fbpx

الحرب على حلا مغامز… ضحية التحرّش التي لم تبكِ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حلا اليوم ومثيلاتها أكثر قوّة مما يخيَّل للنظام الأبوي، ليس لأنهن يخرجن ويتكلمن بل لأنهن يدركن حقوقهن أكثر من أي وقت مضى،.

يتوقع المجتمع الذكوري من فتاة كحلا مغامز، تحرّش بها أستاذها، أن تنتهي حياتها وتعيش محطّمة إلى الأبد، ولا يتقبّل أن تكون إنساناً طبيعياً وقوياً، لها حياتها، ترقص وتخرج وتطوّر نفسها علمياً ومهنياً ونفسياً. يريد المجتمع البطريركي من ضحايا التحرش والاغتصاب، أن يعشن في الحضيض طوال حياتهن، وأن يظهر التحرّش وتبعاته على وجوههن كوصمة لا تزول.

حلا مغامز صبية سوريّة، تركت بلدها منذ سبع سنوات، خرجت في التاسع من شهر كانون الثاني/ يناير 2023 عبر فيديو على “فيسبوك”، لفضح أستاذ الرياضيات م.س الذي يعمل في مدرسة الأمل الخاصة، متّهمة إياه بالتحرش بها حين كانت طالبة. 

ومنذ ذلك اليوم، تستمرّ الحملة ضد حلا لمحاولة تشويه سمعتها وتكذيب قصتها وطمس قدرتها على المواجهة. ويستند هؤلاء إلى فيديوات لحلا وهي ترقص على “تيك توك”. يدرك هؤلاء تماماً معنى استخدام حياة حلا الشخصية ضدّها للتشكيك في قصتها ومهاجمتها لتتحوّل سريعاً إلى مجرد فتاة غير مؤدّبة، وهي الأدوات التي يراد بها تأليب الرأي العام من خلال فيديو على “تيك توك”، تبدو فيه تضحك أو ترقص، فالضحك والرقص تهمة في نظر هؤلاء ودليل قاطع على عدم براءتها.

حاولت حلا المطالبة بحقها وحماية غيرها من الفتيات، وما موقف المطران، حين لجأت إليه، واكتفى بنصحها بالسكوت ومنحها كتاب صلاة، سوى انعكاس لموقف المؤسسات الدينية والتربوية والحكومية. وإذ يبدو منح حلا كتاب صلاة مجرد حركة ساذجة، إلا أنه يساهم في العمق في تعزيز شعور الفتيات بالذنب وبالحاجة إلى طلب الغفران بسبب ذنب لم يرتكبنه. وبدل أن تحمي هذه المؤسسات الضحايا، تفعل العكس وتضيّق عليهن، إذ صرّح مدير تربية حلب مصطفى عبد الغني لإذاعة أرابيسك: “كان واضحاً من الفيديو أن الفتاة مدرَّبة وتتكلم بمنطق قانوني وتنسيق من جهة ما وليس بعفوية”. وفي شكل أوتوماتيكي، انتقل عبد الغني إلى دعم المتهم، فقال: “لم يُفسخ العقد مع الأستاذ الذي يعاني حالياً من تنمّر وضغوط شديدة، إنما تم إيقافه عن التدريس احترازياً، وطلبنا منه أن يرتاح في بيته ويريح أعصابه، الى حين التيقّن من المعطيات الواردة في الفيديو، وفي حال ثبتت الادعاءات، سيُتخذ إجراء تربوي بحق الأستاذ”. تعليق المدير الصادم فيه دعم صريح للمتهم والتفاف على قضية الضحية، وهو جزء من منظومة اجتماعية وتعليمية، ترسّخ دور المتحرش وتدافع عنه، وهو دليل قاطع على التواطؤ الحاصل في سوريا ضد حقوق النساء. 

يريد المجتمع البطريركي من ضحايا التحرش والاغتصاب، أن يعشن في الحضيض طوال حياتهن، وأن يظهر التحرّش وتبعاته على وجوههن كوصمة لا تزول.

يريد كثيرون أن تكون حلا أو أي ضحية أخرى، محطّمة، تتوسل الحصول على حقها، تبكي، تنهار… إذاً، يدرك هذا المجتمع هول فعل التحرش وأثره في حياة الضحايا، لكنه في الوقت ذاته يرفض خروجهن من قالب الضحية، أو تعافيهن وعودتهن الى الحياة والحديث عن تجربتهن بصراحة، “أروي قصتكِ كما يناسبنا”، “لا تتمردي على النظرة الذكورية المتوقعة للضحية”. 

تعرضت المذيعة الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري، للاغتصاب والإساءة الجنسية طوال طفولتها، لكنها نجحت لتصبح واحدة من أشهر المذيعات في العالم، حتى أنها أسست قناتها الخاصة. وينفري هي مثال بسيط عن أن التحرش والاغتصاب لا يعنيان أن تطمر الفتاة حياتها تحت الحزن والكرب والخسارات والصمت.

ما لا يعرفه المدافعون عن المتهم وحرّاس “القيم” و”الآداب العامة”، أن النساء والفتيات لسن كما الماضي، وقد طورت كثيرات أنفسهن ليتمكنّ من تقبّل وفهم ما مررن به والتعامل معه، وليس الحديث على الملأ مجرد بحث عن العدالة وحسب، فكلنا نعلم أن العدالة الكاملة لن تتحقق قريباً… لكن البوح حق وطريق نحو الشفاء.

الجدير بالذكر أن هذه الفوضى هي نتيجة غياب قوانين صريحة وفعالة لمكافحة التحرش، ما يدفع الضحية إلى اللجوء إلى جهات أخرى كالمطرانية أو “فيسبوك”، يعزز ذلك غياب معرفة الفتيات بحقوقهن. 

في المقابل، أعلن المحامي السوري رامي الخير، توكّله عن حلا لرفع قضية ضد الأستاذ، وطلب تشكيل فريق من المحامين والحقوقيين في دمشق وحلب لرفع قضية أخرى ضد مدير التربية بتهمة القدح والذم، وهو ما قد يستغرق وقتاً بسبب وجود حلا في الخارج، إضافة إلى أن القصة عمرها 7 سنوات.

حلا اليوم ومثيلاتها أكثر قوّة مما يخيَّل للنظام الأبوي، ليس لأنهن يخرجن ويتكلمن بل لأنهن يدركن حقوقهن أكثر من أي وقت مضى، ويعلمن أن قضيتهن محقّة، وهو السبب الوحيد لتتكلم حلا ومثيلاتها بقوة واتزان وفهم… ويُجابَهن بالإساءات ومحاولات التشويه.

إقرأوا أيضاً: