fbpx

كويتية في أنقرة..غريبة في مدينة لا تتحدث لغتي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الصور النمطية عن سكان الخليج لا تنم إلا عن جهل، إذ لا يمتلك المواطن الخليجي حنفية نفط في منزله، ولا يمضي عمره في صرف المال على البذخ.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أمامي 72 ساعة فقط!

لا يحتاج الكويتي إلى فيزا إن أراد أن يدخل تركيا سائحاً، لكن بما أنني سأعمل هناك، فالإجراءات مختلفة، عليّ طلب فيزا عمل من السفارة التركيّة. يشير قرار مباشرة عملي في أنقرة، إلى أن علي أن أبدأ في  15 أيار/ مايو 2022، كي أتمكن من الاستفادة من خبرة زميلي السابق، الذي ستنتهي مدة عمله في حزيران/ يونيو.

لكن، حدث ما لا يتوقع، تأخرت الفيزا كثيرا حتى بداية شهر  يونيو، رغم تعاون السفارة التركية ووزارة الخارجية الكويتية معي، إلا أن ذلك لم يساهم في معرفة سبب تأخر الفيزا، ما وضعني في مأزق حقيقي، مدة التدريب على العمل الجديد  تقلصت من شهر إلى ثلاثة أيام فقط!.

من يستطيع أن يستوعب خبرة شخص لمدة ثمانية سنوات في 3 أيام؟.  عدا الاجهزة الذكية و العباقرة، لا أظن أن أي شخص يستطيع القيام بهذه المهمة! وأنا  لست جهاز ذكي، وبالطبع لست عبقرية!.  بالاضافة الى ذلك،  يجب أن أجد سكن بأسرع وقت ممكن، على أن يكون قريبا من مقر عملي، لأنني قررت ألّا أقود سيارة مبدئيا، و سأذهب للعمل مشياً.

ازدادت التحديات، وأصبحتُ على حافة الانهيار حين علمت أن عملي لن يقتصر على الكتابة وإعداد التقارير الصحافية،وتحرير المقالات،  بل سأكون مسؤولة عن الحسابات المالية للمكتب!.  هنا يجب أن أعترف بأنني أكره الأرقام و أجهل الحسابات كجهلي باللغة اليابانية!.

 أثناء سنوات دراستي كنت متفوقة في كل المواد عدا الرياضيات، ما شكل لي أزمة حقيقية، وجعلني أتأكد بأني أميل دون أدنى شك للمواد الأدبية. والآن عادت مخاوف الدراسة لتراودني بقوة، وكأنني سأقدم امتحان رياضيات في مرحلة الدراسة الثانوية.

أعرف الصور النمطية التي يمتلكها “الآخرون” عني كخليجيّة، وأعرف نظرة الآخرين للخليجيين،  لكني اليوم سأتحدث عن شعور الخليجي حين يسافر لأي بلد عربي او أجنبي.

 ها أنا أرجع لنقطة الصفر مرة أخرى، بعد أن تمكنت من  استيعاب الأمور في تركيا، والاعتياد على كتابة الأخبار التي لم أكن أستسيغه، وأجد نفسي أمام موضوع الحسابات المالية، الذي أصبح هاجسا يراودني، وبات اليوم الذي سأقوم به بهذه المهمة واحد من أتعس أيام حياتي. 

بدأت أصاب بالأرق، وأبدأ يومي بالاستماع لنصائح عن أسلوب النجاح بالعمل والأدعية واللعب على اللاوعي حتى أقنع الوعي بأنني أستطيع إنجاز عملي. تطلب الأمر شهوراً لأتغلب على هذه المعضلة، أي “يوم الحساب”، وإلى اليوم أجد الأمر ثقيلا على قلبي.  كثيرة هي الأشياء التي لا أحب و أجبرتني التجربة على خوضها مرارا و تكرارا،  وليس منفذ  سوى التعايش مع هذا الكم الهائل من المعلومات و المسؤوليات خلال فترة زمنية قصيرة!.

تمكنت خلال 72 ساعة من إيجاد شقة مناسبة لي، و قريبة من العمل وفي مجمع سكني آمن، و النقطة الاخيرة كانت أهم عامل، فأنا لا أملك رفاهية الوقت هنا. كنت أشعر وكأني أجري في ماراثون، وحين هدأت الأمور، شعرت بأن القادم  أصعب دون شك على جميع الأصعدة. المهم الآن،  كيف لا أقع في فخ الاكتئاب؟ سأطرق لهذا الموضوع لاحقاً.

كانت المعضلة أن أبقى وحيدة بلا أصدقاء في مدينة أغلب سكانها لا يتحدثون سوى التركية، مسؤولية كبيرة ألقيت على عاتقي لاسيما أني امرأة، وهناك الكثير من الأسهم متأهبة لأن تطلق نحوي إن قمت بأي خطأ، ظنا منهم بأنني لا أستحق هذه الفرصة التي يستحقها رجل بدلاً مني. كل هذا كان فوق استطاعتي، لكني تدبرت أمري، واستوعبت جملة ” استمتع بالرحلة و ليس الوجهة”.

ما معنى أن تكون خليجيا؟

أعرف الصور النمطية التي يمتلكها “الآخرون” عني كخليجيّة، وأعرف نظرة الآخرين للخليجيين،  لكني اليوم سأتحدث عن شعور الخليجي حين يسافر لأي بلد عربي او أجنبي، بدايةً لا يمتلك الواحد منا حنفية نفط في بيته. أغلب الشعب من الطبقة الوسطى  لا الغنيّة.

نعمل بجد لنستحق رواتبنا التي مقارنة بمستوى معيشتنا تُعتبر معقولة،  ربما أقل من معقولة للمتزوجين ومن  لديهم أسرة. أغلب الشعب يعاني من مشكلة القُروض، أسعار العقارات في الكويت مرعبة، و الراتب لا يكفي لشراءْ أرض أو منزل.

يخاف بعضنا حين يزور أي بلد أن يقول ما هي جنسيته، لأننا نعلم جيداً أن البعض يرى فينا مجرد ماكينة لسحب الأموال، وهي صورة نمطيّة  ثابتة لا تتغير مهما حاولت أن  أشرح الوضع العام في البلد. نفاجأ بالأسعار تتضاعف حين نسأل عنها، فأول تعليق أسمعه حين أقول جنسيتي هو ” بترول..!، أنتم أغنياء..!”.

 إن كان بلدي غّني هذا لا يعني أن الشعب غني بالمطلق. المفارقة، أني حين أتحدث مع بعض  سكان البلد الذي أزوره، يتخلل الحوار دوماً، ظنون وصور نمطية مفادها بأننا شعوب متخلفة، تركب الجمال وتسكن الخيم، أما  السؤال الذي يطرح عليّ من قبل  النساء في تركيا هو التالي :” ألستم بلد إسلامي!، ألا يفرض  الحجاب عليكنّ كما في  إيران؟”.

أدخل بعد هذا السؤال في عملية شرح وتبرير، لست مرغمة عليها في كل مرة أواجه هذا السؤال، لكني أكرر أمام محدثي/ محدثتي  أننا في الكويت شعب متنوع الثقافات، والحجاب اختيار وليس فرض، وشكلي هنا  بالضبط مثل شكلي بالكويت.

أظن أن الكثيرين ينظرون  (إلينا)  بطريقة مغلوطة، يظنون أننا شعوب مرفهة وتافهة ولا تملك أي فكر. شعوب ليس لديها سوى الأموال التي تُصرف على البذخ. هذا “كليشيه” غير حقيقي، مللت منه أنا كخيليجيّة، فكل شعب يحوي الغني والفقير، التافه و المثقف،و برأيي، تعميم الصورة النمطية على “الجميع” ليس إلاً جهلاً صرفاً.