fbpx

فيلم “الحارة”: علامة على عطب في المجتمع الأردنيّ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في الأيام الأولى لعرضه على المنصات من بينها “نيتفليكس”، بات فيلم “الحارة” الأردني ضمن أكثر الأفلام شعبية عبر محركات البحث. الفيلم يتناول مواضيع جريئة ما زالت تُعتبر “تابو” في المجتمع الأردني، كالجنس والسياسة والدين. لكن الفيلم أغضب سياسيين وجهات رسمية أردنية… لماذا؟

 أثار فيلم “الحارة” لباسل غندور، والذي بثّته منصة نتفليكس، نقاشاً حاداً في الأردن، إذ أثار غضب الأوساط المحافظة والإسلاميين الذين اعتبروا أن تضمُّنه “عبارات نابية” وفق وصفهم، خروج عن المألوف في الإنتاج الفني الأردني، التهمة التي طاولت أعمالاً فنية وأدبية أردنية أخرى.

صُوّر الفيلم في أحد أحياء عمان الشرقية، وهو الفيلم الطويل الثاني لغندور، بعد فيلم “ديب”، سبقه الفيلم القصير “فريكة”، الذي عدّه غندور تمهيداً للحارة، وأدى فيه الهواة الأدوار الرئيسة للحفاظ على أصالة المشاهد والأحداث التي تتناول حياة العصابات والزعامات في إحدى الحارات الشعبيّة.

فيلم الحارة لمخرجه باسل غندور، لا ينطبق على واقعنا… أصلاً لشو أفلام ولشو سينما ولشو مسرح ولشو شعر ولشو رواية.

لسان حال الممتعضين

“قُضي الأمر أيها السادة، سيعالج  الأطباء المرضى في حارتنا  عبر تذكيرهم  بنقائها من دون حاجة الى أي دواء، المحامي في حارتنا لن يكتب عقوداً ولن يوثق التزامات، سيعطي الموكلين نصيحة واحدة: سيروا في الأرض فإن حارتنا مجموعة من الوادعين الأوفياء الموثوقين، الأمهات في مجتمعنا أيها السادة لن يقلقنَ بعد اليوم، فلا ضرورة لسهرهن على تربية أولادهن، أو إعطائهن أي نصيحة أو موعظة، فقط سيذكّرنهم بمجتمع الفراشات:  ماما اطمئنوا، حاراتنا ما فيها لا مخدرات ولا سرقة ولا دعارة ولا كلمات نابية … كلنا مؤدبين، الجريمة ما عنا منها، كلها في الغرب الساقط! أظن حتى ما في داعي لخدمات الشرطة والأمن العام، مجتمع ماشي مثل الساعة لشو البعزقة!!”


“فيلم الحارة لمخرجه باسل غندور، لا ينطبق على واقعنا… أصلاً لشو أفلام ولشو سينما ولشو مسرح ولشو شعر ولشو رواية، إحنا الفن والذوق لعبتنا، هي فقط مجموعة من المدسوسين يهدفون الى تنغيص سعادتنا بالاستماع إلى خطب مجلس النواب عن طهر المجتمع!،  أصلاً أقلك ما في داعي للحكومة ولا للبرلمان، يا رجل مجتمع ديلوكس، مجتمع المدينة الفاضلة، لا بل فشر مجتمع المدينة الفاضلة!”

إقرأوا أيضاً:

إشارة الى العطب من دون خجل


فيلم “الحارة” لا يتحدث عن حارة بعينها، ولا عن أشخاص محدّدين، فأحداثه قد تحصل على أي منعطف، كما أن البيوت أسرار، وخلف كل بيت حكاية. هل أذكركم بمن نحر أمه؟!، هل أذكركم بالعصابة التي فقأت عين اليافع؟!، أم أذكركم بعدد قضايا المخدرات التي تلاحقها الأجهزة الأمنية يومياً. نقل الفيلم واقع فئة مهمّشة لكنها ملتزمة، كما نقل واقع فئة منحرفة ضمن عصابات. وهذا تصوير  لبعض ما يحصل في المجتمع، والإشارة الى العطب هي الخطوة الأولى لمحاربة الجريمة والمخدرات، إذ لا بد من فضحها وتعريتها وتقديم العبرة للمشاهد، ولفت انتباه مؤسسات البحث الى دراسة الظاهرة، وتنبيه الآباء والأمهات والمعلمين وحثّهم على نشر الوعي والتحذير من الانزلاق في عالم الجريمة.  
 
نمتلك جميعاً حق انتقاد أي فيلم، ومن حقنا أن نعجب به أو نرفضه جملة وتفصيلاً، أما أن يُنكر على فيلم أو رواية أو مسرح أنه ينقل واقعاً ما، بدعوى الطهرانيّة والنقاء!،  فهذه مساهمة في استمرار الجريمة عبر التستّر عليها. الفن ليس قصة تُروى وحسب، بل طريق لرقي المجتمعات وتطوّرها، الفن ضرورة لكشف المجتمع وتغيرّه الى الأفضل عبر الإشارة إلى الظلم والجريمة وتعريتهما،  هكذا كانت رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، وهكذا هو مسرح سعد الله ونوس وهكذا كانت قصائد عرار، وهكذا كانت روايات هاشم غرايبة وإبراهيم نصر الله، هكذا كانت السينما العالمية والعربية!
 
“الحارة” فيلم مخلص لأدواته وفنّه، يضمّ قامات فنية مهمة مثل نادرة عمران ومنذر الرياحنة، فيلم قائم على تصوير محترف ونص عميق، قدم فيه المخرج باسل غندور تجربة تحتضنها المهرجانات العالمية وتكرمه كفيلم أردني، ولكن أن تهاجم وتحكم على فيلم بسبب كلمة نابية صدرت عن شخصية مجرم أو منحرف، فهذا ينم عن حقيقة مفادها أن البعض  ضد الفن  وضد الثقافة إلا ما ناسب ذوقهم، أولئك يعملون على وأد الرواية والمسرح، وإغلاق دور السينما واستبدالها بشعارات عامة مضللة عن فضيلة تتستر على الجريمة وتجعل لها بيئة سرية للانتشار، وعلى كل الأحوال لا يُجبر أحد على أن يشاهد ما لا يرغب في مشاهدته! الأمر بسيط، لا تذهب إلى السينما.

نرفض دور الوصاية الأخلاقية وانصياع  المؤسسات لها، ودعم المواهب الشابة من الهيئة الملكية للأفلام موقف وطني تُشكر عليه، والحمد لله أن شبابنا لا ينصاعون الى الإحباط المؤسسي الذي يمارَس عليهم، وسيستمر باسل غندور وغيره من الشباب الأردني الواعد في تقديم الواقع بحلوه ومرّه تشجيعاً على نقده ودعوته الى الإصلاح الكفيل بالقضاء على الفقر وضنك العيش الذي ينتج حياة تَعَرَّفنا عليها في فيلم “الحارة”.

إقرأوا أيضاً: