fbpx

عمّال لبنان… انخفاض رواتب وطرد تعسفي وقوانين جائرة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يعيش عمّال لبنان تخبّطاً في ظل انخفاض الرواتب من جهة والصرف التعسّفي من جهة أخرى. بينما لم يحدّد لهم القانون أطراً واقعية تمكّنهم من حماية أنفسهم.

“التزمتُ الصّمت بينما كان مديري يتفوّه بكثيرٍ من الهراء قبل أن يبلغني بطردي من العمل”، بين ليلةٍ وضحاها، تلقّى الشاب اللبناني محمد (25 سنة) خبر طرده من شركة للبورصة بعد 5 أشهر من العمل فيها. يقطن محمد في جنوب لبنان، حيث ينتقل إلى بيروت للعمل في الشركة في ظل تكاليف النقل والسكن باهظة الثمن. وبينما لا تتطابق أجور العمّال مع الواقع المزري الذي يعيشونه اليوم، تتراوح قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي بين 40 و50 ألفاً. 

يمكن تقسيم المرحلة التي مرّ بها العمّال في السنوات الأخيرة الى أربع موجات، حيث كانت في كلٍّ منها، وفي شكل تراتبي، تتفاقم أزمتهم. الموجة الأولى كانت عقب تحرّكات 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 واستقالة الحكومة، والتي أدت الى طرد عمّال والتمهيد لإغلاق بعض المؤسسات. والثانية، جائحة كورونا التي ضربت العالم، والتي كان للبنان نصيب كبير منها في العام 2020، إذ انخفضت أجور العمال اللبنانيين والسوريين ومداخيلهم في آذار/ مارس من العام نفسه، لأكثر من الثلثين مقارنة بمتوسط دخلهم الشهري، وفق استطلاع أجرته منظمة العمل الدولية على عينة من 1,987 فرداً من الجنسيتين اللبنانية والسورية في 2020. 

تبيّن أيضاً في هذا العام، أنّ انخفاض الأجور يرجع في شكل رئيسي إلى عمليات التسريح (43 في المئة)، وانخفاض ساعات العمل(52 في المئة). وترافق ذلك مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020، حيث كانت الموجة الثالثة. ومذاك، يعيش العمّال فوضى أنتجتها أزمة متراكمة دفعت بأرباب عمل كثر إلى تسريح موظّفين من دون أي رقيب حقوقي أو قانوني، في ظل اعتكاف قضائي لا يزال سارياً منذ أكثر من ثلاثة أشهر. 

وعود كاذبة وطرد مفاجئ

أنهى محمد رسالة الماجستير في الجامعة اللبنانية في عام 2021، في ظل ظروف تعليمية شاقة. وبدأ، كغيره من الشباب اللبناني، بالبحث عن عملٍ لـ”بناء مستقبل”. “وافقت على العمل فوراً بعد أن تلقيت وعوداً بتأمين بدل نقل وسكن”، يقول محمد. وبعد طرده من عمله في شكل مفاجئ، حصل على مبلغ ألف دولار أميركي، وهو ما لا يتوافق مع ما حدّده قانون العمل. وفي هذا السياق، تقول المحامية سميحة شعبان لـ”درج”، أن عقد العمل يمكن أن يكون شفهياً أو خطياً، وبالتالي إذا لم يكن هناك عقد مكتوب، فهذا لا يعني أنّ عقد العمل غير موجود. وبالتالي يحقّ لمحمد الحصول على مبلغ ألف و600 دولار على الأقل من الشركة. هناك عمّال كُثُر لا يحصلون على حقوقهم. وعدم وجود عقد عمل مكتوب بين ربّ العمل والعامل لا يعني أنّ حقوقهم مهدورة. “علاقة العمل قائمة حكماً، ويمكن أن يكون العقد مكتوباً أو شفهياً، فالعقد الخطّي هو لتسهيل إثبات عقد العمل وليس شرطاً لقيام العقد”، تردف شعبان. 

قانونياً، يستطيع العامل الذي تعرّض لصرف تعسّفي، اللجوء إلى مجلس العمل التحكيمي لتقديم شكوى. وهو بذلك “ملزم بالبتّ بالدعاوى في مهلة ثلاثة أشهر”. إلّا أنّ إضراب قرابة 450 قاضياً من أصل 520، منذ أربعة أشهر تقريباً، يؤخر البتّ في شكاوى العمّال. كما أن هناك دعاوى لا تزال في “الجوارير” منذ حوالى الخمس سنوات، وفق معلومات قضائية وصلت لـ”درج”. ويعود سبب ذلك ليس الى الإضراب فحسب، بل أيضاً الى قلّة أعداد الغرف نسبةً الى الدعاوى.

زيادة الأجور لم يحدّدها القانون

في الموازنة العامة للعام 2022، أُقرّت زيادة على رواتب موظفي القطاع العام المدنيّين والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين وجميع الأجراء في الدولة، بمقدار ثلاثة أضعاف، على ألا تقلّ عن خمسة ملايين ليرة لبنانية ولا تزيد عن 12 مليون ليرة. أما في القطاع الخاص، فصدر المرسوم 9129 بـ”تعيين بدل غلاء المعيشة للمستخدمين والعمال الخاضعين لقانون العمل” في 12 أيار/ مايو 2022. نصّت المادة الأولى منه على أنّ الشخص الذي كان يتقاضى راتباً يقل عن أربعة ملايين ليرة لبنانية، منذ آخر أجر تقاضاه في نهاية شهر أذار 2022، يضاف إليها حوالى مليون و325 ألفاً. لكن ذلك الأجر الذي يفوق الراتب نفسه، فتركه القانون لـ”الاتفاقات والمفاوضات الجماعية مع صاحب العمل”. وهذا القصور الذي تضمّنه القانون، فرض زيادة لكنّه لم يحدّدها. وبالتالي، يمكن صاحب العمل أن يضيف 50 ألف ليرة لبنانية مثلاً فقط بذريعة القانون. بناءً على هذا المرسوم، فإنّ الحد الأدنى للأجور في لبنان بات مليونين بعدما كان 675 ألفاً. وهو بالطبع ما لا يغطّي تكلفة المعيشة في لبنان. 

قانونياً، يستطيع العامل الذي تعرّض لصرف تعسّفي، اللجوء إلى مجلس العمل التحكيمي لتقديم شكوى. وهو بذلك “ملزم بالبتّ بالدعاوى في مهلة ثلاثة أشهر”.

يعيش عمّال لبنان تخبّطاً في ظل انخفاض الرواتب من جهة والصرف التعسّفي من جهة أخرى. بينما لم يحدّد لهم القانون أطراً واقعية تمكّنهم من حماية أنفسهم. وظهر في السنوات الأخيرة، ما يسمّى العمل الحرّ أو الـ”Freelance”، حيث لجأت مؤسسات كثيرة الى هذا النوع من العمل. والمفارقة أنّه مع الضعف الشامل في تجديد القوانين أو تعديلها، لم يصدر أي مرسوم يخص هذه الفئة من العمال، وهو ما يعرّضهم لمظالم كثيرة. “تواصلت مع منتج البرنامج التلفزيوني الذي كنت أعمل لديه مراراً وتكراراً، إلّا أنّه لم يستجب حتى اللحظة”، تقول لمى لـ”درج”. عملت الأخيرة “فريلانسر” في قناة تلفزيونية لنصف موسم لبرنامج تلفزيوني، إلّا أنّها منذ الشهر الثاني من عملها وحتى اليوم لم تتقاضَ مستحقّاتها. وقد “يئست” من هذا الواقع، خصوصاً أنّها كتبت أيضاً مقالات لحساب موقع إلكتروني، إلّا أنّها لم تأخذ أجرها. “فضّلت العمل في وظيفة براتب مليوني ليرة لبنانية على أن يؤكل حقّي”، تردف لمى. وتعتبر أنّه مع تفاقم الأزمة وغياب الحلول الواقعية، ليس هناك أي مخرج قانوني يعطيها حقّها لأنّها “تتعذّب عالفاضي”. وسبق أن سُرّح صحافيون من صحيفة “ديلي ستار” بسبب “إقفال المؤسسة”، حيث لم يتقاضوا رواتب ما يفوق الستّة أشهر. “يوم 31 تشرين الأول/ أكتوبر هو آخر يوم عمل  لكم”، بهذه الطريقة صرفت الإدارة موظّفيها من دون أي مهلة أو إنذار، وهو ما أثار استياءً كبيراً بين الموظفين.

على مشارف العام 2023، يعيش عمّال لبنان تحديات كبيرة وظلماً في ظل التعسّف الذي يطاول حقوقهم ومعيشتهم. فالواقع اللبناني اليوم أرخى بثقله على كاهل هذه الفئة تّحديداً، خصوصاً أولئك الذين يعيلون عائلاتهم. فيما تغيب المخارج القانونية التي تُنصِف العمّال، وتم الاكتفاء بترقيع مراسيم غير واضحة يستغلّها أرباب العمل. 

إقرأوا أيضاً: