fbpx

عمالة الأطفال في لبنان: مشاهد مأساويّة والحلول مؤجّلة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مقدّم، إبن مدينة طرابس، استبدل حقيبة الكتب بـ”كيس نايلون” يضع فيه قليلاً من الطعام الذي يتناوله خلال دوامه الطويل، إلى حين عودته إلى منزله لينال قسطاً من الراحة بعد يوم مُرهق قضاه في عمل شاق يفوق قدرتيْه الجسدية والفكرية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

وفق تقرير صدر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في تشرين الثاني 2021، فإنّ “مستقبل جيل كامل من الأطفال في لبنان على المحكّ”، وذلك على أثر الانهيار الاقتصادي الذي عرفته الدولة منذ أواخر العام 2019، والذي ألقى بتداعياته على فئة الأطفال، بعد عجز أهاليهم عن تأمين مصاريف تعليمهم من ناحية، وعدم قدرتهم على تحصيل مردود مادي كفيل بإعالة كامل أفراد العائلة، فاضطرّوا إلى دفع أبنائهم الى الانخراط في سوق العمل من ناحية أُخرى. ووفق أرقام اليونيسيف، سجّلت نسبة الأُسر التي أرسلت أطفالها الى العمل 12 في المئة بعدما كانت أقل من 9 في المئة قبل الأزمة الاقتصادية، كما انخفض عدد الأُسر التي قلّصت نفقات تعليم أطفالها بين 3 و 10 أُسر مقارنة بإحصاءات ما قبل الأزمة. 

بين المُساعد الميكانيكيّ وبائعة الورد.. حكايات أطفال بألف غصّة

“أنا أعمل في محل لتصليح سيارات منذ سنتين، حين توقفت عن الذهاب إلى المدرسة، بعدما اضطررت إلى مساعدة والدي في المصروف الذي عجز عن تأمينه بمفرده”. بهذه الكلمات القليلة، يصف محمد مقدّم، ذو السنوات التسع، حالة اجتماعية أقلّ ما يُقال عنها أنها مأساوية. مقدّم، إبن مدينة طرابس، استبدل حقيبة الكتب بـ”كيس نايلون” يضع فيه قليلاً من الطعام الذي يتناوله خلال دوامه الطويل، إلى حين عودته إلى منزله لينال قسطاً من الراحة بعد يوم مُرهق قضاه في عمل شاق يفوق قدرتيْه الجسدية والفكرية. 

لا تختلف معاناة الطفلة رهف دوغان، السورية الجنسية، عن حال محمد إلّا لناحية نوع العمل الشاق فقط، وإنما المعاناة واحدة. فدوغان، البالغة من العمر إثني عشر عاماً، تأخذ من إشارات المرور الموجودة في مدينة طرابلس مقرّاً لعملها في بيع القليل من باقات الورد، علّها تستطيع الحصول على بضعة نقود من أصحاب السيارات الذين يقفون بجانبها لثوانٍ قليلة.

إنّهما حالتان من بين مئات، بل آلاف الحالات لأطفال، أودت بهم ظروف الحياة الموجعة إلى الأروقة والطرقات والأزقّة. بعضهم يُمارس مهناً مُرهقة وآخرون يقومون بأشغال هامشيّة، ليغدو واقعهم مُرعباً ومستقبلهم مجهولاً.  

“أنا أعمل في محل لتصليح سيارات منذ سنتين، حين توقفت عن الذهاب إلى المدرسة، بعدما اضطررت إلى مساعدة والدي في المصروف الذي عجز عن تأمينه بمفرده”.

السبب اقتصادي، والتداعيات تربوية 

لا يواجه الطفل محمد مقدّم معاناة العمل وحسب، بل ثمّة مأساة أخرى يعيشها في بيته. فهو يقيم في منزل صغير متواضع لا يتطابق وأدنى معايير العيش الكريم، في ظلّ ظروف اقتصادية وصحيّة يُرثى لها. فوالدته تُعاني من مرض السرطان، وشقيقه الكبير مصاب بمرض قلبي مزمن، وله شقيقتان صغيرتان أيضاً. فما كان أمام والده إلّا أن دفع به إلى سوق العمل لكي يساعده، ولو باليسير من المدخول، في سدّ جزء بسيط من مصروف عائلته، بما أنّ راتب الطفل لا يتجاوز 250 ألف ليرة لبنانية في الأسبوع مقابل 10 ساعات عمل في النهار الواحد.

وإن تحدّث محمد عن رغبته بالعلم، تكلّم بغصّة. “أنا كنت أطلع الأوّل في مدرستي. وكل يوم، بعد الشغل، أدرس في كتب السنوات الماضية لأبقى متذكّراً المعلومات بحال قدرت أرجع عالمدرسة شي يوم”. 

كلامه ما هو إلّا تجسيد مُجتَزأ لما أصبحت عليه حال أطفال كثر، بعدما بات الفقر في لبنان يطاول ما يفوق 74 في المئة من مجموع السكان، وفق دراسة أصدرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في العام 2021. 

قانون مع وقف التنفيذ

تعكس حالتا محمد ورهف واقع عدد لا يُستهان به من الأطفال الموجودين على الأراضي اللبنانية، الذين يمارسون أعمالاً تتعارض والقوانين اللبنانية كما ومواد المعاهدات والاتفاقيات الدولية الراعية لحقوق الطفل، التي وقّعتها السلطات الرسمية اللبنانية. 

فقد تخطّى مُعدّل عمالة الأطفال في لبنان المئة ألف طفل، علماً أنّ الدولة اللبنانية كانت قد وقّعت في العام 1991 على اتفاقية حقوق الطفل، التي توصي بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي وتمنعهم عن ممارسة أعمال قد تضرّ بصحّتهم الجسدية والعقلية أو تحول دون تحصيلهم العلميّ. 

وعليه، فأقلّ ما يقال عن واقع عمالة الأطفال في لبنان أنها في مثابة الجريمة الممنهجة بحقّ الأطفال المتسرّبين من المدارس ليفترشوا أرصفة الطرقات ومستديراتها، لا سيّما إذا ما أضيف إلى هذه المعادلة السلبية التي يمثلها تشغيل الأطفال والتي يفرضها الفقر المدقع، عنصر تواطؤ أرباب العمل المشغِّلين لهؤلاء الصغار من باب تقليص نفقاتهم المالية، بما أنّ الأجور التي يخصّصونها للأطفال زهيدة، تصل إلى حدّ استغلالهم.  

دولة عاجزة، وجهات غير حكوميّة تحاول…

السؤال الأول الذي يتبادر الى الأذهان عند الحديث عن عمالة الأطفال، “أين الدولة من هذه الظاهرة الخطيرة؟”. تقع على عاتق وزارة العمل اللبنانية مسؤولية التصدّي لهذه الظاهرة وذلك بواسطة خليّة التفتيش، واللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال، ووحدة مكافحة عمالة الأطفال، إلّا أنّ المشهد القائم في لبنان يعكس غياب هذه الأجهزة الواضح.

لم تُغفل رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال في وزارة العمل، نزهة شليطا، نقص عدد المفتّشين المسؤولين عن المساهمة في الحدّ من هذه الظاهرة، ما يُرتّب بالتالي تفاقماً لعدد الأطفال الذين يمارسون أعمالاً مرهقة وشاقّة تُعدّ في مثابة استغلال اقتصاديّ لهم. 

وقد أعربت شليطا عن أسفها في شأن عدم نيْل الخطة التي أطلقتها اللجنة الوطنية للقضاء على عمل الأطفال التمويل اللازم، ما أدّى إلى إقفال المراكز التي أُنشئت من موازنة وزارة العمل في محافظات طرابلس والبقاع والنبطية، وذلك لاعتماد الوزارة المطلق على مساعدات الجمعيّات الأهليّة والمؤسسات الرعائية، وهبات الدول المانحة. 

ووسط هذا المشهد المظلم لأطفال لبنان، بشرى قد تكون في مثابة بارقة أمل كشفتها شليطا في شأن مساعٍ حثيثة يمارسها وزير العمل بهدف تفعيل عمل اللجنة الوطنية لمكافحة عمالة الأطفال، وذلك بالتعاون مع وزارات أخرى ومنظمات محليّة ودولية لوضع خطة طوارئ واتخاذ قرارات سريعة تحسم مشكلة عمالة الأطفال لصالح هؤلاء.

أولويّات التّعلّم

إضافة إلى هذه الجهود الحكومية، ثمّة جهود أخرى غير حكومية تبذلها المؤسسات المعنيّة بمكافحة عمالة الأطفال، والتي تربط هذه الظاهرة بالأوضاع الاقتصادية المُتردّية في لبنان. 

هذا ما شدّدت عليه المُناصِرة في “جمعيّة إنقاذ الطفل في لبنان”، شيرين مكارم، التي طالبت بضرورة التركيز على أهميّة التعليم بهدف مكافحة تفشّي ظاهرة عمالة الأطفال. وأكدت مكارم حرص الجمعيّة على تقديم برامج تربوية تمنح هؤلاء الأطفال فرص التعلّم بدلاً من العمل في الطرقات والدكاكين والحقول كما في الورش الصناعية على اختلاف أنواعها، إضافة إلى تقديمها الدعم الماديّ الى الأهل لحثّهم على عدم إرسال أطفالهم إلى العمل لأغراض اقتصادية، كما تدرّبهم على كيفية التدبير الاقتصادي، وتجهد لتوعيتهم على أهميّة التعليم. 

وتختم مكارم بالقول: “تقوم الجمعيّة بإجراء الإحصاءات التي تشكّل قاعدة معلومات للجهات الرسميّة في الدولة، والعمل مع الجمعيّات المحليّة بهدف وضع خطة عمل لمكافحة عمالة الأطفال ومنع التسرّب المدرسيّ وحمايتهم من الأعمال السيّئة والخطرة”.