fbpx

ما دور إسرائيل في رفض جامعة هارفارد عضوية الأب الروحي لحقوق الإنسان؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قال المدير السابق لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” كينيث روث إن رفض زمالته في جامعة “هارفرد” يأتي في سياق محاولة لإعادة تعريف مفهوم “معاداة السامية” وحصرها فقط بانتقاد إسرائيل.

بمجرد أن أعلن كينيث روث في نيسان/ أبريل نيّته التنحي عن رئاسة منظمة “هيومن رايتس ووتش”، تواصلت معه سوشما رامان، الرئيسة التنفيذية لمركز “كار لسياسات حقوق الإنسان” التابع لكلية كينيدي في جامعة هارفارد، وعرضت عليه أن يصبح زميلاً أولاً في المركز. بدا العرض مناسباً تماماً. فخلال رئاسة روث المنظمة لمدة 30 سنة، زادت ميزانيتها من 7 ملايين دولار إلى 100 مليون دولار تقريباً، وارتفع عدد موظفيها من 60 إلى 550 موظفاً يعملون في أكثر من 100 دولة. وقد وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” روث بأنه “الأب الروحي” لحقوق الإنسان، في إشادة عامة بمسيرته المهنية الطويلة في هذا المجال، وأشارت إلى أن روث “كان مصدر إزعاج مستمر للحكومات الاستبدادية، من خلال فضح انتهاكات حقوق الإنسان بتقارير بحثية مُوثّقة أصبحت من اختصاص المنظمة وعلامة مميزة لها”. أدّت منظمة “هيومن رايتس ووتش” دوراً بارزاً في تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، وساهمت في التأكد من إدانة الرئيس الليبيري السابق تشارلز تيلور، ورئيس البيرو السابق ألبرتو فوجيموري، ورئيس جمهورية صرب البوسنة رادوفان كاراديتش وقائد الجيش راتكو ملاديتش (خلال المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة).

تعاون روث مع المركز منذ تأسيسه عام 1999. وشارك في مناقشة مع مايكل غرانت إغناتييف، مدير المركز آنذاك، حضرها 300 شخص عام 2004. دارت المناقشة حول ما إذا كان الغزو الأميركي للعراق يعتبر تدخلاً إنسانياً أم لا (قال إغناتييف أنه يعتبر تدخلاً إنسانياً بالفعل، في حين نفى روث ذلك). وقد أدارت المناقشة سامانثا باور، وهي من مؤسسي المركز.

في اجتماع عبر الإنترنت مع رامان وماتيس ريس، مدير أعضاء هيئة التدريس في مركز “كار”، قال روث أنه مهتم بالفعل بأن يصبح زميلاً، وأنه ينوي تأليف كتاب عن تجربته في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، وكيف بإمكان مجموعة صغيرة نسبياً من الناس التأثير في حكومات، وأنه سيستفيد من المرافق البحثية التابعة للمركز. وفي 7 أيار/ مايو، أرسلت له رامان عرضاً رسمياً، ووافق روث مبدئياً في 9 حزيران/ يونيو على الانضمام إلى المركز. لهذا أرسلت رامان العرض إلى مكتب العميد دوغلاس إلمندورف للموافقة عليه، وهو أمر من المفترض أن يكون مجرد إجراء شكلي. وفي 12 تموز/ يوليو، أجرى روث محادثة فيديو مع إلمندورف (وهو خبير اقتصادي كبير سابق في مجلس المستشارين الاقتصاديين ومدير مكتب الميزانية في الكونغرس) للتعريف بنفسه والإجابة عن أي استفسارات لديه.

لكن بعد أسبوعين، أخبر إلمندورف بعدم موافقته على زمالة روث في المركز.

فوجئ المركز بهذا الرفض. وقالت كاثرين سيكينك، أستاذة سياسات حقوق الإنسان في كلية كينيدي، “توقعنا أن يكون زميلاً مميزاً”. بوصفها أكاديمية رائدة في هذا المجال، التحقت سيكينك بمركز “كار” منذ 9 سنوات، ولم يحدث شيء من هذا القبيل خلال هذه الفترة على الإطلاق. فقد ذكرت أن المركز استضاف ناشطين بارزين آخرين في مجال حقوق الإنسان، بمن فيهم ويليام شولز، المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة منذ عام 1994 حتى عام 2006، وسليل شيتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية في الفترة بين عامي 2010 و2018.

أكثر ما أثار دهشة سيكينك هو السبب وراء رفض العميد، ألا وهو إسرائيل. فقد قيل لها أن منظمة “هيومن رايتس ووتش” منحازة ضد إسرائيل، وأن تغريدات روث عن الأخيرة تدعو إلى القلق. فوجئت سيكينك، فقد “دأبت” على الاستعانة في أبحاثها بتقارير أعدتها منظمة “هيومن رايتس ووتش”، ولم تنتقد المنظمة إسرائيل فحسب، بل انتقدت أيضاً الصين والمملكة العربية السعودية، وحتى الولايات المتحدة.

أكثر ما أثار دهشة سيكينك هو السبب وراء رفض العميد، ألا وهو إسرائيل.

تناولت سيكينك هذه النقطة في رسالة بريد إلكتروني مفصّلة أعدتها للعميد، تهدف إلى تفنيد تهمة التحيّز ضد إسرائيل. وقد استعانت بمؤشر الإرهاب السياسي، وهو مقياس سنوي للإرهاب السياسي الذي تمارسه الدولة يُعدّه فريق من جامعة “نورث كارولينا” في آشفيل. ويصنّف الدول على مقياس من 1 إلى 5، من الأقل قمعية إلى الأكثر قمعية، وذلك وفقاً لعدد حالات الاعتقال السياسي والإعدامات التعسفية والتعذيب وما شابه. ويميز الفريق سجل كل دولة وفق تقارير حقوق الإنسان السنوية التي تعدها وزارة الخارجية الأميركية و”منظمة العفو الدولية” ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”.

وفي كل عام، سجلت إسرائيل والأراضي المحتلة 3 أو 4 درجات على المؤشر، ما يضعها في المركز ذاته مع أنغولا وكولومبيا وتركيا وزيمبابوي، وهو “سجل سيئ للغاية”، على حد قول سيكينك. وأجرت مزيداً من المقارنة بين تقييم منظمة “هيومن رايتس ووتش” وتقييم منظمة العفو الدولية ووزارة الخارجية الأميركية، ووجدت أن الثلاثة “متماثلون بدرجة كبيرة”. وتقول سيكينك، أن البيانات أظهرت باختصار أن “منظمة “هيومن رايتس ووتش” ليست منحازة على الإطلاق ضد إسرائيل”، وأن التوصل الى استنتاج آخر يعد نوعاً من “التضليل”. وقد أرسلت نتائجها إلى إلمندورف، الذي قال أنه قرأ رسالتها الإلكترونية لكنه لن يعيد النظر في قراره.

لفهم سياق هذا القرار، أطلعتني سيكينك على مقال نشره بيتر باينارت في صحيفة “نيويورك تايمز” في 26 آب/ أغسطس بعنوان “هل ضلت مكافحة معاداة السامية طريقها؟”، وكتب باينارت، “على مدار الـ18 شهراً الماضية، انتهجت أهم المنظمات اليهودية في أميركا أسلوباً غريباً. فقد اتهمت منظمات حقوق الإنسان الرائدة في العالم بالحض على كراهية اليهود”. وذكر باينارت أنه بعدما أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريراً في نيسان 2021 يتّهم إسرائيل بممارسة سياسة الفصل العنصري تجاه الفلسطينيين، ادعت اللجنة اليهودية – الأميركية أن تلك الاتهامات “تكاد تكون معاداة للسامية في بعض الأحيان”. وبعدما أصدرت منظمة العفو الدولية، في شباط/ فبراير 2022، تقريرها الذي اتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصري، توقعت رابطة مكافحة التشهير، وهي منظمة يهودية غير حكومية، أنه “سيؤدي على الأرجح إلى ازدياد معاداة السامية”. إضافة إلى ذلك، فقد أصدرت اللجنة اليهودية – الأميركية ورابطة مكافحة التشهير، بالمشاركة مع 4 مجموعات يهودية بارزة أخرى، بياناً يرى أن تقرير منظمة العفو الدولية كان متحيزاً ومغلوطاً، “ويشجع المعادين للسامية حول العالم الذين يسعون إلى تقويض الدولة اليهودية الوحيدة على وجه الأرض”. وخلص بينارت إلى أنه من “المفارقة الرهيبة” أن هذه المجموعات استخدمت “حملة مكافحة (معاداة السامية)” بوصفها أداة “لمحاربة منظمات حقوق الإنسان الأكثر احتراماً في العالم”.

تعدّ هذه الاتهامات القائلة بأن منظمة “هيومن رايتس ووتش” معادية لإسرائيل غير جديدة. فعام 2009، وجَّه روبرت إل. بيرنستاين، الرئيس السابق لدار النشر الكبيرة “راندوم هاوس”، الذي أسس منظمة “هيومن رايتس ووتش” وكان رئيساً لها في الفترة بين عامي 1978 و1998، انتقادات لاذعة لها في مقال رأي نُشر في صحيفة “ذا تايمز”. وكتب أن مهمة المنظمة تتمثل في الأصل في “اختراق المجتمعات المغلقة والدفاع عن الحريات الأساسية ودعم المعارضين”، لكنها بدلاً من ذلك بدأت في “نشر تقارير عن الصراع العربي – الإسرائيلي تدعم من يرغبون في تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة”. ومع أن الشرق الأوسط “يزخر بأنظمة استبدادية تمتلك سجلات مروعة في مجال حقوق الإنسان”، فقد كتبت المنظمة تقارير “تدين انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي أكثر بكثير مما كتبته عن أي دولة أخرى في المنطقة”. (أنكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” ادعاءات بيرنستاين، ونوهت إلى أنها نشرت منذ عام 2000 أكثر من 1700 تقرير وغيرها من التحليلات الأخرى التي تتعلق ببلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي كانت الغالبية العظمى منها تتناول دولاً أخرى غير إسرائيل).

تعرضت المنظمة أيضاً لهجمات مستمرة من جيرالد شتاينبرغ، وهو أستاذ فخري في العلوم السياسية في جامعة “بار إيلان” في إسرائيل ورئيس منظمة “إن جي أو مونيتور” غير الحكومية. وعلى رغم أن اسمها يبدو حيادياً، إلا أن عمل منظمة “إن جي أو مونيتور”، منذ تأسيسها عام 2001، يكاد يقتصر على تتبع المنظمات غير الحكومية التي تنتقد إسرائيل، وعلى رأسها منظمة “هيومن رايتس ووتش”. فقد اتُهمت المنظمة “بالقيام بدور قيادي في شيطنة إسرائيل”، والسعي إلى تبني “أجندة مناهضة لإسرائيل” من شأنها المساهمة في كراهيتها، وأنها تُخفي تحيّزها السياسي خلف “خطابات حقوق الإنسان”. وجاء العنوان الرئيس لتقرير صدر في أيلول/ سبتمبر 2014، على النحو التالي: “هوس كينيث روث غير الأخلاقي المناهض لإسرائيل وحرب غزة”. وذكر التقرير أنه لأكثر من عقد، أدلى روث “بادعاءات كاذبة” حول إسرائيل، وحرَّف القانون الدولي باستمرار من أجل “الترويج لأهدافه الشخصية والأيديولوجية”. وكان الدليل على ذلك هو لائحة تضم أكثر من 400 تغريدة. (من الأمثلة على تلك التغريدات: “الهجمات الدقيقة التي تتباهى بها إسرائيل عند استهداف المباني والمنشآت المدنية مثل بيوت العائلات، ما هي إلا جرائم حرب واضحة”).

استاء شتاينبرغ وغيره من المدافعين عن إسرائيل من تقرير المنظمة الصادر عام 2021، والذي يتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصري. يسعى التقرير المكون من 217 صفحة من الوثائق التفصيلية والتحليلات القانونية، إلى إثبات أن ممارسات السلطات الإسرائيلية قد استوفت التعريف القانوني للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في ما يتعلق بالفصل العنصري والاضطهاد (الحرمان المتعمد والشديد من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي، لأسباب عرقية أو إثنية أو غيرها)، من خلال تتبع سياسات المواطنة في إسرائيل والأراضي المحتلة التي “تمنح امتيازات منهجية لليهود الإسرائيليين وتمارس التمييز ضد الفلسطينيين”. وتضمنت هذه السياسات تسهيل ترحيل اليهود الإسرائيليين إلى الأراضي المحتلة ومنحهم حقوقاً تفوق حقوق السكان الفلسطينيين، وعمليات المصادرة الواسعة النطاق لأراضٍ يحوزها أفراد فلسطينيون في معظم أنحاء الضفة الغربية، وبناء الجدار العازل “بطريقة تستوعب النمو المتوقع للمستوطنات”، يبدد ذلك كله فكرة “أن السلطات الإسرائيلية تعتبر الاحتلال موقتاً”.

خلاصة القول هي أن “هيومن رايتس ووتش” تحت قيادة روث، قد طبقت على السلطات الفلسطينية المعايير نفسها التي طبقتها على إسرائيل وحكومات أخرى عدة.

استغل شتاينبرغ الفرصة وانتقد المنظمة في جريدة “ذا جيروزاليم بوست”. وكتب أنه على رغم ادعاء المنظمة أن تقريرها استند إلى مواد جديدة، فإن “مجرد قراءة سريعة للتقرير تكشف عن المزيج المعروف نفسه من البروباغندا الصاخبة والادعاءات الكاذبة والتحريفات القانونية التي تروج لها شبكة المنظمات غير الحكومية منذ عقود”. فخلافاً للوحشية الممنهجة التي ميزت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يتمتع مواطنو إسرائيل غير اليهود، “بحقوق كاملة، بما في ذلك حق التصويت لاختيار ممثلين عنهم في الكنيست”. وانتقد شتاينبرغ، مؤلف التقرير، عمر شاكر، مستشهداً “بنشاطه السابق في الحرم الجامعي” وتحريضه على ما يسمى بنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، وهاجم روث أيضاً  لتزعّمهِ “حملة امتدت لـ20 عاماً” كانت السبب في استحضار فكرة “الفصل العنصري الإسرائيلي”.

يرفض روث مثل هذه الادعاءات ويقول أن معظم الأشخاص المُلمين بالشأن الإسرائيلي يعرفون أن منظمة “إن جي أو مونيتور”، “متحيزة للغاية”، وأنها “دائماً ما تعتبر أن الانتقادات الموجهة الى سجل إسرائيل في مجال حقوق الإنسان باطلة”. ويرى روث أن شتاينبرغ كان “غاضباً لأنني تجرأت على انتقاد إسرائيل مع أنني يهودي، وكان سبب اهتمامي بقضايا حقوق الإنسان هو فترة عيش أبي في ألمانيا النازية”. فقد هرب والده إلى نيويورك عام 1938 عندما كان في الثانية عشرة من عمره، ونشأ روث على سماع “حكايات حول هتلر”.

لم يلتفت شتاينبرغ في تصريحاته المتكررة ضد “هيومن رايتس ووتش” على الإطلاق، إلى التقارير والبيانات المتكررة التي أصدرتها المنظمة حول الانتهاكات والجرائم التي اقترفتها السلطات الفلسطينية. فمثلاً، في تقرير كتبه عمر شاكر، وصدر عام 2018 بعنوان “سلطتان، طريق واحد، صفر معارضة”، أكدت “هيومن رايتس ووتش” أنه “في السنوات الخمس والعشرين التي انقضت منذ حصول الفلسطينيين على درجة من الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، أنشأت سلطاتهم آليات من القمع لسحق المعارضة، وقد تضمنت تلك الآليات استخدام التعذيب”. واستناداً إلى تحقيق استمر عامين، وشمل مقابلات مع 147 محتجزاً سابقاً وأفراد عائلاتهم ومحاميهم وغيرهم، أورد التقرير 86 حالة تثبت أن “السلطات الفلسطينية تتبع روتين اعتقال الأشخاص الذين لا يروقها كلامهم السلمي، وتعذب آخرين وهم رهن الاعتقال”. وهذه الاعتقالات “تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان”، وهذا التعذيب “قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، إذ ما أخذنا في الاعتبار ممارسته الممنهجة على مدى سنوات”.

خلاصة القول هي أن “هيومن رايتس ووتش” تحت قيادة روث، قد طبقت على السلطات الفلسطينية المعايير نفسها التي طبقتها على إسرائيل وحكومات أخرى عدة. وأوضح روث هذه النقطة في محادثته بتاريخ 12 تموز مع إلمندورف. ويسترجع روث أنه بعد قوله هذا قال العميد إنه سيبدأ في مراجعة الزمالات عن كثب، وطرح على روث سؤالاً عما إذا كان لديه أي أعداء، فقال روث: “هذه صنعتي، تكوين العداوات”.

سيطول بنا المقال قبل أن ننتهي من سرد قائمة بأسماء هؤلاء الأعداء، لأنها قائمة طويلة بالفعل. فعام 2014، مُنع روث من دخول القاهرة بعد وصوله لنشر تقرير يشير إلى تورط مسؤولين مصريين كبار في القتل الممنهج للمتظاهرين. وعام 2020، مُنع من المرور في مطار هونغ كونغ بعد وصوله على خلفية صدور التقرير السنوي لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، وقد انتقد روث في مقالته الرئيسة سجل الصين في مجال حقوق الإنسان. وبالمثل، تعرض روث للتشويه والشجب من المملكة العربية السعودية، بسبب مطالب “هيومن رايتس ووتش” بالمساءلة والتحقيق في مقتل الصحافي جمال خاشقجي. كما حظره على “تويتر” رئيس رواندا بول كاغامه، بسبب تقارير “هيومن رايتس ووتش” عن الفظائع والممارسات القمعية التي ترتكبها حكومته، وأُدرج روث أيضاً على قائمة الأشخاص الذين وضعتهم روسيا تحت طائلة العقوبات بعد غزوها أوكرانيا.

وقد علق روث على حديثه مع إلمندورف: “لكنني كنت أعرف تماماً ما الذي كان يرمي إليه، إنها إسرائيل”.

ورداً على طلب للتعليق، كتب جيمس إف. سميث – الناطق باسم كلية “كينيدي” – “لدينا لائحة وإجراءات داخلية معتمدة ننظر من خلالها في قبول الزمالات والتعيينات الأخرى، ولا نعرض مداولاتنا حول الأفراد الذين قد يكونون مرشحين لأي منصب”، وحتى يومنا هذا، لم يقدم إلمندورف أي إشارة تفيد بهوية من اعترض على وجود روث في الكلية.

في 13 أيلول 2017، أعلن معهد السياسة التابع لكلية “كينيدي” أن تشيلسي مانينغ ستكون من بين زملائه الزائرين في ذلك الخريف. وكانت مانينغ خرجت من السجن في أيار/مايو بعد أن أمضت سبع سنوات لانتهاكها قانون التجسّس وجرائم أخرى تسبب فيها تسريبُها مئات الآلاف من الوثائق العسكرية والدبلوماسية السرية أو الحساسة. إلا أن مايكل موريل كان غاضباً، ويذكر أن موريل أمضى 33 عاماً في وكالة المخابرات المركزية، منها ثلاث سنوات نائباً لمدير وكالة المخابرات المركزية، وكان في وقت تعيين مانينغ زميلاً غير مقيم في كلية “كينيدي”. وفي اليوم التالي، أرسل إلى دين إلمندورف خطاباً يعلن فيه استقالته، كتب فيه: “لسوء الحظ، لا يمكنني أن أكون جزءاً من منظمة – كلية كينيدي – تُكرِّم مجرمة مُدانة بتسريب معلومات سرية”. (وفقاً لكاثرين سيكينك، خلال السنوات الأربع التي أمضاها في الكلية، دافع موريل في مناسبات عدة عن استخدام إدارة بوش للتعذيب، وأصر على أن ممارسات مثل الإيهام بالغرق لا تعتبر كذلك).

في وقت لاحق من ذلك اليوم، أبلغ مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو الجامعة بأنه يؤيد قرار موريل، وأنه في صدد إلغاء زيارته المقررة ذلك المساء لكلية “كينيدي”. ثم في وقت مبكر من اليوم التالي، أعلن إلمندورف أن الكلية شرعت في سحب الدعوة الموجهة إلى مانينغ “وما يصاحبها من الشرف الذي تمنحه هذه الدعوة لبعض الأشخاص”. ثمة شخصيتان مثيرتان للجدل غير مانينغ دعاهما معهد السياسة أيضاً للزمالة، وهما المسؤولان السابقان في إدارة ترامب: شون سبايسر وكوري ليفاندوفسكي، بيد أنهما لم يواجها المصير نفسه. بعد واقعة مانينغ، نشرت مجموعة من خريجي جامعة “هارفارد” عريضة على الإنترنت انتقدت فيها قرار إلمندورف، وقد حصلت العريضة على أكثر من 15000 توقيع؛ وجاء فيها: “لقد تخلت كلية “كينيدي” عن ميثاق الحرية الأكاديمية برضوخها لضغوط كبار المسؤولين الحاليين والسابقين في وكالة المخابرات المركزية”.

وعلى رغم الاختلافات بين تشيلسي مانينغ وكينيث روث- فالأولى متهمة بتسريب معلومات سرية وأُدينت بانتهاك قانون التجسس، بينما الأخير مدافع بارز عن حقوق الإنسان- فقد لقيا المصير نفسه؛ وقصتهما تضعنا أمام حقيقة أساسية حول كلية “كينيدي”؛ ألا وهي الوجود الطاغي والمهيمن لمجتمع الأمن القومي الأميركي وحليفه المقرب إسرائيل.

تعد كلية “كينيدي” إحدى الكليات الرائدة في العالم في مجال السياسة الحكومية والعامة، وهي تقدم كل شيء، من الدكتوراه ودرجات الماجستير في السياسة العامة والإدارة، إلى جلسات التدريب التنفيذي لمدة أسبوع واحد، والتي تكلف 10250 دولاراً، وتسمح للمشاركين بوضع سيرهم الذاتية في جامعة هارفارد. كما أنها ليست مؤسسة متماسكة وذات نسيج واحد، بل هي عبارة عن تكتل من الإقطاعيات والهيئات الحكومية التي تتعامل مع كل شيء، من حل النزاعات، والانتشار النووي، وتغير المناخ، إلى السياسة الحضرية، والتنظيم المالي، وتعبئة الناخبين. ومن بين أكبر المؤسسات التابعة لها مركز القيادة العامة، الذي يسعى إلى خلق “عالم أكثر إنصافاً وعدلاً”، كما تضم المؤسسات التابعة لها “مختبر القيادة والسعادة” (بقيادة آرثر بروكس، الرئيس السابق لمعهد “إنتربرايز الأميركي للأبحاث السياسية العامة”، والذي ألَّف كتباً مثل: Who Really Cares: The Surprising Truth About Compassionate Conservatism)؛ ومركز “مصفر رحماني للأعمال والحكومة”، والذي يجمع “قادة الفكر” من القطاعين العام والخاص لإنشاء “حاضنة للأفكار”، و”نشر الخيارات والحلول المستندة إلى السياسات” (تحت إشراف وزير الخزانة السابق لورانس سمرز)؛ ومركز “شورنشتاين للإعلام والسياسة العامة”، الذي يجمع الصحافيين والأكاديميين سنوياً من جميع أنحاء البلاد حول التحديات التي تواجه صناعة الأخبار. ولكل من هذه الهيئات زملاؤها الذين يقومون بمهماتهم بموافقة من العميد، الذي يرأس الكلية ككل.

ويعد مركز “كار”- الذي يضم 8 موظفين، و32 زميلاً- من بين أصغر الأقسام الفرعية في الكلية، وأقلها ميزانية، حتى صار بقاؤه واستمراره في العمل من عام إلى آخر محفوفين بالأخطار، وذلك لأن مهمته المتمثلة في تعزيز حقوق الإنسان وكشف انتهاكات الحكومة غالباً ما تكون غير مرحب بها لدى المؤسسات التي تتعامل مع السياسة الدفاعية والاستراتيجية العسكرية وجمع المعلومات الاستخبارية.

وفي هذه المساحة، يأتي مركز “بيلفر للعلوم والشؤون الدولية” في مقدمة تلك المعاهد المتخصصة بالسياسة الدفاعية، ويمكن أن تساعد نظرة على نشاطاته في تفسير سبب اعتبار روث صعب المراس الى درجة يصعب معها احتواؤه. حصل المركز على تصنيف أفضل مؤسسة فكرية تابعة للجامعة في العالم، في التقرير العالمي لمؤشر برنامج المراكز الفكرية ومنظمات المجتمع المدني لعام 2018 الصادر عن جامعة بنسلفانيا، ويضم المركز 56 موظفاً و12 برنامجاً للزمالة وأكثر من 225 خبيراً، منهم ما يقارب المائة في مجال الأمن والدفاع الدولي. كان المركز تحت قيادة غراهام أليسون من عام 1995 إلى عام 2017. وأليسون هو أستاذ الحكومة والإدارة في جامعة هارفارد، ومؤلف مجموعة من الكتب حول الأمن القومي، منها: جوهر القرار: شرح أزمة الصواريخ الكوبية (1971) Essence of Decision: Explaining the Cuban Missile Crisis، ويُعتبر أليسون العميد المؤسس لكلية “كينيدي”، والشخص الذي دعمها مالياً من الصفر (كما ساعد في إنشاء مركز “كار”).

عمل أليسون – الذي لا يزال يتمتع بحضور قوي في الكلية – في مجالس إدارة ناتيكسيس Natixis ولوميز سايلز Loomis Sayles ومجموعة هانسبرغر Hansberger Group (وجميعها تعمل في مجال الاستثمار وإدارة الثروات)، إضافة إلى مراكز توبمان (مطورو مراكز التسوق)، وبنك تشيس، وبنك كيميكال، ومؤسسة الطاقة الدولية، وجيتي أويل. وكان أيضاً عضواً في مجلس سياسة الدفاع لدى كل وزير دفاع في الفترة من كاسبار واينبرغر وحتى جون ماتيس (من 1981 وحتى 2018). وكان مستشاراً خاصاً لوزير الدفاع من عام 1985 إلى عام 1987، ومساعد وزير الدفاع للسياسة والخطط من 1993 إلى 1994. بعد هذه السيرة الحافلة، ليس من المستغرب أن المناصب التي تولاها أليسون ساعدت في جعل مركز “بيلفر” الذراع الافتراضية لمجمع الاستخبارات العسكرية.

بعد أليسون، أدار آش كارتر – وزير الدفاع المنتهية ولايته في إدارة أوباما – المركز منذ عام 2017 حتى وفاته المفاجئة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وخلال مسيرته المهنية التي استمرت 35 عاماً، كان كارتر عضواً في مختبر درابر |Draper، وخدم في مجالس إدارة شركة MITER، وميتريتك سيستمز |Mitretek Systems، ومختبر لينكولن التابع لمعهد “ماساتشوستس للتكنولوجيا”، الذي يضم جميع مقاولي الدفاع والباحثين في مجال الأسلحة والمتخصصين في أمور مثل الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب وحرب الطائرات من دون طيار، وتكنولوجيا الصواريخ. أما خليفة كارتر، إريك روزنباخ، فقد شغل منصب رئيس أركان البنتاغون من 2015 إلى 2017 ومساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن العالمي. وقبل ذلك، كان ضابط مخابرات حربية بالجيش، وقائد وحدة الاتصالات الاستخباراتية. ووفقاً لصفحة الويب الخاصة به، عمل روزنباخ بموجب عقدين لوكالة المخابرات المركزية (لم تُقدم تفاصيل عنهما) في عامي 2020 و2021.

يعد Intelligence Project إحدى أكبر وأهم مبادرات مركز “بيلفر”، والذي (وفقًا لموقعه على الويب) “يربط وكالات الاستخبارات بباحثي المركز وأعضاء هيئة التدريس وطلاب كلية “كينيدي”، وذلك بغرض إثراء تعليمهم، والتأثير في السياسة العامة”. يقود المشروع كلٌ من: بول كولبي، الذي أمضى 25 عاماً في إدارة عمليات وكالة المخابرات المركزية على المستويين الدولي والمحلي؛ ومن بين كبار زملاء المركز الـ 52: جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية من 2010 إلى 2017.

في كل عام، يستضيف المشروع أكثر من 12 من “ألمع الأسماء الاستخباراتية الصاعدة” من جميع أنحاء العالم كجزء من برنامج زمالة صممه ديفيد بتريوس؛ الجنرال المتقاعد بالجيش، صاحب الأربع نجوم، والذي شغل منصب مدير وكالة المخابرات المركزية من أيلول 2011 إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2012. وبصفته مدير وكالة المخابرات المركزية، أراد بتريوس إيجاد طريقة لربط ضباط المخابرات الشباب بالجامعات الكبرى. وللحصول على الدعم، اتصل بتوماس كابلان – مضارب معادن يتمتع بثروة طائلة، وجامع تحف فنية، وأحد عشاق مغامرة الانخراط في السياسة الخارجية – وأقنعه بتمويل زمالة لضباط استخبارات سريين. ثم تواصل الاثنان مع صديقهم غراهام أليسون، الذي عرض على الفور ضم البرنامج إلى مركز “بيلفر”.

في عامه الأول، استضاف البرنامج ضابطين سريين، ومنذ ذلك الحين أعيدت صياغة وتوسيع الزمالة، وغُيّر اسمها إلى زمالات ريكاناتي – كابلان، ويستضيف المركز هذا العام خلال هذه الزمالة 16 زميلاً من 9 دول، و13 وكالة استخبارات. أما عن التسمية والعلاقات بين الثلاثة، فإن ليون ريكاناتي هو والد زوجة كابلان ومستثمر إسرائيلي. ومن طرفه، قدم كابلان (جنباً إلى جنب مع شيلدون وميريام أديلسون) معظم التمويل الأولي لشركة “متحدون ضد إيران النووية”، والتي أنشئت في عام 2008 لمكافحة التهديد المتصور من ذلك البلد، وقادت الشركة (التي تربطها علاقات قوية بالجيشين الأميركي والإسرائيلي) حملة التراجع عن الاتفاقية النووية لعام 2015 مع إيران، وهي الشركة التي تضم بين أعضاء مجلس إدارتها غراهام أليسون، الذي يعمل بدوره عنصر ضغط نيابة عنها في واشنطن.

أُجبر بتريوس على الاستقالة من منصب رئيس وكالة الاستخبارات المركزية بعد الكشف عن أنه كان على علاقة غرامية غير شرعيّة مع بولا برودويل، التي كانت تكتب سيرته الذاتية، ومنحها إمكانية الوصول إلى وثائق سرية للغاية (الأمر الذي كذب في شأنه لاحقاً عند التحقيق معه أمام مكتب التحقيقات الفيديرالي). وفي مارس/آذار 2015، توصل بتريوس إلى اتفاق مع وزارة العدل وحُكم عليه بالسجن لمدة عامين بالإضافة إلى غرامة قدرها 100 ألف دولار. بعد استقالة بتريوس، رتب أليسون له ليصبح زميلاً غير مقيم في “مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية”. وقد عقد جلسات هناك، “واصطفّ الزملاء والطلاب لرؤيته”، كما يروي دانيال غولدن في كتابه “مدارس التجسس: كيف تستغل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيديرالي والاستخبارات الأجنبية الجامعات الأميركية سراً”، الذي صدر عام 2017.

يخصص غولدن فصلاً من الكتاب للحديث عن “كلية كينيدي بجامعة هارفارد”. ويشير إلى أن الكلية، التي كانت تُعرف سابقاً باسم “ملاذ السياسيين الذين لم يعودوا يشغلون مناصب”، “باتت تفيض الآن بكبار ضباط الاستخبارات السابقين”. أعرب غولدن في كتابه، أن الكلية تثني وكالة الاستخبارات المركزية عن التجنيد الفعلي للطلاب داخل الحرم الجامعي، بيد أنه عند النظر إلى روزَنامة فعاليات “مركز بيلفر” يبدو أن مثل هذا التجنيد يحدث الآن في الواقع علانية. ففي 25 تشرين الأول، على سبيل المثال، استضاف المركز جلسة حول “الوظائف في أجهزة الاستخبارات الأميركية”، حيث شارك خبراء الاستخبارات السابقون والحاليون تجاربهم وخبراتهم مع طلاب جامعة هارفارد.

وقد ذكر غولدن أيضاً أن أعضاء أجهزة الاستخبارات الأجنبية يتوافدون إلى كلية “كينيدي”، لأنها تقدم “قناة تواصل مع أعلى المستويات في الحكومة الأميركية”. ويأتي الإسرائيليون في مقدمة هؤلاء. وتُعد “زمالة ويكسنر إسرائيل” من قنوات الاتصال الرئيسة (التي يقدمها مركز القيادة العامة في كلية كينيدي في جامعة هارفارد). وقد أسس ليزلي هربرت ويكسنر برنامج الزمالة هذا في أواخر الثمانينات، وهو المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لشركة “إل براندز” (L Brands) (التي كانت تمتلك في السابق شركة “فيكتوريا سيكريت”، وتسمى الآن شركة “باث آند بودي ووركس”). وقد عرض حاخام يمثل ويكسنر على كلية “كينيدي” فكرة جلب المسؤولين الإسرائيليين والقادة المدنيين الذي يتمتعون بخبرة تتجاوز 10 سنوات من الحياة المهنية إلى كامبريدج للدراسة لمدة عام، ووافقت الكلية على ذلك.

ومن بين العشرة زملاء الذين يأتون سنوياً للحصول على برنامج الزمالة، مسؤولون حكوميون، وممثلون عن الحكومات المحلية، ومحللو سياسات، ومديرو المنظمات غير الربحية، فضلاً عن أعضاء في الموساد، وقوات الدفاع الإسرائيلية، وجهاز الأمن العام الإسرائيلي “شين بيت”. وقد تبرع ويكسنر بأكثر من 40 مليون دولار لكلية “كينيدي” على مر السنين، وعام 2018 أُطلق اسمه على مبنى جديد هناك. وبعد الكشف عام 2019، عن أن ويكسنر وظّف طوال عقود جيفري أبستين كمستشار شخصي ومنحه سلطات واسعة على شؤونه المالية وأعماله الخيرية، انطلقت دعوات لإزالة اسم ويكسنر من كلٍّ من المبنى والزمالة، غير أن اسمه لا يزال على كليهما، والزملاء الإسرائيليون بارزون للغاية في الفعاليات والنشاطات التي تنظمها الكلية.

في البداية، خططت كلية “كينيدي” لوضع برنامج زمالة مواز للفلسطينيين، إلا أن ذلك لم يتحقق إطلاقاً، وعدد قليل فقط من الزملاء الذين يحصلون على زمالة ويكسنر هم مواطنون فلسطينيون يعيشون في إسرائيل. بيد أن الفلسطينيين يُمكنهم الحصول على زمالات أخرى في الكلية، بما في ذلك “زمالة مبادرة الإمارات للقيادة”، التي تمولها دولة الإمارات العربية المتحدة – أقوى حليف لأميركا في الخليج. (تُعد دولة الإمارات أيضاً حليفاً وثيقاً للسعودية، ولديها سجل حافل من الانتهاكات المتتالية لحقوق الإنسان).

عام 2020، حصل صائب عريقات، الديبلوماسي الفلسطيني والمسؤول الكبير في منظمة التحرير الفلسطينية، على زمالة في مركز “بيلفر”، لكنه توفي نتيجة إصابته بـ”كورونا” قبل أن يتمكن من بدئها. علاوة على ذلك، يُعد الوجود الفلسطيني في كلية “كينيدي” قليلاً، ومناقشة القضية الإسرائيلية – الفلسطينية تحدث في صورة عابرة. ووفقاً لأشخاص مطلعين على برامج الكلية، فإن إدارتها يرهبها التطرق إلى أي شيء يتعلق بفلسطين، والأصوات الفلسطينية تتعرض للإسكات إلى حد كبير. وعلى حد تعبيرهم، لا يُعزى ذلك إلى مسؤول بعينه، بل إلى “التقاليد التي تخيم على المكان” والأشخاص الذين يمولون مركز “بيلفر”.

ومن أبرز هؤلاء الأشخاص روبرت بيلفر، الذي تبرع بأكثر من 20 مليون دولار لكلية “كينيدي” منذ الثمانينات – وهي أموال جاءت من ثروة عائلته. وُلد بيلفر عام 1935 ونشأ في مدينة كراكوف ببولندا، وفر من النازيين مع عائلته في أوائل عام 1941 ووصل إلى نيويورك في كانون الثاني/ يناير 1942، ولم يكن يتحدث اللغة الإنكليزية. ثم تخرّج في جامعة كولومبيا وكلية هارفارد للحقوق، لكنه قرر العمل مع والده. عمل آرثر بيلفر في الريش والزغب، وكان يبيع المنتجات للجيش الأميركي، بما في ذلك أكياس النوم المملوءة بالريش الناعم، ولكن في خمسينات القرن الماضي وسّع نطاق عمله إلى صناعة المطاط الرغوي ثم النفط، واشترى منطقة منتجة للنفط في شمال تكساس. حققت الشركة التي أسسها، “بيلكو للمنتجات البترولية”، نجاحاً كبيراً الى درجة أن آرثر وصل في النهاية إلى قائمة “فوربس 400” التي تضم أغنى 400 شخص في أميركا. وعام 1983، باع شركة “بيلكو” إلى شركة “إنترنورث”. وعام 1985، اندمجت شركة “إنترنورث” مع شركة “هيوستن للغاز الطبيعي”، التي غيرت اسمها في ما بعد إلى شركة “إنرون”. انضم روبرت إلى مجلس إدارة شركة “إنرون”، وأصبحت العائلة أكبر مساهم في الشركة. وعام 1992، قبل عام من وفاته، ساعد آرثر نجله روبرت في تأسيس كيان منفصل، وهي شركة “بيلكو للنفط والغاز”، والتي طُرحت للاكتتاب العام في عام 1996، وحققت أكثر من 100 مليون دولار من الأرباح.

تمكن بيلفر، من خلال التبرعات التي قدمها لكلية “كينيدي”، من التعرف إلى غراهام أليسون، الذي ساعد في بناء مركز بيلفر، وساعد بيلفر بدوره في انضمام أليسون إلى مجلس إدارة شركة “بيلكو”. (عام 1999، اشترى أليسون 39 ألف سهم من أسهم شركة “بيلكو”. وفي عام 2000، أعلنت الشركة عن إعادة شراء الأسهم بضعف ثمنها، مما ضاعف سعر أسهمها تقريباً. لم يستجب أليسون لطلب التعليق.).

بعد الارتفاع المذهل الذي حققته أسهم شركة “إنرون” التي بلغت 90 دولاراً للسهم في صيف عام 2000، انهارت الشركة في عام 2001 وسط الكشف عن التلاعب في الحسابات والتداولات الداخلية. وبحلول الوقت الذي أعلنت فيه إفلاسها في كانون الأول/ديسمبر عام 2001، كانت أسهمها تتداول مقابل بنسات زهيدة، وتلاشت فعلياً حصة عائلة بيلفر التي كانت تُقدر بما يقرب من ملياري دولار في العام السابق. وبصفته عضواً في مجلس الإدارة الذي وقف بجانب الشركة بينما كانت تنهار، واجه روبرت بيلفر غضب الآلاف من المساهمين الذين تبددت استثماراتهم تماماً. بيد أن عائلة بيلفر احتفظت بحصص كبيرة في العقارات فضلاً عن السيطرة على شركة “بيلكو للنفط”، وفي أغسطس/آب 2001 اندمجت تلك الشركة مع شركة “ويستبورت ريسورسز” في صفقة بلغت قيمتها نحو 866 مليون دولار.

وفقاً للنماذج 990 التي تستعرض التقارير السنوية والبيانات المالية لمؤسسة عائلته، قدم بيلفر بين عامي 2011 و2015 أكثر من 300 ألف دولار للجنة اليهودية – الأميركية، التي يشغل مقعداً في مجلس إدارتها. وعام 2018، انضم إلى رابطة مكافحة التشهير لمنح زمالة جديدة في مركز “بيلفر” لدراسة التشويه الإعلامي وخطاب الكراهية والمحتوى السيئ على شبكة الإنترنت. وكل عام، تستضيف الكلية ثلاثة زملاء في البرنامج الذي يموله بيلفر بالشراكة مع رابطة مكافحة التشهير. خلاصة القول، يُعد الممول الرئيس لمركز “بيلفر” داعماً مهماً لاثنين من المؤسسات – اللجنة اليهودية – الأميركية ورابطة مكافحة التشهير- التي وصفها بيتر باينارت بأنها تهاجم منظمات حقوق الإنسان بسبب انتقادها إسرائيل.

كان ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية لروبرت ورينيه بيلفر على مدى العقدين الماضيين. وعام 2007، عندما نشر والت وجون ميرشايمر كتاب “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية”، الذي ناقش كيف أعادت منظمة “أيباك” (لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية) وغيرها من الجماعات المؤيدة لإسرائيل توجيه السياسة الأميركية بعيداً من المصالح الوطنية الأميركية، أثار ذلك الكتاب ضجة كبيرة في كلية كينيدي، بما في ذلك شكاوى من بعض زملاء ويكسنر. وبعد ظهور نسخة مختصرة من الكتاب في مجلة “لندن ريفيو أوف بوكس”، تلقت الكلية مكالمات عدة من “متبرعين مؤيدين لإسرائيل”، ووفقاً لصحيفة “نيويورك صن” كان روبرت بيلفر من بينهم. ثم طلب ديفيد إلوود، عميد الكلية آنذاك، من والت حذف اسم بيلفر من لقبه الجامعي في أي دعاية تتعلق بالمقال. وقد رفض والت هذا الطلب.

يمتد نفوذ بيلفر في كلية “كينيدي” إلى ما هو أبعد من المركز الذي يحمل اسمه. إذ إنه يشغل هو ونجله لورانس مقعدين في المجلس التنفيذي للعميد، “وهو مجموعة صغيرة من رجال الأعمال ورؤساء المنظمات الخيرية الذين يعملون كمستشارين موثوقين للعميد، وهم من بين أكثر الداعمين الماليين تحمساً للكلية”، وفقاً لموقع الكلية. ورئيس المجلس، ديفيد روبنشتاين، هو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق لمجموعة “كارلايل”، وهي من أكبر شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة المتداولة، وأحد أكثر الأعضاء ارتباطاً بالنخبة المالية والثقافية الأميركية؛ ومن بين المجالس العديدة المرموقة التي يشغل منصباً فيها هي “مؤسسة هارفارد”، الهيئة الإدارية الرئيسة للجامعة.

لا يستطيع عميد كلية “كينيدي” أن يفقد ثقة هذا المجلس، ولا يمكنه تحمّل تبعات استعداء أجهزة الأمن القومي الأميركية، التي تربطها بالكلية مثل هذه العلاقات الوثيقة. علاوة على ذلك، يبدو أن “مركز كار لسياسات حقوق الإنسان” نفسه متورط في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية: فقد عملت سامانثا باور في مجلس الأمن القومي وسفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وهي ترأس حالياً الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

عام 2018، افتتحت كلية “كينيدي” حرماً جامعياً تم تجديده بفضل حملة جمع تبرعات جمعت أكثر من 700 مليون دولار. وبدأ تأسيسه بثلاثة مبانٍ تحمل أسماء عوفر وروبنشتاين وويكسنر. وقال العميد إلمندروف في حفل الافتتاح، “نحن نشكل مبانينا، وبعد ذلك تشكلنا مبانينا”، مضيفًا أن “مبانينا هي الإطار الهيكلي لحياتنا هنا. هنا ستولد الأفكار المهمة وتزدهر. وستتعلم أجيال من الطلاب على أيدي علماء وخبراء عالميين”.

من وجهة نظر إلمندروف، لم يكن لكينيث روث مكان بين هؤلاء العلماء والخبراء. إذ يمكن الكلية استقبال مدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية سرَّب معلومات سرية ومسؤول كبير سابق في وكالة الاستخبارات المركزية اعتذر عن جرائم تعذيب – ولكن ليس الشخص الذي قاد منظمة “هيومن رايتس ووتش” لمدة ثلاثة عقود.

تقول كاثرين سيكينك، “لقد خسرت كلية كينيدي الكثير بعدم وجوده معنا”. فضلاً عن أن الأبحاث في “مركز كار”، كانت ستستفيد من آرائه”. وأضافت أن الشيء نفسه ينطبق على طلاب المركز، الذين يبدو أن كثراً منهم “على استعداد لبذل كل ما هو غالٍ ونفيس للحصول على وظيفة هناك”.

بعدما رفضته جامعة هارفارد، قَبِل روث زمالة زائرة في جامعة بنسلفانيا. يقول روث عن تجربته مع كلية كينيدي، إنه “ضرب من الجنون”، “لديكم مركز حقوق الإنسان هذا. مَن هو مؤهل أفضل مني؟”. أما بالنسبة إلى دوغلاس إلمندروف، فيضيف روث أنه، “شخص بلا شخصية”.

هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً: