fbpx

بوتين يغيّر قواعد اللعبة… هل يتدخّل الغرب لإنقاذ أوكرانيا هذه المرة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يحتاج الغرب إلى تغيير استراتيجيته في مواجهة الإصرار الروسي على تحقيق أهداف بوتين، الذي كرر في تصريحاته الأخيرة، أنه لن يتوقف عن القتال، إلا بعد تحقيق الانتصار ولو باحتلال دونباس على الأقل.

تقترب الحرب الروسية على أوكرانيا من عامها الثاني، كاشفةً خطأ حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سمّاها عملية عسكرية خاصة، وأراد أن تقوده إلى تحويل هذه الدولة التي يعتبرها كياناً مصطنعاً، من دون تاريخ ولغة وشعب، إلى جزء من الاتحاد الفيدرالي الروسي. مع دخول الحرب مرحلة معقّدة واحتدام المعارك وسقوط آلاف ضحايا من الجانبين، لا يخفي القادة الغربيون قلقهم من أن أوكرانيا لم تعد تمتلك ما يكفي من الوقت للاستعداد التسليحي والعملياتي لمواجهة هجوم عسكري كبير يريد بوتين أن يحقق من خلاله ما عجزت قواته عنه طيلة العام المنصرم. 

الواقع العسكري على الأرض وتصريحات بوتين والتغييرات الكبيرة التي أجراها في هرمية القيادة العسكرية الروسية في أوكرانيا، وتخفيضه رتبة الجنرال سيرغي سوروفكين الذي لم يمض على تعيينه سوى ثلاثة أشهر، وتسليم المهمة التي كانت موكلة إليه إلى رئيس أركان القوات الروسية المقرب منه شخصياً الجنرال فاليري غيراسيموف، ذلك كله دفع واشنطن والحلفاء في الأطلسي إلى تغيير استراتيجيات مشاركتهم غير المباشرة في الحرب، بالانتقال السريع إلى تزويد أوكرانيا بأسلحة هجومية ثقيلة ظلت تتردد في تقديمها، تحسباً لعدم استفزاز زعيم الكرملين، بعدما استلموا رسالته الواضحة بأنه لن يتراجع، حتى وإن أدى ذلك إلى حرب أكبر من أوكرانيا.

أسقط ذلك ذريعة الحرص على التفاوض وما رافق السياسات الأوروبية من تردد وتخوف من إطالة الحرب، بحيث بدأت أجنحة الخوف والقلق والتردد تتساقط  بشكل دراماتيكي، منذ إعلان واشنطن وبرلين إرسال منظومة الدفاع الجوي (باتريوت) والمدرعات والدبابات الثقيلة المتطورة، وتدريب المئات من الأوكرانيين وتحضيرهم للقيام بهجوم مضاد لاسترجاع الأراضي الأوكرانية المحتلة بما فيها القرم.

الغرب كما تكشف الأحداث المتسارعة والتغييرات المفاجئة في مواقف الزعماء الأوروبيين، وأمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ، لا يستعبد أن تخرج الحرب عن السيطرة بمهاجمة روسيا دولاً مجاورة مثل بولندا ولاتفيا، وهما عضوتان في الناتو. هذا يظهر مع إرسال واشنطن منظومات “أواكس” الى رومانيا لمراقبة التحركات العسكرية الروسية في هذه المنطقة، ووصول معدات وأسلحة أميركية الى الدولتين المذكورتين ورومانيا وبلغاريا، وفقاً لوكالة الأنباء الفرنسية. وقال ستولتنبرغ، “الثمن الذي ندفعه هو المال، أما الثمن الذي يدفعه الأوكرانيون فهو الدم”. إلا أن للمحلل العسكري الإسرائيلي ديفيد جندلمان رأياً آخر، إذ يقول:”المرجح هو الاستمرار في التكتيكات نفسها، واستمرار الاستنزاف باستهداف البنى التحتية الأوكرانية والداخل الأوكراني”.

تقترب الحرب الروسية على أوكرانيا من عامها الثاني، كاشفةً خطأ حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سمّاها عملية عسكرية خاصة.

ميليشيا فاغنر حبل نجاة بوتين

سلطت المعارك الأخيرة الأضواء مجدداً على ميليشيا “فاغنر”، بعد نجاحها في اقتحامها مدينة سوليدار الاستراتيجية بوصفها الوحدة  القتالية الضاربة، إلى جانب القوات النظامية التي أخفقت في قتالها مع الأوكرانيين، الى درجة أن المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس توقع أن تتحول “فاغنر” إلى بديل عن القوات الروسية في أوكرانيا. 

الشيء المفروغ منه هو أن أوكرانيا تقوم بتحضيرات واسعة لعملية عسكرية كبيرة لتحرير أراضيها المحتلة، بدعم غربي كبير بالتدريب والتسليح في واشنطن وبرلين وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وغيرها. وبلغة متشائمة، هذا يعني ألا نهاية وشيكة لهذه الحرب، ما لم يتغير النظام في موسكو، وهذا أمر مستبعد في المرحلة الراهنة. 

ما يثير الاستغراب والدهشة هو أن الروس وعلى رغم أكاذيب ماكنة الدعاية الرسمية التي تروّج لنجاح “العملية الخاصة” في تحقيق ما وضعته من أهداف، على يقين كامل في غالبيتهم بأن بلادهم تسير في طريق خسارة الحرب. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن عدد من يعتقدون بأنها ناجحة انخفض بمعدل ثماني نقاط  في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي  ليصبح 14  في المئة بعدما كان 22 في المئة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وقال 6 في المئة من المشاركين في الاستطلاع أنهم يعرفون واحداً على الأقل تم تجنيده للقتال في أوكرانيا أو قتل في الحرب. 

ورأت الغالبية (60 في المئة) أن هذا النزاع يجب أن يتوقف ويتحقق السلام عبر المفاوضات، مقابل 30 في المئة  يريدون المضي في الحرب حتى هزيمة أوكرانيا والغرب. ووفقاً للاستطلاع، فإن ثلث الروس (25 في المئة) يرون أن قدرات الجيش القتالية تتحسّن، بزيادة نسبتها 5 في المئة عن تشرين الأول الماضي. إلا أن عدد الذين يعتقدون أن جاهزية الجيش جيدة انخفض بمعدل 20 في المئة في تشرين الثاني مقارنة بالشهر الذي سبقه. وهذا يعود الى أن غالبية الروس يعانون من مشكلات في التعبئة العسكرية، وتأمين تكاليف الحياة اليومية. وكشف الاستطلاع أن الخوف من الملاحقة القانونية في حال انتقاد الحرب يتزايد بين الروس، وترفض الغالبية الحديث العام أو التعرض بشكل سلبي للحرب، فقد ارتفع عدد هؤلاء الى نسبة قدرها 41 في المئة  في تشرين الثاني، بعدما كان 34 في المئة في تشرين الأول.

ومع كل خسائر الحرب وارتباكاتها وخسائرها البشرية والمادية على الشعب الروسي، قال 55  في المئة من الروس في أحدث استطلاع للرأي أجرته قناة VTsIOM الروسية، ونشرت  نتائجه صحيفة “كومسولسكايا برافدا”، وشارك فيه 1600 شخص، أن “55  في المئة من الروس منحوا رئيسهم بوتين لقب السياسي الروسي الأفضل للعام 2022”. ويتصدر بوتين منذ عام 2006 مركز السياسي الأفضل بنسبة تصويت بلغت 55 في المئة، ارتفعت إلى 71 في المئة عام 2014، و74 في المئة عام 2015.

إقرأوا أيضاً:

تغيير الاستراتيجيات ومسار جديد للحرب

يحتاج الغرب إلى تغيير استراتيجيته في مواجهة الإصرار الروسي على تحقيق أهداف بوتين، الذي كرر في تصريحاته الأخيرة، أنه لن يتوقف عن القتال، إلا بعد  تحقيق الانتصار ولو باحتلال دونباس على الأقل. 

تحضيرات روسيا واستعداداتها لعملية عسكرية كبرى خلال الأشهر المقبلة، تضع واشنطن والناتو وأوروبا في مواجهة تحديات القيام بتعديلات جوهرية  في وتيرة الإنتاج العسكري الغربي للحفاظ على أوكرانيا، والاستعداد الفعلي لحرب طويلة قد تخرج عن مسارها وتتحوّل إلى حرب عالمية جديدة. 

في المقابل، يعي قادة الغرب جيداً ما يسعى إليه بوتين بإلقاء ورقة التحدي أمامهم، والتي تجعلهم أمام حقائق جديدة  بدأت بالتبلور والظهورعلى خارطة الأمن الأوروبي والعالمي، وتمسّ مصير دورهم المحوري في قيادة العالم. وحتى الآن وبإجماع المحللين، فإن الوقت هو لمصلحة الكرملين وزعيمه قبل أن تنفجر شعوبهم ضد تكاليف هذه الحرب على بلدانهم ومستقبلهم وحياتهم اليومية، ما يستدعي منهم تجاوز مخاوفهم من مواجهة مسلّحة، والتخلّي عن سياسة التنقيط في تجهيز أوكرانيا بالسلاح والمعدات الهجومية، لتحقيق توازن الرعب الهجومي. كما أن عدم تقديم الدعم لأوكرانيا من شأنه أن يطيل الحرب أكثر. بوتين يلعب على وتر التناقضات بين حكومات الدول الأعضاء من جهة وواشنطن من جهة أخرى. ولا يكف عن تسخير وكلاء له في أوروبا مثل الرئيس البلغاري رومن غيورغييف راديف وحكومته ورئيس حكومة المجر فيكتور أوربان، إضافة إلى أحزاب وسياسيين يتسابقون على فتات موائده وإغراءاته المالية، لإثارة الصراعات داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية الوطنية والأوروبية لكسب الوقت وتعطيل القرارات الحاسمة ضد روسيا وتقويض قرارات الدعم غير المحدود لأوكرانيا. 

حتى الآن، تفشل هذه الجماعات وأحياناً تنجح، في وضع الدواليب أمام تمرير القرارات والسياسات التي تتخذها المفوضية الأوروبية في مسألة دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً، وفرض مزيد من العقوبات على روسيا. وقال مدير الدراسات في معهد أبحاث “سي آي أيه” مايكل كوفمان، أن “الحروب هي في الأساس صراع إرادات”، مؤكداً أن “لدى أوكرانيا أفضل فرصة لكسب الصراع بفضل الدعم الغربي، لكن هذه ليست نتيجة محددة سلفاً، إنها مجرد احتمال”.

لا يمكن تحقيق نقلة نوعية في ديناميكيات الحروب في غياب تغيير جذري في موازين القوى على الأرض. لذلك قد تستطيع أوكرانيا الصمود بما يقدَّم لها من سلاح دفاعي، ولكن هل هذا هو المطلوب، أم كسر الجمود من خلال تجهيز الجيش الأوكراني بكل من المعدات والتجهيزات الهجومية والقتالية التي من شأنها إلحاق الهزيمة بالروس؟ فالمسألة لم تعد أوكرانيا، بل السلم العالمي ومستقبل الديمقراطية في العالم التي يريد بوتين تقويضها عبر أوكرانيا.

ولنعد إلى كلمات أقرب حلفاء بوتين في الكرملين، سكرتير الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف، الذي قال  لصحيفة Argumenti I  Fakti الروسية، “إن الأحداث في أوكرانيا ليست صداماً بين موسكو وكييف، بل مواجهة عسكرية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، وقبل كل شيء الولايات المتحدة وبريطانيا”. 

إقرأوا أيضاً: