل، كما وأن كل الهجوم الذي تعرض له ويجز، لم يمنعه من الظهور والغناء في مونديال 2022 أمام العالم، ونذكر أيضاً شجاعة المغني “مولوتوف” الذي اعترض على قرارات النقيب ورفض الالتزام بها. 

قد يتمكن النظام وأدواته من منع مغني الراب والمهرجانات من الغناء، وإقامة الحفلات داخل مصر، لكنهم لن يتمكنوا من منعنا من الاستماع لأغنياتهم ومشاركتها. يستطيع أيضاً عساكر أمن الدولة محاصرة المسارح والملاهي، لكنهم لن يحاصروا آذاننا، وأذواقنا ورغبتنا في الحياة. سنغني ونرقص ونرسم ونؤلف الشعر، وسيصدح صوتنا عالياً، فتلك هي فرصتنا الوحيدة المتاحة للمقاومة.

إقرأوا أيضاً: