fbpx

حرب كاراباخ الثانية… هل يصلح الجيش الروسي كقوّة فصل إقليمية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شوهت السلطة الأذربيجانية مفاهيم المجتمع المدني، وحولت ناشطي البيئة إلى عملاء يقطعون الطرقات لمنع وصول المساعدات إلى الأرمن في إقليم كاراباخ.

سافرت بالطائرة من يريفان إلى ستيباناكيرت، كانت الطائرة المدنية بلا مقاعد، أُزيلت جميعها لتوفير أقصى مساحة للركاب. كنا نجلس على أكياس طحين، ولم يطلب منا أحدٌ ربط أحزمة الأمان. أقلعت الطائرة المدنية من طراز “ياكوفليف ياك-40″، ووصلت بسرعة إلى ارتفاع كبير وحافظت على ارتفاعها حتى وصلت إلى مطار كاراباخ، أخذت في الهبوط ضمن مسارات دائرية. كانت هذه مناورة استثنائية لتجنّب الصواريخ الآذرية المضادة للطائرات التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين، وتستهدف أيّ شيء تظنّ أنه أرمني.

لم نجد في مطار ستيباناكيرت، (الواقع في مدينة خوجالي، التي تُعرف الآن باسم إيڤانيان)، سوى سيارة واحدة فقط في انتظارنا، نحن الضيوف الأجانب. اضطر الركاب الآخرون إلى السير مشياً على الأقدام إلى ستيباناكيرت أو إلى قراهم، إذ لم يتوافر وقود للسيارات المدنية. عندما وصلنا إلى ستيباناكيرت، شاهدنا مبانيَ كثيرة مدمّرة بسبب القصف العنيف من المدفعية الآذربيجانية، وعندما مررنا وسط المدينة رأينا الحدائق العامة وقد زُرعت بالبطاطس أو الجزر في محاولة للنجاة.

كان ذلك في نيسان/ أبريل 1992، أوج حرب كاراباخ الأولى، عندما حاصر الجيش الآذربيجاني الأرمن حصاراً شاملاً، على رغم تعاقب القيادات المختلفة – أولاً الزعيم الشيوعي إيِاز مطلِبوف خلال الحقبة السوفياتية، ثم أبو الفضل إلجي بيك، أستاذ الأدب العربي الذي تحول إلى سياسي تركي حتى النخاع – لم تتغير سياسة الدولة العامة، التي تتمثل في  حرب إبادة شاملة ضد السكان الأرمن في مرتفعات كاراباخ، أو أرتساخ بالأرمينية. كان هذا قبل أن تبادر القوات الأرمينية إلى الهجوم على “ممر لاتشين” ثم السيطرة عليه في حزيران/ يونيو 1992، لفك الحصار الخانق المفروض عليها.

أسفرت الحرب خلال العامين التاليين عن مذابح وعمليات تطهير عرقي ومقتل الآلاف من الجنود الشباب من الجانبين، لتنتهي بانتصار عسكري أرمني واتفاق لوقف إطلاق النار في أيار/ مايو 1994.

سافرت بالطائرة من يريفان إلى ستيباناكيرت، كانت الطائرة المدنية بلا مقاعد، أُزيلت جميعها لتوفير أقصى مساحة للركاب. كنا نجلس على أكياس طحين، ولم يطلب منا أحدٌ ربط أحزمة الأمان.

يواجه الأرمن في إقليم كاراباخ المصير ذاته منذ 12 كانون الأول/ ديسمبر 2022، أغلق المسؤولون الآذربيجانيون ممر لاتشين الحدودي، وهو الطريق الوحيد الذي يربط كاراباخ بأرمينيا وبقية العالم.  أغلق الطريق أشخاص يدّعون أنهم “نشطاء بيئيون” يحتجون على عمليات التعدين في الإقليم، لكن لا يوجد أدنى شكّ في أنهم عملاء للحكومة الآذربيجانية، تنظمهم وتتحكم فيهم السلطات المركزية. ويهدف هذا الحصار إلى السيطرة على الممر الذي يُعد شريان الحياة لحوالى 120 ألف شخص، ما زالوا يسكنون أرض أجدادهم.

لم يتوقف العدوان الآذربيجاني على كاراباخ وأرمينيا منذ حرب كاراباخ الثانية عام 2020، عندما شنت آذربيجان هجوماً واسعاً على الإقليم لمدة 44 يوماً وروجت حينها لنصرٍ عسكري، يشير الرئيس الآذربيجاني إلهام علييف إلى أرمينيا باسم “آذربيجان الغربية“، ما يمهد الطريق أمام استمرار النزاع. 

يكشف هذا العدوان المستمر أن أهداف حرب عام 2020 لم تكن استعادة “السلامة الإقليمية” لآذربيجان وفق معايير “القانون الدولي”، وإنما مواصلة النزاع العرقي الأزلي الممتد منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. كان في استطاعة إلهام علييف تبنّي سياسة أخرى بعد انتصاره عام 2020، كإجراء مفاوضات مع الجانب الأرمني لإنهاء النزاع المستمر منذ ثلاثة عقود، لكنه قرر عوضاً عن ذلك الاستمرار في منطق التهديد والعنف.

تجدر الإشارة هنا، الى أن الحصار ليس مفروضاً على كاراباخ وحدها، بل على أرمينيا أيضاً، فمنذ حصول البلاد على استقلالها، منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، تواصل آذربيجان وتركيا محاصرتها.

قوات حفظ السلام الروسية والإمبراطورية المفقودة

يخضع ممر لاتشين للسيطرة الأمنية لقوات حفظ السلام الروسية المنتشرة في الإقليم بموجب الاتفاق الثلاثي، الذي وضع حداً لحرب كاراباخ الثانية، أُبرم الاتفاق بين رؤساء روسيا وآذربيجان وأرمينيا في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.  الغريب هو سماح الجيش الروسي لِبضع عشرات من المتظاهرين بإغلاق طريق رئيس في منطقة تقع ضمن نطاق مسؤوليته منذ 12 كانون الأول 2022. تثير هذه السلبية أسئلة كثيرة حول دور روسيا في هذا النزاع، وما إذا كانت تستطيع الاضطلاع بمهمة حفظ السلام. من غير الواضح أيضاً حجم التعاون السياسي والتنسيق الأمني بين موسكو وباكو. ففي سياق الحرب الروسية على أوكرانيا، كان دور آذربيجان مهماً، إذ ساعدت روسيا للتغلب على العقوبات الغربية وتصدير الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية.

فقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعم الرأي العام الأرمني عقب حرب عام 2020، إذ يرى جزء من الشعب الأرميني ، وأيضاً جزء كبير من الأرمن في كاراباخ، أن روسيا في عهد بوتين ضامن لأمنهم. لكن الحال تغيرت حين لم تحرك روسيا ساكناً بينما تواصل أذربيجان هجماتها عليهم. يشبه هذا كثيراً التحول في الرأي العام الأرميني في عام 1988، حينها بدأ الحراك في كاراباخ نشاطه انطلاقاً من إصلاحات غورباتشوف، وحمل المحتجون في التظاهرات الأولى ملصقات عليها صور لينين ورفعوا شعارات البيريسترويكا/ إعادة الهيكلة، وعندما فشل غورباتشوف في تلبية مطالبهم، وعجزت القوات السوفياتية عن ضمان السلامة الجسدية للأرمن بعد مذبحة سومغيت (في شباط/ فبراير 1988)، تحوّل الرأي العام الأرميني في صورة راديكالية، ويتبنى مواقف مناهضة للسوفيات وطالب بالاستقلال.

تُشيّد الإمبراطوريات وتسقط إذا كانت لديها وظيفة تؤديها، ألا وهي القيام بدور الحاكم وتحقيق الاستقرار عندما تعجز الأطراف المحلية عن تحقيق ذلك. أظهر بوتين رغبة في استعادة أمجاد الإمبراطورية المفقودة، لكنه ببساطة لا يعرف كيف يفعل ذلك.

إقرأوا أيضاً:

اختلاف “المجتمع المدني” عن “المجتمع العسكري”

يعتمد اقتصاد آذربيجان بالكامل على إنتاج الهيدروكربونات وتصديره، مساهِمة بذلك في الاحتباس الحراري الذي يدمر كوكبنا، إضافةً إلى كونها بلداً تقمع شرطته أبسط حركة احتجاجية تندلع فيه، كما تضيق الخناق على الأرمن في إقليم كاراباخ عبر فرض حصار تحت شعارات مثل “وقف الإبادة البيئية” و”حماية الطبيعة”. 

صاغ جورج أورويل في رواية “1984” للمرة الأولى مصطلح “التفكير المزدوج”، ما يقصده بالضبط هو أن الشمولية تشوّه اللغة والفكر، وفي حالة آذربيجان استُبدلت نشاطات المجتمع المدني المستقلة بجنودٍ تابعين لدولةٍ استبدادية.

تشويه المعنى هذا لم يحدث نتيجة الاستبداد وحده، حاولتُ خلال الأيام الأخيرة معرفة ما إذا كان هناك مدافعون حقيقيون عن البيئة في أذربيجان أو البلدان المجاورة كتركيا، مدافعون احتجوا على مصادرة نظام علييف الخطاب البيئي وتحويله إلى سلاح تطهير عرقي، لكني لم أعثر على واحد منهم.

 تلقت منظمات بيئية غير حكومية كثيرة في جورجيا وأرمينيا وتركيا وأماكن أخرى منحاً لتطوير “مشاريع إقليمية” بغرض تعزيز التعاون البيئي، لكن ما يحدث في ممر لاتشين لا يخصهم، وقبل ظهور الأنظمة الاستبدادية، قوّض حماة “المجتمع المدني” بالفعل الخطاب ومعانيه عبر سلوكياتهم.

نعلم أن الأنظمة الاستبدادية لا تستطيع حل القضايا المعقّدة مثل النزاعات الإثنية والإقليمية، ولا تسعى أصلاً إلى حلها، وتلجأ غالباً الى مثلِ هذه النزاعات لشرعنة استحواذها على المجال العام. يمكن حل النزاعات الإثنية والإقليمية من خلال إرساء سيادة القانون، وتمتّع المواطنين والمجموعات بحقوق تكفلها الدولة، تدفع إلى تجاوز الاختلافات العرقية واللغوية والدينية وغيرها من الاختلافات. لكن هل بإمكان دولة مثل آذربيجان أن تنجح في إرساء سيادة القانون، ببنيتها الاقتصادية التي تعتمد على صادرات النفط والغاز، وقيمها السياسية التي تستغلّ مفاهيم مثل “المجتمع المدني” أو شعارات مثل “حماية الطبيعة” لتأجيجِ النعرات القومية وإشعال النزاعات؟

إقرأوا أيضاً: