fbpx

لماذا أكتب في عالم يهددني بالسقوط؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أكتب كي أنجو من جنون العالم، لا لأغير أنظمته وأسقطها، بل لأتفادى سلطة هذه الأنظمة التي تسقطني.

هذا النص محاولة للعودة إلى الكتابة، محاولة قد تبوء بالفشل كما  المحاولات التي سبقتها.

مضت أشهر على توقّفي عن الكتابة، ابتعدت خلالها ممّا كان سابقاً فعلاً يومياً. 

حاولت أن أكتب مراراً، لكن  جميع محاولاتي فشلت. ربما لم أبتعد، بل فقدت القدرة على الكتابة. أظن أنني خسرت الشغف بالكتابة، خسرت المتعة التي كنت أشعر بها أثناء القيام بهذا الفعل.

 كنت أشعر بالفرح سابقاً عندما أنهي كتابة نصّ أو أنشر مقالاً. الآن، لم يعد يعني لي الموضوع، لم يعد يملأني فرحاً. 

تبيّن أن الكتابة أيضاً (بالنسبة إلي على الأقل) كما كل البدايات، كبداية الصداقة، الحب، السياسة، الحلم، العمل، هي لحظة أمل واحدة تدفعنا دون أن نفكّر بالمستقبل والاستمرارية، والتحدّيات. لحظة أمل تدفعنا نحو ذلك الشغف. لكن على حين غرة، يتحوّل الشغف إلى عبء وثقل، حينها علينا أن نبتعد قليلاً، وأن نتخلّى عنها.

أصبحت الكتابة فعلاً يتطلّب جهداً نفسياً. أرهقني فقررت أن أتخلّى عنها. ظننت أني أستطيع أن أتوقّف بمجرّد اتّخاذ هذا القرار، لكنني وجدت نفسي أحاول باستمرار، أحاول مع كل معركة أخسرها، وكل صفعة أتلقّاها، وكل لحظة انكسار وحزن واشتياق. أحاول أن أكتب ما أشعر به، أحاول وأفشل في كل مرّة، ومع ذلك أعود مرة أخرى إلى الكتابة.

أسأل نفسي الآن: لماذا نكتب؟ ما الجدوى من الكتابة؟ من يقرأ هذه النصوص؟ من يملك القدرة والرفاهية على الكتابة والقراءة في وسط كل هذا الجنون؟

هل نكتب عن السياسة؟ عن الحريّة؟ هل نكتب عن أحلامنا؟ لكن أي أحلام بقيت لنا بعد كل ما عشناه في تلك البلاد؟ أنكتب من أجل تغيير العالم؟ أي عالم نريد أن نغيّر يا صاح؟ هذا العالم غير قابل للتغيير! وإن تغير فقد يسير نحو الأسوأ فقط. يمكن أن يتغيّر مع اندلاع حروبٍ جديدة، كي يزداد عدد اللاجئين حول العالم، أو كي يموت المزيد من الأبرياء، وتُبنى المزيد من الديكتاتوريات. يتغيّر كي يسحق العدل والأحلام والسلام أكثر مما يفعله الآن.

هذا النص محاولة للعودة إلى الكتابة، محاولة قد تبوء بالفشل كما  المحاولات التي سبقتها.

أشعر بأنّ لا جدوى من كل هذه المقالات والنصوص، الكتابة سخافة وسط هذا الجنون. ولكن، ربما نكتب لهذا السبب، ربما نكتب لكي نهرب من هذا الجنون.

أذكر المرّة الأولى التي كتبت فيها: كنت شاباً هادئاً جداً حد الاستفزاز.  أخفي عاصفةً، وغضباً لا ينطفئ من جنون البلد والعلاقات والواقع. شابٌ يرفض باستمرار، يقول “لا” دون تردّد ودون خوف، يقول “لا” بوجه السياسة والدين والتقاليد. شابٌ يختار الطريق الصعب دائماً، يتعلّم السّير وحيداً، يتخلّى عن الأشخاص والأشياء بسهولة، لكنّه هادئ بعكس داخله حيث غضب من كل شيء حتّى من نفسه.

حملت غضبي ورحت أكتب، لكنني حافظت أيضاً على هدوئي. نعم، لأجل هذا نكتب، نكتب عن خيباتنا وانكساراتنا، نكتب حين نشعر بالثقل ويرفضنا المجتمع، نكتب لأننا تركنا بلادنا، وحين يسحقنا الانهيار، ونرتطم بالواقع، نكتب حين يصفعنا العالم.

لأجل هذا أكتب، أكتب لكي أعود بعد سنوات إلى هذه النصوص وأقول، هكذا كان محمد يتعلّم الحياة، هكذا كان يتغيّر، هكذا كان يكبر، كان يتلقّى الصفعة تلو الأخرى، ويخسر كل معركة يخوضها. هكذا كان يسير باستمرار نحو المجهول مُعتمداً على نفسه. هكذا كان مخدّراً لا يبتسم ولا يتكلّم، كان يقاوم وسط الفوضى.كان محمد شاباً سخيفاً يكتب نصوصاً ومقالاتٍ تافهة.

لا نكتب لأجل تغيير العالم، بل كي لا يغيّرنا هذا العالم، وحتى لا نُصاب بالجنون. لا نكتب لأجل تغيير هذه الأنظمة، بل حتى لا تُغيّرنا ولا تُسقطنا.

لأجل ما سبق أكتب، أعرف أن الكتابة هي اللعنة التي لن تفارقني، اللعنة التي أهرب إليها عند كل ضيقٍ وثقل، اللعنة التي أتمسّك بها ولا أستطيع التخلّي عنها مهما حاولت.

إقرأوا أيضاً: