fbpx

لا عدالة لطفلةٍ تُقتل وتُعذّب في اليمن

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما زالت جثة الطفلة اليمنيّة إصباح في ثلاجة الموتى بعد عام على مقتلها، بينما إخوتها الجناة طُلقاء بعدما برّأهم القضاء بذريعة جريمة الشرف

مرّ أكثر من عام على قضية إصباح التي شغلت الرأي العام اليمنيّ، الفتاة ذات الـ14 عاماً، التي قتلها أخوتها الثلاثة ووثّقوا قتلها بكاميرا الموبايل، وما زالوا طلقاء حتى هذه اللحظة. أما جثة إصباح ففي ثلاجة الموتى،  تنتظر أن تدفن وتعاد لها كرامتها وحقّها بالعدالة. نتابع في هذا التقرير تفاصيل الجريمة، وتقرير الطب الشرعي، ومصير “المُتهمين” الذين لم ينالوا ما يستحقون.

توجّهنا بداية إلى عبدالعزيز يحيى المهدي، الأخ غير الشقيق للطفلة إصباح، الذي يخبرنا حزيناً، مكسور الخاطر عن محاولاته لاستعادة حق أخته المقتولة فيقول: “حاولنا أنا وشقيقي جمال  بكل جهدنا، أن نأخذ حق إصباح ممن ظلموها وقتلوها، وشارعنا بالمحاكم وبحقوق الإنسان، أختي إنسانة ولا يجوز ما حدث لها، هي أصغرنا سناً، توفيت والدتها وهي  في  سن الرابعة، ودرست عاماً واحداً فقط ثم أُجبرت على التوقف عن الدراسة”. 

قتلةُ الطفلة إصباح طلقاء، حكم القضاء اليمني ببراءتهم لارتكابهم “جريمة شرف” نجّاهم من العدالة، بينما جثة إصباح في البراد منذ عام بانتظار أن توارى التراب.


تعرّف عبدالعزيز على أخته إصباح وهي في سن العاشرة، بعد أن رجع من غربته، حينها كان يعيش في قريتهم في صعفان بحراز، ضمن منزل واحد مع زوجته وأولاده وأخوته سلطان وشهاب وصديق وزوجاتهم، وأخواته البنات من جهة والده،  إصباح وهاجر وشقيقَي تهاني، أما والده فلا يعرف إصباح حقاً، كونه مغترباً ويعمل في السعوديّة منذ زمن طويل.

عاشت إصباح مع أخوتها وأخواتها، كانت تعمل في المنزل والزراعة وجمع الحطب منذ صغرها، وبسبب تفاقم المشاكل بين الأخوة بسبب الزراعة والمحصول، انتقل عبدالعزيز إلى صنعاء، ولم يتواصل مع أخواته البنات أبداً، لأن إخوته الرجال، لم يسمحوا لنساء الأسرة بحيازة أي وسيلة للتواصل.

“الأفعى” التي قتلت إصباح

علم عبدالعزيز بظلم إخوته الرجال بحق أخواتهم، وبعد فترة وصله الخبر الصادم “إصباح ماتت… لدغها حنش”، لم يكتف أخوة عبدالعزيز بهذا السبب، بل أعلموه بأنهم سيقومون بإجراءات الدفن وحدهم، ولن ينتظروا حضوره وأخويه الآخر لوداعها قبل أن توارى إصباح التراب. 

اتجه عبدالعزيز وأخوه إلى المنزل في القرية فوراً، هناك وجد أخته مكفّنة، ولاحظ تغير لون بشرة وجهها، ووجود بقع سوداء على أجزاء مختلفة من جسدها، لم يجبه أحد حين سأل عن السبب، يقول: “غسّلتها خالتها أخت أمها، وأخفت ما شاهدته على جسدها من آثار التعذيب”. أصر عبدالعزيز على أن يكشف عليها بمرافقة أخته هاجر، حينها كانت المفاجأة: “وجدنا كسوراً في رقبتها وكتفها، وآثار حبال على قدميها ورقبتها، وعلامات ضرب بأدوات حادة ومؤلمة على مختلف أنحاء جسدها”. 

جريمة مروّعة  أمام أعين الأسرة

حصلنا على  تقرير الطبيب الشرعي  المفصّل من مكتب النائب العام، وفيه التالي: “الجثة في المرحلة المتوسطة من التعفّن، ويوجد بها سحجه حيوية لرباطٍ ضاغطٍ حول العنق، أظافرها مزرقّة والكدمات وآثار الآلات الحادة بسائر الجسد”، تعفُّن الجثة لم يتح للأطباء إجراء تشريح كامل، وبعد الاطلاع على صورة الجثة، تأكدنا من الحالة التي وصفها عبدالعزيز وما أشار إليه الطبيب الشرعي.

يشير تقرير النيابة العامة الذي حصلنا على نسخة منه، إلى اشتراك سبعة أشخاص في الجريمة، هم أشقاؤها الثلاثة، سلطان وترافقه زوجته سوسن طوال اليوم الذي عذّب خلاله الطفلة إصباح، وشقيقاها شهاب وصديق، أما أختها تهاني فكانت موجودة وصامتة لخوفها من أن تلقى  مصير إصباح، فيما قامت خالتها بغسلها وتكفينها والمساهمة في التستر على الجريمة، ويشير التقرير أيضاً إلى أن والد إصباح على تواصل مع القتلة طوال الوقت كما ورد في تقرير النيابة العامة. 

نقرأ في التقرير أن إصباح “تعرضت لأشد أشكال التعذيب النفسي والجسدي، والضرب المبرح باستخدام الأيدي والأرجل والأسلاك الحديدية والمطاطية، والخنق برباط ضاغط”، كما يشير أيضاً إلى قيام الأخوين سلطان وشهاب، “بافتعال جرح حول رقبة الجثة وتعليقها من رقبتها بواسطة قطعة قماش إلى السقف”.

          صورة  من تقرير  الطب الشرعي للضحية

براءة “القتلة” بحجّة غسل العار

حاول عبدالعزيز أن يساعد في تزويج أختيه هاجر وتهاني، معتقداً أن ذلك قد يساعدهنّ على الخلاص  من بطش إخوتهم الشباب، قتلة إصباح. في الوقت ذاته، تابع مسار العدالة مطالباً بمحاسبة القتلة، ليكتشف التالي:”اتهموا أختي بشرفها  وبأنها أقامت علاقة مع طفل لا يتجاوز العشرة أعوام، رغم أنهم قاموا بفحص عذريتها وتأكدوا من عدم إقامتها أي علاقة بحسب تقرير الطب الشرعي”. 

قررت المحكمة تصنيف ما حصل كـ”جريمة شرف”، المهرب القانونيّ  الذي ينتصر لقيم الرجولة والقبيلة، فقتل النساء “تطهير” للسمعة، وغسل للعار، في حال اغتصبت الفتاة أو  “زنت”، وفق المصطلح القانوني في المادة 232 من قانون الجرائم اليمني.

تزداد المأساة عمقاً حين يخبرنا عبدالعزيز بنتائج المحاكمة: “جاء الحكم بالإعفاء عن والدي وإخوانها بموجب قانون العقوبات، لم يبق في السجن سوى شقيقي سلطان، لكنهم ما زالوا يحاولون إخراجه من السجن، بينما إصباح ما زالت حتى اليوم في ثلاجة الموتى، ولم نقدر حتى الآن أن ندفنها لأن القانون لا يسمح لي باستلام جثتها بحكم أنني لست أخاها الشقيق، وبأن الأخوة الأقرب إليها يجب عليهم استلام الجثة”.  

ثغرات قانونيّة تحمي المجرمين

تشير هدى الصراري، محامية ومؤسسة منظمة (دفاع للحقوق والحريات)، إلى قصور القوانين في اليمن، واستغلال الجناة الثغرات القانونيّة لتفادي العدالة، إذ تنص المادة 59 من قانون الجرائم والعقوبات في اليمن على التالي: “لا يقتص من الأصل بفرعه، وإنما يحكم بالدية أو “الأرش” على حسب الأحوال”.  فيما تنص المادة 232 من قانون الجرائم: “إذا قتل الزوج زوجته هي ومن يزني بها حال تلبسهما بالزنا، أو اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو عاهة، فلا قصاص في ذلك، وإنما يعزر الزوج بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة، ويسري ذات الحكم على من فاجأ إحدى أصوله أو فروعه أو أخواته متلبسة بجريمة الزنا”. 

لا عقوبة صارمة على المجرم كما نقرأ في نص المادتين، تعلق الصراري على المادتين السابقتين بقولها: “تم مزج القانونين معاً، وأصبح المجرم قادراً على ارتكاب جريمته، والنفاد منها بكل سهولة ويسر، لكن يبقى هناك الحق العام، أي أن ترفع النيابة قضية على الجاني وتأخذ حكماً بالحق العام، لكنْ هناك قصور في تطبيق القانون والمعايير المأخوذة منه”.

العنف الأسري والتواطؤ على “القتل”

أماط التحقيق اللثام عن تفاصيل جديدة في الجريمة، كان الأب المُغترب يـرفــض تزويج بناته إن تقــدّم أحد لخطبتهنّ، تقول إحدى شقيقات الضحيـة: “كلمة اقتل ابنتك أهون على أبي من زوج ابنتك”،كما أخبرتنا شقيقة إصباح مؤكدة كلام أخيها عبدالعزيز، بأنها رأت جسد أختها المقتولة غامقًا للغاية، وأسلاكاً كهربائية وأدوات أخرى أمام الجثة”.

تكشف هذه القضية عن نموذج العنف الأسري، يبدأ الأمر بالحرمان من الزواج، ثم الاستغلال، ثم تلفيق تهمة، يليها التعذيب والقهر، ثم التواطُؤ على القتل أمام أعين الأسرة بأكملها، لينتهي الأمر أمام القضاء كـ”جريمة شرف” لا مجرم فيها، بحكم القانون نفسه. 

حكاية إصباح واحدة من المئات التي لا نعرفها، حكايات تخفيها الأسر، ويحسمها القضاء لمصلحة الجناة، ولا توجد بيانات كافية حول ظاهرة العنف الذي تتعرض له النساء والفتيات في المجتمع اليمني، في الحياة العامة أو داخل العائلات. ويتم التعامل مع العنف الأسري عموماً، على أنه شأن أسري خاص، يحدث داخل حدود المنزل ولا يجوز أن يتدخل الآخرون فيه، خصوصاً أن المجتمع والنظام القضائي يسلمان بسلطة الرجل “أب، زوج، أخ”، على المرأة “أم، زوجة، أخت”، وحياتها وممتلكاتها.

                    بيانات من دراسة جدران هشه الصادرة عن منظمة مواطنة عام 2022

تتجلى سلطة المجتمع الذكوري بوضوح في مأساة إصباح، حيث تتواطأ مؤسسة الأسرة مع المؤسسة القضائية والأخلاق العامة، لتشكيل ممر آمن للرجال في حال ارتكابهم جرم التعنيف الجسدي أو القتل، خصوصاً أن علاقة “أصل وفرع”، المنصوص عليها في المادة 59، ذات مرجعية دينيّة، تساهم في ترسيخ هذه الجرائم، فلا يحاسب أصل على ما اقترف بحق فرع، لأن الأول سبب حياة الثاني، وهي قراءة دينيّة غير متّفق على “عدالتها”.

لا يوجد قانون خاص بالعنف الأسري في اليمن، وتخضع حوادث العنف الأسري لأحكام عامة في القانون الوطني، والتي تتضمن أحكاماً تمييزية عدة تسمح وتتسامح مع قتلة النساء اليمنيات، اللواتي لم تكن أولهنّ إصباح، ولا آخرهن العنود، أو سميحة الأسدي أو عشرات الأخريات اللواتي دفعن حياتهنّ ثمناً لانعدام العدالة. 

أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج يضم صحافيات وصحافيين من العراق واليمن وغزة من تنظيم الجامعة الأميركية في بيروت وبدعم من International Media Support