fbpx

فقراء العالم العربيّ بلا صوت في  منتدى “دافوس” الاقتصادي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يشتد الفقر في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بينما أثرياء هذه الدول يتربعون على قوائم أغنياء العالم، مستفيدين من الأزمات الحالية لمراكمة الأموال وتهريبها وراء البحار.

غاب لبنان لأول مرّة عن “المنتدى الاقتصادي العالمي” في دافوس السويسرية بسبب الأزمات السياسية التي تعصف به، إذ تجاوز الدولار الواحد عتبة الـ50 ألف ليرة لبنانية، في حين أشارت وزيرة التنمية الاقتصادية المصرية التي حضرت “المنتدى” إلى أن نسبة البطالة في بلادها تبلغ 7% فقط، أما قيمة الدولار الواحد فوصلت إلى 30 جنيه لأول مرة منذ العام الفائت، بعد أن كان مستقراً على 15 جنيه. اللافت أيضاً حضور الرئيس العراقي الذي يحاول، حسب قوله، جذب استثمارات لإنعاش الاقتصاد العراقي الراكد منذ العام 2020. 

الملفت، أنه وراء التصريحات السابقة ومحاولات التحذلق الرسميّة، يصارع اللبنانيون (بالسلاح أحياناً) للحصول على “شقى عمرهم” من المصارف، ويحاول المصريون إضافة “أرجل الدجاج” إلى حميتهم إثر ارتفاع الأسعار، وتسعى الحكومة العراقية  إلى إخفاء “فقر” البصرة وراء اللافتات لأجل العودة إلى “حضن الخليج”،  مع ذلك نرى سياسيين ورجال أعمال من هذه الدول على رأس لائحة “فوربس” السنوية للأكثر ثراء في العالم العربي، وكأن الفقر الذي يعيشه أقرانهم وأبناء جلدتهم، لا علاقة له بهم وثرواتهم المشكوك بأمرها.

تزامن انعقاد “المنتدى الاقتصادي العالمي” في دافوس مع صدور تقرير “أوكسفام” الذي يحمل عنوان “البقاء للأغنى”، الذي يشير إلى تعزيز الطبقية بسبب الأزمات الاقتصادية التي وقعت فيها بعض الدول العربيّة، واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء بسبب استغلال أصحاب النفوذ للأزمات (حرب أوكرانيا، حروب سوريا  واليمن، جائحة كورونا، التهديد بالحرب النووية…) على حساب الفئات الهشة، وتعطيل دور الدولة لمراكمة الثروة وتحميل الخسائر للمواطنين سواء عبر رفع الأسعار أو الضرائب.

مصر:  لا خبز ولا بطالة 

حضرت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية هالة السعيد في دافوس، بعد أسبوع من هبوط الجنيه المصري إلى أدنى مستوياته (1$=30 جنيه)، وفي حديثها مع قناة “سي أن أن الاقتصادية“، ركزت السعيد على الاستثمارات التي تتوق الحكومة المصرية لجذبها، ورأت أن الأزمة الاقتصادية التي خيّمت على الشعب المصري، ليست إلا نتاج للأزمة السياسية المرتبطة بالحرب الروسية-الأوكرانية، مستشهدةً بتوقعات رئيسة صندوق النقد الدولي حول الوضع الاقتصادي الراهن في العالم. كما اعتبرت سعيد أن نسبة البطالة في مصر تقريباً 7%، وهذا “معدّل مقبول”. 

ارتفعت في  الآونة الأخيرة نسبة التضخم إلى 21.9% في مصر، ما انعكس سلباً على أسعار المواد الغذائية فارتفعت بنسبة 37.9% بالتوازي مع انكماش الطبقة الوسطى.

لاتعكس الأرقام المرتبطة بنسبة الفقر في مصر إيجابية الوزيرة حيال الموضوع، إذ تشير دراسات البنك الدولي إلى أن حوالي ثلث سكان مصر، البالغ عددهم 104 ملايين نسمة، يعيشون تحت خط الفقر ( دخلهم اليومي لا يتجاوز 2،15$)، وتقريباً نفس العدد “معرضون للوقوع في براثن الفقر”، ما يعني أن واحداً بين ثلاثة أفراد مصريين لا يجني أكثر من دولاريْن يومياً، أي انخفاض معدلات البطالة لا يعد مؤشراً إيجابياً عن واقع الاقتصاد  في الدولة المصرية. 

ارتفعت في  الآونة الأخيرة نسبة التضخم إلى 21.9% في مصر، ما انعكس سلباً على أسعار المواد الغذائية فارتفعت بنسبة 37.9% بالتوازي مع انكماش الطبقة الوسطى، وانضمام بعضها لفئة الفقراء الجدد وفقاً لتقرير البنك الدولي، إذ يصارع المواطنون المصريون لتأمين ربطة الخبز، وتخزين ما يستطيعون من مواد غذائية قبل ارتفاع أسعارها خوفاً من التضخم.

لا ينحصر انفصال السلطة المصرية عن واقع شعبها بتصاريح وزيرة التنمية الاقتصادية في دافوس، إنما يمتد ليضم رجال أعمال تمكنوا من احتلال مراكز متقدّمة في ترتيب رجال الأعمال الأكثر ثراء في العالم العربي، ويأتي في الصدارة الأخويْن ساويرس، ناصيف (المرتبة الأولى) ونجيب (بالمرتبة الثالثة)، حسب تقرير “فوربس” السنوي الخاص بالعالم العربي.

قدّمت السلطة المصرية عدد من الامتيازات لكل من نجيب ساويرس وشقيقه ناصف مكنتهم من اعتلاء سلّم الأثرياء في العالم عموماً، والعالم العربي خصوصاً، تمثلت بالاستفادة من الضرائب المخفضة والتهرب الضريبي، إلى جانب احتكار الأخوين لقطاعات من السوق كصناعة الأسمنت والغاز الطبيعي. استفاد الأخوين أيضاً من سياسة صندوق النقد الدولي وخصخصة الأصول الإنتاجية المملوكة للشعب عبر صفقات تخللّتها وقائع فساد شهيرة مكنتهم من مراكمة الثروة، حسب ما نُشر في  “درج” في 16 من الشهر الجاري. 

يمتلك 10 من أصحاب المليارات أكثر مما تمتلكه 200 مليون امرأة أفريقية حسب تقرير “أوكسفام“، منهم الأخوين ساوريس اللذان تمكنا من الحفاظ على مركزهما في الطليعة عن الفئة العربية الأكثر ثراء، حسب تقرير “فوربس“، علماً أنهما خسرا نحو 800 مليون دولار من ثروتهما مقارنة مع بداية العام 2022 بسبب الأزمة الاقتصادية. 

العراق في دافوس 

يشارك رئيس العراق عبداللطيف الرشيد في “مؤتمر دافوس” هذا العام في عدة حلقات وجلسات حوارية لمناقشة الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، بينما يقبع حوالي 25 في المئة من شعبه تحت خط الفقر وفقاً لتقرير وزارة التخطيط العراقية الصادرة في الثامن من كانون الثاني/يناير 2023. وسبب ذلك الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا والتخبطات السياسية السائدة منذ العام 2020. 

أفاد الرشيد أن هدف مشاركته هو تشجيع أصحاب النفوذ والاستثمارات وجذبهم إلى العراق، ومحاولة تأمين دعم لمشاريع المياه والطاقة والزراعة، علماً أن الشعب العراقي يعاني من غياب الكهرباء، ما أدى إلى سلسلة من الاعتصامات عام 2021 نتيجة استمرار انقطاع التيار الكهرباء لثلاثة أيام متتالية في مدينة البصرة، وتوفرها ساعات فقط في بغداد وميسان وذي قار. 

ما زال الوضع المعيشي في العراق غير مستقر، أكثر من مليوني عراقي مشرّدين داخل بلدهم، وما يزيد عن 9 مليون مواطن بحاجة لمساعدة إنسانية نتيجة الحرب التي دامت 4 سنوات، في حين أن كلفة إعادة الإعمار تبلغ 88 مليار دولار، كُللت هذه “المصائب” بـسرقة القرن، إذ كشف العام الماضي عن نهب 2،5 مليار دولار تعود لمصلحة الضرائب العراقيّة، إثر عملية احتيال لم تكشف تفاصيلها بشكل كامل حتى الآن.

لبنان والفقراء الجدد

ضخّت المصارف المركزية “تريلوينات الدولارات” عقب الأزمة المالية عام 2008 و أثناء جائحة كورونا 2020 و2021 ، في حين أن مصرف لبنان برئاسة رياض سلامة، حجز أموال المودعين واستخدمها للحفاظ على دعم  الأساسيات مثل البنزين والطحين والأدوية، لكن تمكن المصرفيون من تهريب ما لا يقل عن 5 مليار دولار إلى الخارج بحلول العام 2020. 

ساهمت المصارف بحجز أموال المودعين في لبنان أواخر العام 2019، وتحديد سقف السحوبات اليومية، ما أسفر عن ولادة طبقة عُرفت بـ”الفقراء الجدد”، وهم الطبقة الوسطى الذين سرقت المصارف أموالهم بعدما ما حوّلت نحو 27 مليار دولار الى الخارج. 

استفاد رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، وشقيقه طه من الأزمة،  وتمكنا من الحفاظ على مركزهما كثاني أثرى عائلة في العالم العربي، بعد عائلة ساويرس، علماً أنّ نجيب ميقاتي احتل المرتبة الرابعة في لائحة “فوربس” للأكثر ثراء في العالم العربي، فيما احتل شقيقه المرتبة الخامسة. إذ يعتبر ميقاتي الرجل الأثرى في لبنان بثروة بلغت  2.8 مليار دولار أميركي. 

أثبت تقرير البنك الدولي لعام 2022 أن 53.1٪ من جميع السكان في لبنان فقراء كونهم محرومين ضمن  أكثر من 25٪ من المؤشرات، أمّا مدينة الأخوين ميقاتي، طرابلس، فهي أفقر مدينة على ساحل المتوسط، وفقاً للبنك الدولي أيضاً، فأغلب سكانها يعانون من فقر مدقع، ما دفع الكثير منهم إلى الهجرة غير الشرعيّة بحراً في قوارب “الموت” بسبب عجزهم عن تأمين الحد الأدنى من احتياجات العائلة. يركبون البحر مُخاطرين بأرواح أطفالهم وأرواحهم توقاً لحياة أفضل، رغم مخاطر الغرق أو عدم استقبال الدولة الأوروبية لهم أو تسليمهم الى السلطات اللبنانية والسوريّة في بعض الأحيان. 

التعاون مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مكّن الأخويْن ميقاتي من مراكمة الثروة  والحفاظ عليها على مر السنين، يتضح هذا التعاون في التحويل المالي بين شركة SI2SA، المملوكة من رياض سلامة ومجموعة شركات M1 المملوكة لطه ميقاتي، شريك وشقيق نجيب، إذ تم نقل عشرات ملايين الدولارات بين الشركتين عام 2016، عام إطلاق الهندسات المالية، وفقاً لتسريبات حصل عليها “درج” أواخر العام 2022. 

آخر حضور للبنان في دافوس كان عام 2020 ، إذ زار النائب جبران باسيل على حسابه الخاص المؤتمر، بعكس كل الشائعات التي اتهمته باستخدام أموال الدولة، وهذا العام كان من المفترض حضور رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، لكن أفادت مصادر لـ”درج” بأنه ألغى حضورة قبل أيام فقط من المؤتمر، حاولنا التواصل معه لمعرفة أسباب إلغاء الرحلة، لكن لم نحصل على رد. 

بلاد الحروب والأغنياء 

يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويستعصي عليهم تأمين طعام على طاولاتهم، حسب آخر تقرير لـ”اليونيسيف” في 2022.  رغم أن سوريا واليمن لا تحوي أثرياء ينافسون على مراكز عالمية أو عربية، لكن منذ بداية “الربيع العربي” واشتداد الحروب في المنطقة، ارتفعت أعداد الفقراء حتى أصبح تأمين القوت اليومي إنجازاً. 

دخلت الحرب السورية سنتها الثالثة عشر على التوالي، واستمر معها الانخفاض في الناتج المحلي، ووصل 50 % من الشعب السوري إلى الفقر المدقع بحلول العام 2019 وفقاً للبنك الدولي، لا يعني ذلك  اختفاء الأثرياء في سوريا، إذ يعتبر رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام السوري بشار الأسد – ورغم خلافه معه –  من أثرياء البلد وله سلطة واسعة على الاستثمارات الاقتصادية، ناهيك عن أموال أسرة الأسد الموزعة في مصارف العالم إثر سنوات من الفساد والنهب.

حال سوريا ليست بأفضل من اليمن، إذ تجاوزت نسبة الفقر 70% ، فحوالي 24 مليون يمني تحت خطر المجاعة والمرض، وفقاً لتقرير البنك الدولي لعام 2022. أما أشهر أثرياء اليمن فهو رجل الأعمال شاهر عبدالحق الذي كان على علاقة متينة برئيس اليمن الراحل علي عبدالله صالح، ما ساهم في تحوله من مجرد تاجر للسكر، إلى امبراطور الاقتصادي اليمني، حسب التحقيق الذي نشره “درج” بالشراكة مع “أريج” عام 2018.  

لم تنته حقبة عبدالحق مع مقتل صالح عام 2017، إذ تمكن من السير وحيداً نتيجة النفوذ الذي راكمه وإنشاءه لشركات وراء البحار-Offshore  هرّب عبرها ثروته، في الوقت الذي يعاني اليمنيون من المجاعة وغياب مقومات الحياة نتيجة الحرب بين الحوثيين و”التحالف العربي” بقيادة السعوديّة.

تزداد أعداد الفقراء في العالم العربيّ بينما تستفيد الفئة الأغنى من تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية وتداعيات الحرب الروسية -الأوكرانيّة، إذ كشفت عن طبقات الفساد، واستفادة أصحاب النفوذ والشركات مما يحصل لمراكمة الثروة واحتكار الأسواق على حساب أصحاب الدخل المحدود والعاطلين عن العمل الذين يسعون جاهدين لتأمين قوت يومهم. 

إقرأوا أيضاً: