fbpx

الذكرى الثالثة لمقتل سليماني:
المحتجّون يشهرون شعار المحاسبة في وجه النظام

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في أعقاب وفاة سليماني، دشنت الحكومة في طهران، موقعاً للحج الافتراضي إلى ضريح قائد فيلق القدس. ثم خُصِّص نحو 12 قطاراً استثنائياً، في الفترة من 10 إلى 16 كانون الثاني، ينتقل بـ”الحجيج” من العاصمة الى المدينة الواقعة في جنوب شرقي البلاد.

مع الذكرى الثالثة لاغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني (3 كانون الثاني/ يناير 2020)، الذي حدث في ذروة الصراع الخشن بين إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب وإيران، فإنّ محاولات صناعة البطل القومي وتعميمه كنموذج ثوري في “الجمهورية الإسلامية”، تتعرّض لإخفاقات جمّة.

الذكرى الثالثة لاغتيال قائد فيلق القدس السابق، تتزامن مع الاحتجاجات المندلعة في إيران بعد مقتل الفتاة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، على يد أفراد دورية “شرطة الأخلاق”. فيما يواصل المحتجون نشاطهم ضد رموز النظام، السياسية والدينية والأمنية العسكرية. فأحرق المتظاهرون صور سليماني ولافتات تحمل اسمه وتماثيل له في مدن مختلفة، منها مسقط رأسه.

لأكثر من عقدين، ظل الجنرال الإيراني متسيّداً المشهدين السياسي والعسكري. وتخطى دوره المباشر في تأسيس الميليشيات الولائية وهندستها، من لبنان مروراً بسوريا إلى العراق وحتى اليمن، إلى المساهمة في تغلغل وجود طهران الجيوسياسي، وتحقيق مبدأ “تصدير الثورة”. فضلاً عن نفوذه القوي الذي ملأ به مساحات أخرى في السياسة الخارجية الإيرانية بشخصيته الصلبة.

وفي صيف 2022، كشف تسريب صوتي لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (تم التسريب أثناء المنافسة المحتدمة بين أطراف النظام على الانتخابات الرئاسية)، عن طبيعة القوة التي كان يحوزها سليماني وحجمها. بل ومقدرته على تقليص، أو بالأحرى ضبط الحدود المسموح بها، لدور وزير الخارجية الذي يعادل “صفراً”، على حد تعبيره، وذلك من أجل مكانة جهاز الحرس الثوري ومصالحه ورؤيته. 

وقال ظريف أنّ سليماني كان سبباً في فشل الاتفاق النووي، وتعطيل دور الديبلوماسية في أكثر من ملف. 

وأوضح ظريف أنّه “في كل مرة تقريباً ذهبت فيها للتفاوض مع (الدول الكبرى)، كان (سليماني) يطلب مني أن أقدم هذا التنازل أو ذاك أو أثير نقطة ما. وكان يفرض شروطه عند ذهابي إلى أيّ تفاوض مع الآخرين في شأن سوريا، وأنا لم أتمكّن من إقناعه بطلباتي. مثلاً، طلبت منه عدم استخدام الطيران المدني في سوريا ورفض”.

وألمح وزير الخارجية الإيراني، في التسجيل المسرّب، إلى أنّ الجنرال سليماني كان يضع الأولوية القصوى للحسابات الميدانية والاستراتيجية. وبالتالي، يعمد إلى تطويع الديبلوماسية لتحقيق أغراضه الأمنية والعسكرية. فلم ينجح آنذاك ظريف في “المطالبة بأيّ قائد عسكري يفعل شيئاً ما لمساعدة الجهود الديبلوماسية”، لافتاً إلى أنّ “النجاح على الساحة العسكرية كان أهمّ من نجاح الديبلوماسية. فكنت أتفاوض من أجل النجاح على الساحة العسكرية”.

وفي ما يتصل بإسقاط الطائرة الأوكرانية، الذي تورّط فيه الحرس الثوري، قال ظريف: “قلت (في اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي) إنّ العالم يقول أنّ صواريخ أسقطت الطائرة. وإذا كان هذا ما حدث أبلغونا كي نرى كيف نستطيع تسوية الأمر”، وأردف: “قالوا لي: لا، إذهب، غرّد على تويتر وأنكر ذلك”.

وأردف: “في الجمهورية الإسلامية الميدان العسكري هو الذي يحكم. ولقد ضحيت بالديبلوماسية من أجل الميدان العسكري، بدلاً من أن يخدم الميدان الديبلوماسية، وهيكلية وزارة الخارجية هي ذات توجّه أمني غالباً”.

لأكثر من عقدين، ظل الجنرال الإيراني متسيّداً المشهدين السياسي والعسكري. وتخطى دوره المباشر في تأسيس الميليشيات الولائية وهندستها، من لبنان مروراً بسوريا إلى العراق وحتى اليمن.

طغت شخصية سليماني في أعقاب الربيع العربي، لا سيّما مع حضوره اللافت ودور الميليشيات الإيرانية في سوريا والعراق واليمن. وكانت الحسابات الجيوستراتيجية التي فرضها الواقع السياسي الجديد في المنطقة قد عزت بالرئيس السابق للمخابرات الإسرائيلية (الموساد)، تمير باردو، إلى القول إنّ “حياة سليماني المهنية يمكن تقسيمها إلى مرحلتين… فحتى الربيع العربي، كان قائد قوة لديها فروع في مناطق عدة حول العالم، نشطة في شكل أساسي في سوريا ولبنان والعراق، لكن في نهاية المطاف إنّها منظمة سرية هدفها الأساسي هو الإرهاب”.

وعام 2008، باغتت رسالة نصية على هاتف الرئيس العراقي، آنذاك، جلال طالباني، قائد القيادة المركزية الأميركية، في حينها، الجنرال ديفيد بتريوس. وكان على الطرف الآخر قاسم سليماني الذي قال في رسالته: “عزيزي الجنرال بتريوس، عليك أن تعلم أنّني، قاسم سليماني، أتحكم في سياسة إيران الخاصة بالعراق ولبنان وغزة وأفغانستان. وبالفعل، فإنّ السفير في بغداد عضو في فيلق القدس، وأنّ الشخص الذي سيحل محله هو عضو في فيلق القدس أيضاً”.

هذه الخلفية الضخمة للقيادي السابق في الحرس الثوري قد راكمتها أدواره الهائلة والمتفاوتة، منها ظهوره الميداني اللافت في مناطق النزاع بالإقليم، خلال العقد الأخير، كما هي الحال في حلب بسوريا، عام 2016، إضافة إلى شخصيته التي جمعت خصائص كثيرة جعلت غيابه نقطة فاصلة في واقع الميليشيات، تحديداً في ما يتّصل بمدى التزامها وتبعيتها لطهران.

وقد حدثت فجوة مع القائد الذي خلف سليماني. إذ لم ينجح إسماعيل قاآني في تجسير علاقته وتمتين صلاته بالقيادات الميليشياوية في العراق، مثلاً. بل إنّ الفصائل التابعة لـ”الحشد الشعبي” رفضت مطالبه بالتهدئة مراراً، ووقف استهداف الأرتال العسكرية الأميركية.  

إلى ذلك، لم يفلح النظام، في إيران، في تحقيق أهدافه الدعائية، سواء الانتقام من عملية اغتيال سليماني، أو بعث صورته من خلال التعبئة والحشد المتواصلين، وتحويلها إلى سردية رسمية ضمن المتخيل السياسي للملالي الذي يحظى بقداسة متوهمة. فخطط الحكومة، التي تتولى الأجهزة المحلية والمؤسسات الرسمية تنفيذها، لم تصل إلى النتائج المطلوبة وتصطدم بالحقائق الأخرى في سيرة الجنرال الدموية. 

في أعقاب وفاة سليماني، دشنت الحكومة في طهران، موقعاً للحج الافتراضي إلى ضريح قائد فيلق القدس. ثم خُصِّص نحو 12 قطاراً استثنائياً، في الفترة من 10 إلى 16 كانون الثاني، ينتقل بـ”الحجيج” من العاصمة الى المدينة الواقعة في جنوب شرقي البلاد، وفق وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إيسنا). فضلاً عن تنسيق مسيرات تماثل أربعينية الحسين، في إيران والعراق، خلال الأسبوع الذي يسبق ذكرى سليماني.

غير أنّ الذكرى الثالثة، كما سابقتيها، غلب عليها الطابع الرسمي، إضافة إلى استمرار الاحتجاجات الشعبية التي هاجمت المرشد الإيراني وعمدت إلى إحراق صور سليماني وهدم تماثيله مع رموز “آيات الله”. وقال الناطق باسم القضاء الإيراني، مسعود ستايشي، أنّ “قضية مقتل قاسم سليماني تضم 154 شخصاً من المدعى عليهم، 96 منهم أميركيون وتتم ملاحقتهم قانونياً”.

وتابع ستايشي: “أرسلنا إشعاراً قضائياً إلى عناوين 96 متهماً أميركياً”.

ووفق وكالة مهر للأنباء، فإنّ القائد العام لحرس الثورة الإسلامية اللواء حسين سلامي، زار راهناً ضريح الشهيد الفريق الحاج قاسم سليماني، في مقبرة “روضة الشهداء” في مدينة كرمان جنوب شرقي إيران.

ورافق اللواء حسين سلامي، في هذه الزيارة، مساعد الشؤون التنسيقية لرئيس منظمة تعبئة المستضعفين ومجموعة من القادة العسكريين والمسؤولين المدنيين.

ويبدو أنّ هناك انقسامات حادة وحالة استقطاب قصوى في ما يخص إحياء ذكرى سليماني في العراق، حتى في ظل حكومة محمد شياع السوداني، المقرب من طهران، والذي جاء بعد رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي الذي اتهمته فصائل “الحشد الشعبي” (عندما كان يتولى رئاسة جهاز الاستخبارات العراقية)، بالضلوع في عملية الاغتيال ونقل معلومات إلى الجانب الأميركي. 

وعلى رغم حديث رئيس مجلس القضاء الأعلى، في العراق، القاضي فائق زيدان، عن أنّ القضاء العراقي أصدر مذكرة توقيف بحق ترامب على خلفية الهجوم الذي استهدف سليماني، وأنّ القضاء “لن يتردد في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق من يثبت عليه دليل مشاركته في عملية الاغتيال”، إلا أنّ تغريدات سياسيين عراقيين رفضت هذه التصريحات، ومنهم مثال الألوسي العضو السابق في البرلمان العراقي. وغرّد الألوسي، معتبراً أنّ الأمر سيؤدي إلى الإضرار بمصالح العراق وعلاقته قوية مع الولايات المتحدة.

وأضاف: “خبرتي علمتني أنّ هذا لا يسر حتى إدارة بايدن (الرئيس الأميركي جو بايدن)، وسيفهم الأمر تصعيداً غير مناسب وفي شكل قد ترد به واشنطن على المصالح الوطنية العراقية، مع قرب زيارة السوداني لواشنطن”. كما نفت الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي تحويل ذكرى سليماني إلى يوم عطلة رسمية. 

وفي المحصلة، فإنّ بصمة الجنرال الإيراني تبدو ثقيلة، محلياً وإقليمياً. هذه البصمة تعني جرائمه، وهي “جرائم حرب” في كثير من فصولها، عدّها النظام الإيراني بطولات لحماية مصالح النخبة الحاكمة منذ عام 1979. حتى إن المرشد الإيراني قد أدان، في أول خطبة له في صلاة الجمعة بعد 8 سنوات، المتظاهرين، ووصفهم بـ”بضع مئات ممن أهانوا صورة الجنرال سليماني”. وقال إنّهم “لا يمثلون الشعب الإيراني”.

يكاد لا يختلف موقف سليماني في قمع الاحتجاجات الإيرانية عما قام به في احتجاجات “تشرين” العراقية.

تفاوتت عمليات هندسة القمع الوحشي بوساطة سليماني، في إيران كما في العراق أو سوريا، في محطات تاريخية متفاوتة. واعترف القائد السابق للحرس الثوري محمد علي جعفري، بأنّ “قاسم سليماني كان يحضر جلسات قيادة الحرس الثوري في شكل متكرر أثناء احتجاجات الطلاب عام 1999، واحتجاجات 2009، وكان دوره مؤثراً في إخماد الاضطرابات”.

وتابع: “شهدنا حضوره مرات عدة في قاعدة “ثار الله” (الأمنية) أيام الفتن، حيث كان يشارك أيضاً في القضايا السياسية من خلال نفوذه وتأثيره في الخواص (القيادة الإيرانية)”.

كما هدد سليماني الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي، في حال لم يتمكن من إنهاء موجة الاحتجاجات الطالبية خلال فترة حكمه، مطلع الألفية.

وظل الموقف الدموي للقيادي السابق في الحرس الثوري في الفترات اللاحقة ضد الحوادث الاحتجاجية بإيران من دون توقف. بينما وصفها بـ”الفتنة” التي يقودها “العدو”. ففي خطاب له عام 2018، من مسقط رأسه في كرمان، زعم أنّ “الشعب الإيراني قد أحبط جميع الفتن بما فيها فتنة 2009 وتلك الفتنة الأخيرة (احتجاجات كانون الثاني 2018) التي أثارها العدو مستغلاً بروز بعض الاستياءات”.

ويكاد لا يختلف موقف سليماني في قمع الاحتجاجات الإيرانية عما قام به في احتجاجات “تشرين” العراقية. وقد نقلت وكالة “أسوشييتد برس” في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2019، عن اثنين من كبار المسؤولين العراقيين، لم تفصح عن هويتهما، أنّ سليماني قال لهما في اجتماع “سري” مع قوات الأمن في بغداد: “نحن في إيران نعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات”.

إقرأوا أيضاً: