fbpx

أسير وداخلي غُضبُ كلِ النساء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تجاوز العنف الذي تتعرض له النساء لا ينتهي بالحديث عنه والنجاة منه، ترميم الجروح ومغادرة شرنقة الخوف يحتاج لمساحة نسوية آمنة اختبرتها عائشة الجعيدي وساعدتها في السير إلى الأمام واثقةً دون خوف.

إن تحدثت النساء (أخيراً) عن العنف الذي تعرضن له، ونَجون منه وانتصرنَ عليه، هل تنتهي الحكاية هنا؟، يًفترض أن تبدأ رحلة التعافي من الآثار المدمرة، التي أفقدَتهن الكثير مادياً ومعنوياً،  وهددت ثقتهن بأنفسهنّ وقبولهن لذواتهن،  عند هذه النقطة تحديداً. فآثارُ العُنفِ عميقة وأكبر من كدمة وتحرش وابتزاز وإقصاء، وأشد بكثير من أن تُعالج بانفصال أو حكم قضائي أو تعويض.

ما الذي يمكنه رأب الصدع، هل هناك من هو مستعد للاستماع والتعاطف بلا كلل أو ملل، والأهم، دون إطلاق أحكام؟ ودون أن يتم اتهام من تتحدث بالمبالغة والتهويل والعاطفية الشديدة وربما الجنون؟ .

وصلت إلى القاهرة منذ ثلاث سنوات، حينها كنت منهكة تماماً، أختبئ داخل ملابسي الفضفاضة ذات الألوان المحايدة وأبحث عن أقل الطرقات ازدحاماً لأنسلّ منها دون أن أحدث ضجة تثير أي انتباه. كنت أشعر بأن المباني الشاهقة تطبق على صدري، المباني التي لا تشبه البيوت الصغيرة في مدينتي الساحلية في جنوب اليمن حيث مررت بما تمر به معظم النساء من عنف هيكلي ونفسي، تُضاعفه الحرب وتجعل الخروج من دوائره مهمة شبه مستحيلة. 

كنت أسكن في منطقة شعبية، يتراكم الناس فيها فوق بعضهم في المحلات، وفي وسائل النقل وحتى في المصاعد، لم يكن ممكناً، مهما حاولت التخفّي، أن أنجو من نظرة أو لمسة أو كلمة في الشارع تجعلني أشعر بأنني أضأل وأني أنكمش على نفسي أكثر. 

ما الذي يمكنه رأب الصدع، هل هناك من هو مستعد للاستماع والتعاطف بلا كلل أو ملل، والأهم، دون إطلاق أحكام؟ ودون أن يتم اتهام من تتحدث بالمبالغة والتهويل والعاطفية الشديدة وربما الجنون؟

ذات يوم كنت أركز نظري في الخريطة على هاتفي المحمول، مُحاولةً عَزلَ نفسي عن كل ما يحدث من حولي، أسمع فقط  صوت دقات قلبي وأُطمئنُ نفسي أن الخلاص في الوجهة، بعد محطتي مترو وسير  لعشر دقائق، قد وصلت أخيراً إلى بناية قديمة بديعة التصميم. دخلت لأتأكد أن هذا هو “الجيزويت” كما يقول العنوان المرسل لي على الإيميل، فأشارت الفتاة العشرينية في الاستقبال إلى الأعلى  كي أصعد إلى السطح بعد أن قالت: “أنتِ تبع ورشة الستات صح؟”. فشعرت ـ على الرغم من معرفتي لوجهتي ـ بأن ثقلا أزيح عن كاهلي، “نعم ورشة الستات”، ستات فقط، وأخيراً!

كنت أتصفح فيسبوك قبلها بأسبوع تقريبا بحثاً عن فعاليات قريبة من موقعي، يمكن أن أحضرها أو أشارك بها بينما أنتظر رسالة قبول الجامعة الأمريكية، أقصد القبول أو الرفض بالطبع! ، ظهر أمامي فعالية تحمل وصف “التعافي بالسايكودراما” ، بحثت على جوجل سريعاً عن معنى السايكودراما، ثم فتحت الاستمارة وملأتها بمعلوماتي سريعاً آملة ألا أستثنى لأنني لست لاجئة ولا مصرية، لكن إيميل القبول جاء سريعاً.  يجب عليّ طوال سبعة أيام  أن أنخرط كلياً في الأنشطة منذ العاشرة صباحاً وحتى السادسة مساءً، وجدتها فرصة لأغادر السكون المخيف لجدران شقتي، وأصوات رأسي التي لا تتوقف عن وضع سيناريوهات متشائمة حول عدم قبولي بالجامعة واضطراري للعودة إلى اليمن.

تعريف السايكو دراما الذي وجدته هو التالي : “مصطلح يُطلق على نوع من أنواع العلاج النفسي، الذي يعتمد على منطق التنفيس الجماعي والذي يجمع بين الدراما كنوع من أنواع الفنون وعلم النفس. تكمن فعاليتها في مساعدة الشخص على تفريغ مشاعره وانفعالاته عبر أداء أدوار تمثيلية لها علاقة بالمواقف التي يعايُشها حاضراً أو عايشها في الماضي أو من الممكن أن يعايشها في المستقبل”

بدا أن بعض المشاركات في الورشة يعرفن بعضهن ويعرفن المدربات، يسلمن على بعضهن بحرارة بينما في ركن الغرفة على مسافة من الجميع أفكر بإمكانية خلع حجابي والجلوس بشعري غير المصفف. انضممت إلى الدائرة بتردد وعندما عرفت عن نفسي، لم أعرف بم يجب أن أقرن اسمي، فاكتفيت بـ “عائشة من اليمن”. كان هناك الكثير من المصريات، سودانيتين ويمنية واحدة هي أنا. 

بدأت الأنشطة وتحولت الوجوه الباسمة البشوشة إلى أخرى أكثر حيرة، أكثر جموداً وربما أكثر حزناً. حثتنا المدربات على التخفف من الحواجز والأحكام المسبقة  والتصالح مع المساحة والأشياء والأشخاص داخل الغرفة. قسمنا ثنائيات ومجموعات صغيرة ، ثم شاركت الواحدة منا مع المجموعة بالكامل قصص متشابهة الأحداث، متفاوتة المشاعر ومختلفة السياقات،  شاركنا قصصنا الشخصية جداً والعامة بشكل مرعب. حكينا بأجسادنا عبر الرقص، وبكلماتنا في الكتابة وبأصواتنا في الحكي والغناء والتنهيدات. 

قبل نهاية الأيام الثلاثة الأولى، أصبحت عارفةً بقصة كل واحدة منهن، وانكماش ملامحها وتهدّج صوتها. عرفت كيف يَبتسمن بعد إنهاء نص فرّغن فيه كل الأحاسيس، وكيف يصبحن أكثر خفة عندما يتركن أنفسهن للموسيقى ويتمايلن معها عائدات إلى  طفولتهن التي غادرنها منذ زمن ولم تغادرُهنّ. رأيتهن جميعاً إلا أنا، لم أكن قد تمكنت بعد من أن أفتح نافذة إلى داخلي لأفهم ما فعلته التجربة الجديدة بروحي. ولكنني شعرت أن قلوب كثيرة ممدودة إلى قلبي وأياد كثيرة تنتظر يدي. 

قد لا نستطيع تغيير العالم من حولنا كلما أردنا، ولكن الفن كان أداة أخرى أدفع بها الأذى عن نفسي.

انتهت الورشة، وتعلمت مفاهيماً جديدةً تماماً علي،  إما بالاصطلاح وإما لأني كنت أعتقد أن أفكاراً كهذه لا تغادر دفات الكتب. تعلمت أن لطاقتي النفسية حدود، وأن من الحكايات ما قد يحفز صدماتي، ومنها ما قد يرتبط بآلامي، فإما أن أجلس وأتأمل وإما أن أغادر. تعلمت أن  مغادرة غرفة التدريب شيء مشروع بل ومدعوم وموصى به، بالنسبة لي كانت تلك ثورة،  حتى أنني (ربما) لعدم اعتيادي لم استخدم حقي في المغادرة نهائياً. 

تعلمت أن جسمي ملكي وجزء مني ويجب أن استمع لاستغاثاته، وأن أكون حنونة معه، وأن أربت على كتفي، تعلمت أن أوافق أو أرفض أن يعانقني أحدهم وأنا في أسوأ حالاتي. كان يمكن أن نجلس في تلك الغرفة أو نقف، نتمدد، نتجول بينما تتحدث المدربة.  المهم هو نحن، ربما كانت تلك  المرة الأولى التي أشعر فيها أنني ومجموعة من النساء على قمة هرم الأولويات! .

عدت إلى البيت بعد انتهاء الورشة وبحوزتي واق للرصاص، قد لا نستطيع تغيير العالم من حولنا كلما أردنا، ولكن الفن كان أداة أخرى أدفع بها الأذى عن نفسي، اشتبك مع تجارب الأخريات وأشعر أننا غاضبات، حزينات، مرهقات وأن ما يحدث مشكلتنا جميعاً،  علمت أنني لست، وحدي وليس هناك من داع للتخفي.

عدت وبحوزتي رسمة لنفسي بالألوان المائية، رسمت نفسي كما أتخيلها شمساً بأشعة برتقالية وقلب أزرق، مازالت تلك الرسمة معلقة في الصالة رغم مرور كل هذه الأعوام. انتقلت  الرسمة معي من جدار شقتي في فيصل بالجيزة، إلى سكن بنات الجامعة الأمريكية في سنتي الأولى ثم إلى الشقة الأحدث في القاهرة الجديدة. 

لم أسمح للتجربة بأن تتوقف هنا، وعلى الرغم من انتقالي إلى مبنى الجامعة البعيد كنت أتحين الفرص لأشارك في ورشات الرقص التعبيري، والتعبير باستخدام الفنون، والتحقت بمعهد خاص لتعلم البيانو، ثم الرقص اللاتيني (السالسا تحديدا). امتلأ جدار غرفتي برسوم أخرى لنفسي، امتلأ مكتبي بالألوان من كل الأنواع، وأصبحت أكثر شفافية في التعبير عن مشاعري بالكتابة حتى في المنشورات الروتينية على فيسبوك. أصبحت أكثر وعياً بجسمي واحتياجاته، والأهم،  لم أعد أسلُك الطرق الجانبية،  وأسير في الشارع متأهبة لأي أذى، مستحضرةً داخلي غضب كل النساء. 

جلست في كافيه يونس في بيروت بعد مشاركتي في ورشة أخرى أكثر تقدماً في ذات المجال، أي السايكو دراما.  أفكر بمقترح المشروع الذي كتبته، وأظنه بذرة لهذا المجال في اليمن، أطلقت عليه اسم “مساحتها”، فكرت حينها في زميلات الرحلة اللاتي صادفت بعضهن هنا. اشتريت كتب أخرى ورفضت أن أصدق رحيل إحداهن في حادثة على الطريق السريع. أفكر كيف مازلت أتذكرهن بأسمائهن وتفاصيلهن ووجوههن. كيف يمكن أن ينسى الشخص دائنه؟ أنا أدين لكل واحدة منهن بضحكات ورقصات ودموع وحكايات، أدين لهن بالرحلة التي تمكنت فيها لأول مرة من ثقب جدران شرنقتي. 

إقرأوا أيضاً: