fbpx

القبيسيات: الجماعة “النسائيّة” التي صادقت نظام الأسد 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

القبيسيات جماعة “نسائية”، لا يجمعها مع النسويّة المعاصرة سوى أن أعضاءها من نساء، يمارسن حقهنّ بالعمل والخروج من المنزل كغطاء لدعوتهن الرجعية، يزدرين أجسادهن، ويتعالين على من لا ينضم إليهن.

تُعرف”القبيسية” مباشرة حين تمشي في الشارع، ويمكن تمييزها وسط حشد ببساطة، هي و”رفيقاتها” ذوات زيّ مميز يلفت الانتباه، “مانطو” كحلي، وحجاب إما أبيض أو كحلي أو بترولي أو أسود، ومن يعرف معاني الألوان، يعرف سلطة كل واحدة منهن.

القبيسيات تنظيم”نسائي” لا يعادي السلطة في سوريا، تنظيم تمكّن من فهم علاقات القوة في سوريا الأسد واللعب ضمنها، هنّ جماعة مُلتزمة دينياً، تسعى الى حفظ الثروة بين العائلات الغنيّة، وتأكيد دور الأسرة النووية، كما يُعتبرن لاعباً أساسياً ضمن شبكة العلاقات السنيّة في المجتمع السوري عموماً والدمشقي بخاصة. 

استُخدم لفظ “نسائي” لوصف التنظيم، لأن لا علاقة له بـ”النسوية” المعاصرة سوى بجنس المنضمّات إليه، إذ تستهدف القبيسيات الفتيات والنساء على حد سواء، لديهن ما يشبه المنهج، تعاليم جسدية وروحيّة لأجل العفة، إذ تُمنع الصغيرات من السباحة لأن المياه تجعل الثياب ملتصقة بالجسم، ويتم التأكد من لباس الفتيات إن كان “شرعيّاً”، عبر ضبط سماكة الجوارب الطويلة تحت المانطو. تهدف تعاليم القبيسيات إلى نبذ الجسد المؤنث وملذاته، والتعامل معه كشأن مشين، إذ ممنوع نتف شعر الوجه ونكح اليد، ويحصل “الاختلاط” مع الرجال ضمن شروط محددة.

تقتحم القبيسية ميادين الحياة، ولا تخاف الغواية، هي عفيفة، محمية، وزوجة مطيعة تمارس الجنس لأجل الإنجاب، جنس اقتصادي وفق شهادات من تركن الجماعة، جنس لا يهدف الى اللذّة، بعكس الفانتازم المنتشر حولهن، تتحرك الوحدة منهنّ بين البيت والمدرسة والشركة والباص بخفة في سبيل رضوان الله، والتقرب من منيرة القبيسي.

نشأة منيرة واستراتيجيات الدعوة

يعود تأسيس الجماعة إلى  منيرة القبيسي، ابنة تاجرٍ فلسطيني استقر في دمشق أوائل القرن العشرين، والتي ولدت عام 1933، وتخرجت في كلية العلوم وبدأت حياتها العملية بالتدريس في حي المهاجرين، وتتلمذت على يد الشيخ أحمد كفتارو، ويُقال أنها تبنت الطريقة النقشبنديّة، القائمة على الذكر الدائم لله، وهذا ما يميز القبيسيات، شفاهُهنّ تَفتِرُ دوماً بذكر الله. 

مارست منيرة الدعوة سراً مطلع الستينات، ويقال أنها تعرضت للسجن مرات عدة بسبب ذلك، ترددت في الوقت ذاته على دروس الشيخ عبد الكريم الرفاعي، مؤسس “دعوة زيد”، ثم درست في كلية الشريعة في دمشق، حيث احتكّت بأساتذة من قادة جماعة الإخوان المسلمين، كمصطفى السباعي مؤسس الكلية وفرع التنظيم في سوريا.

لم تواجه القبيسيات معارضة دينية حقيقية، وبعد مجزرة الإخوان المسلمين، تضاءل نشاط الجماعة، لكن يقال أنهن على عداء مع الإخوان المسلمين في سوريا. لم تتضح علاقتهن مع النظام السوري إلا بعد أن أصبحت الدعوة علنيّة عام 2008، ولم يعد وجودهن مقتصراً على المنازل والجلسات السريّة التي استفادت منها القبيسيات كغطاء لنشاطها، ففي سوريا، اجتماع الرجال إشكالي في نظر السلطة، أما اجتماع النساء، فلا مشكلة فيه. هنا لا يمكن إنكار وعيهن بالأدوار الجندرية التقليديّة والعمل على ترسيخها في سبيل نشر تعاليمهن بين النساء من دون خوف من رقيب خارجي.

سلطة الآنسة والتعليم وجهاً لوجه

تسعى الجماعة الى ضم “أعضاء” جدد عبر الإلحاح الدائم على الفتاة أو المرأة لاستمالتها باللين لا بالشدة، إذ يمكن الفتاة أو المرأة أن تحضر دروس الجماعة الأولى من دون حجاب أو غطاء رأس، وتعمل في الوقت نفسه على تنشئة الجيل الجديد من الفتيات. الموضوعات دوماً محط الشك والخوف من المعاصي التي قد ينسقن إليها في أية لحظة، وهنا يبرز دور “الآنسة”، تلك التي تقدم للفتيات النصح في شؤون الحياة والدين.

 تستشير الفتاة آنستها في تفاصيل حياتها كافة، من الوضعيات الجنسية إلى تفسير الأحلام، ويمكن القول أن أوامر الآنسة أكثر تأثيراً في الفتاة من تعاليم عائلتها، وخضوع الفتيات لآنساتهن يعتبر الخطوة الأولى في تنشئة  القبيسيات، المنصاعات الى العائلة والزوج، الشأن الذي يلقى قبولاً لدى شريحة واسعة من الناس، إذ يحرص رجال كثر على الزواج من فتيات تتلمذن على يد القبيسيات، ما يختصر طريق السيطرة على الفتاة، ويؤمّن للزوج أماً وربة منزل من دون عناء أو عصيان.

تُعرف “القُبيسية” مباشرة حين تمشي في الشارع، ويمكن تمييزها وسط حشد ببساطة، هي و”رفيقاتها” ذوات زيّ مميز يلفت الانتباه، “مانطو” كحلي، وحجاب إما أبيض، أو كحلي أو بترولي أو أسود، ومن يعرف معاني الألوان، يعرف سلطة كل واحدة منهن.

تحوي جماعة القبيسيات تراتبية صارمة يميزها لون غطاء الرأس، تبدأ من طالبات الحلقات المفتوحة، اللاتي  يحضرن الدروس العامة ويرتدين الحجاب الأبيض، يليها طالبات الحلقات الخاصة ومن دخلن في صلب الجماعة أولئك يرتدين الحجاب البترولي، لتأتي بعدهن الآنسات المشرفات اللواتي يقمن بالتدريس في الحلقات، ويرتدين الحجاب الكحلي، وأخيراً الآنسات الكبيرات والمقربات من الآنسة منيرة ويرتدين معها الحجاب الأسود. 

الفتيات وطريق المعصية 

يركز البعض إثر وفاة منيرة القبيسي على الجانب السياسي فقط من نشاط الجماعة، كونهن مقربات من نظام الأسد، علماً أن هناك حكايات عن تعاون التنظيم مع المتظاهرين والثوار، لكن كأي تنظيم يحاول البقاء والاستمرار، يميل دوماً نحو المصالحات السياسية وعدم الوقوف في موقع المواجهة.

يمكن القول أن الجانب السياسي للتنظيم أمر طارئ، لكن الأهم فيه هو الجانب النسوي ، إذ لا يمكن إنكار أننا أمام حركة نسائيّة منظمة، ذات ثقل وقوة اقتصادية وقدرة على توحيد الصفوف والنشاط ضمن نظام دموي كنظام الأسد، لكن إشكاليّة جماعة القبيسيات تكمن في نسويتهن نفسها، صحيح أن القبيسية تمتلك الحق بالعمل، والتملك، والتمتع بحياتها ضمن شروط محددة (تقيم القبيسيات نشاطات نسائية فقط تشمل الولائم والمسرحيات التعليمية والاحتفالات الدينية التي يتخللها بذخ لا يظهر الى العلن)، لكنها تعتبر جسدها دَنِساً، لا بد من تطهيره في حدود الشرع، أما الشهوة الجنسية  فليست إلا خطراً لا بد من محاربته.

تحوي الجماعة أيضاً تمييزاً طبقياً على أسس اقتصاديّة، فالفتاة التي تنتمي إلى بيئة متواضعة تخضع لضغوط ومتطلبات أكثر من ابنة التاجر المعروف. تقول مي وهي إحدى الناجيات من الجماعة في منشور لها: “خلال هدول السنوات، كان التميز والمناطقية لصالح الشوام أو الناس اللي وضعهم المادي منيح ممارسة عادية. مثلاً معظم الآنسات شاميات وكانوا يصرعونا بالحكي عن البنات بالشام وأديشهم عظيمات وشاطرات والله راضي عنهم ومتقبلهم”.

تسمَّى المشرفة والمعلمة بـالـ”آنسة”، وهي من “أهل الله”، أي أنها أفضل من الفتيات الناشئات المتهمات على الدوام بالمعصية أو الاقتراب منها. ركّزت آنسات الدعوة على استقطاب الطالبات والخريجات الجامعيات، واستهدفن بنات الطبقة الثرية من دون الاقتصار عليهن، لكنهن كنَّ الأساس، وهكذا اكتسبت الحركة قوة اجتماعية ومالية وسياسية، ما أشاع في الجماعة شعوراً بالنخبوية والأفضلية والاستعلاء على الأخريات في الوسط الديني وخارجه، وهذا ما يبرر وجودهن في غالبية السياقات التعليمية والمهنيّة، فالقبسية ليست ربة منزل فقط، بل صاحبة دعوة، تخرج الى الشارع لتقوم بمهمتها، وتحاول إقناع المراهقين الشباب في مراحل الدراسة الابتدائيّة بأن نزار قباني شاعر سيئ ومبتذل ومكروه، رغم أن قصائده موجودة في المنهج المدرس، وتدغدغ هرموناتهم وشهواتهم .

الآنسة أشبه بالله

تكمن خطورة العلاقة بين الفتاة والآنسة في تشبيهها بعلاقة الفتاة مع الله، إذ أحاطت الآنسات أنفسهن بنظرة تقديسية، ربما هذا سبب حرص منيرة القبيسي على البقاء في الظل بعيداً عن الإعلام أو الإدلاء بأي تصريح، ناهيك عن عدم وجود أي صورة لها، وهكذا تعتقد الفتاة أنها وكلما تفانت في طاعة آنستها أو شيختها القبيسية، سيزداد اقترابها من الله ورسوله وفق زعم الجماعة. 

تزدري القبيسيات الأجساد، ويقفن بوجه اللذة، فلا مكان للشهوة في حياتهن، ما جعلهن محط مُتخيّل فانتازمي وصل حدّ اتهامهن بارتداء حزام العفّة والانتماء إلى الماسونيّة.

لا يمكن فصل شكل حياة القبيسيات عن المجتمع السوري الدمشقي المحافظ بصورة تامّة، لأن الحركة ظهرت في قلب هذه البيئة مع تركيز أكبر على النشاطات الدينية الدعوية، والدروس الدينية والموالد النبوية والاحتفالات الدينية يقول د. محمد حبش أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أبو ظبي: “القبيسيات هنّ صورة دقيقة للمجتمع السوري المحافظ، الدمشقي بخاصة، وأن مبادئهن وأفكارهن ليست إلا خطاب المشايخ التقليديين المستمر في اتجاه الخضوع للسلطان منذ خمسين عاماً ولا يزال”.

القبيسيات يتغلغلن في النظام التعليمي السوري

تشجع الجماعة التعليم الأكاديمي للفتيات وانخراطهن في ميدان العمل، لكن الأمر ليس إلا جزءاً من الدعوة، وسعياً الى نشرها في شكل أكبر ضمن أوساط مختلفة، وإذ أردنا فهم خطورة هذه الجماعة على حرية النساء يمكن الاستدلال عليها من خلال ما تقوم به على أرض الواقع، إذ تشرف الجماعة على نصف مدارس تحفيظ القرآن تقريباً، ومئات المدارس الخاصة وبعض المدارس العامة، هذا التغلغل في النظام التعليمي في سوريا ساعدهن على فرض رؤيتهن الخاصة أثناء تنشئة الأجيال، الرؤية التي كانت مقبولة لدى شريحة واسعة من السوريين كونها تقوم على  تعليم الدين في صورة مفرطة إضافة إلى الصرامة في التربية، ما جعلهن على اختلاف مع الفئة المحافظة في المجتمع، لتتحوّل المدرسة نفسها إلى مساحة صراع، بين تيار ديني متشدد وآخر تقليدي محافظ، كلاهما يقفان بحيرة أمام أسئلة موجودة في منهج العلوم في سوريا تتعلق بنظرية التطور وأصل خلق الإنسان.

لا يمكن أن نعرف بدقة تأثير “طائفة دينية” متغلغلة في النظام التعليمي على الأجيال، لكن الصرامة المعروفة عن القبيسيات لم تخف على أي سوريّة، كتبت المدونة فرح يوسف عن تجربتها في روضة خاصة تديرها القبيسيات، واصفة معاملة المدرّسة لها بعد ترديدها شتيمة لم تكن تعرف معناها: “ثلاثة أيام طويلة مرت وأنا أجلس في المقعد الأخير من الباص، لا تُجاب نداءات يدي المرفوعة للإجابة عن الأسئلة، ولا أحصل على نجمة على جبيني حين تكون وظائفي من دون غلطة واحدة، وكلما طال الوقت انضمت واحدة جديدة الى عصابة الجلادات، تنبذني وتحقرني وتسأل زميلتها ما إذا كنت اعتذرت أم ليس بعد”.

الأسد يرحب بالقبيسيات 

يحرّم تيار واسع في الفقه الإسلامي الخروج على الحاكم، هذه الفتوى التي ما زالت محط جدل، تبناها الدين الرسمي في سوريا عبر المتحدثين باسمه كالشيخ كفتارو والبوطي والجماعات الأخرى التي وجدت نفسها “صوفيّةً” لا علاقة لها بالسياسة بل تعض على دينها إلى حين يأتيها اليقين. فضلت القبيسيات  الصمت عام 2011،  ولم تتخذ الجماعة أي موقف تجاه نظام الأسد حتى عام 2014 حين شاركن في حملة ترويج للأسد، ضمن احتفال كبير، دعت فيها الآنسات الى الوقوف مع الأسد، كما استقبل الأسد مجموعة من القبيسيات والتقطوا الصور معاً، توطدت لاحقاً علاقة القبيسيات مع النظام الديكتاتوري إلى حد وصول  إحدى المريدات، فرح حمشو،  إلى مجلس الشعب كما تسلّمت الداعية سلمى عياش منصب معاون وزير الأوقاف في سوريا. 

ازداد بعد لقاء الأسد والقبيسيات الضجيج الإعلامي والاتهامات التي تصفهن بالتطرّف، لتصدر وزارة الأوقاف السوريّة عام 2018 بياناً، قالت فيه: “لا وجود لتنظيم اسمه القبيسيات، وإنما توجد حالياً معلمات القرآن الكريم، مهمتهن تحفيظ القرآن وتفسيره، ويعملن فقط في المساجد وبتراخيص ممنوحة من الوزارة “.

جدل القبيسيات ليس سياسياً فقط، وإن كان في أحد جوانبه يمثل النظام الديكتاتوري، إنما هو أيضاً جدل في طبيعة هذا التنظيم الديني المتشدد، في خلق ودعم تطرف نسوي من نوع جديد، يقوم على تدمير صورة المرأة الذاتية عن نفسها ونبذها لرغباتها، في مقابل تراجع واضح في حقوق المرأة السورية.

إقرأوا أيضاً: