fbpx

دفاعاً عن الرمادي: التغيير من داخل النظام اللبناني أو خارجه؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

برغم بعض التحفظات والاستثناءات والتباينات اللغوية، وُجد إجماع “نظري” بين الغالبية الساحقة من قوى المعارضة دعماً لقيام دولة علمانية سيادية تعيد النظر بأسس الاقتصاد النيوليبرالي وتقيّم موضوع سلاح “حزب الله” والعنف السياسي بعيداً من الاصطفاف الطائفي المهيمن.

منذ بداية الثورات العربية عام 2011، برز النقاش الذي سعى إلى معالجة مسألتيْن بخصوص دور “الحركات الاجتماعية الجديدة” التي برزت في هذه الحقبة: أولاً، الهدف النهائي من تلك الثورات، وثانياً، الاستراتيجية المرحلية المطروحة لفرض رؤية “الثوار”. على رغم لحظاتٍ كثيرةٍ في الماضي جمعَتْ بين الهدف والتكتيك وأنتجَتْ “كتلاً تاريخية” ضمّت أحزاباً وفئات اجتماعية متنوّعة، إلا أن الاتفاق على البنديْن غائب كلياً في معظم الحالات اليوم، ما ساهم في خلق نوع من الجمود وشلّ قدرة جيل من “الديمقراطيين الجدد” على استعادة المبادرة ومقاومة الواقع الحالي. 

في لبنان بشكل خاص، شهدنا تقدّماً في المسألة الأولى عبر السنين، وقد يكون السبب غياب الجهاز القمعي بالمفهوم العسكري المُمأسس ضمن نظام الدولة، فهذا الهامش، الذي كبر مع زيادة التناقضات بين أحزاب الطوائف، سمح لبعض النُخب والنقابيين والنشطاء، بأن يطرحوا بدائل في ما يخصّ الصيغة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة.

برغم بعض التحفظات والاستثناءات والتباينات اللغوية، وُجد إجماع “نظري” بين الغالبية الساحقة من قوى المعارضة دعماً لقيام دولة علمانية سيادية تعيد النظر بأسس الاقتصاد النيوليبرالي وتقيّم موضوع سلاح “حزب الله” والعنف السياسي بعيداً من الاصطفاف الطائفي المهيمن. 

أما المسألة الثانية، أي إستراتيجية التغيير، فهي في أزمة نتيجة مشكلتيْن أساسيتيْن: لحظة الارتباك والشلل بعد كل استحقاق “مصيري” (كانتفاضة 2019 وانتخابات 2022)، واختلاف “لغوي” غير صحّي حول “التغيير” من “خارج” النظام أو من داخله، وهنا لا نتحدث عن اصطفاف بين طرفيْن فقط، بل بين أطراف عدة ضمن الحالة الاعتراضية النيابية والتنظيمية. في هذا النص، سأركّز على المشكلة الثانية التي أظهرت بين مختلف “العاملين/ات” في الفلك السياسي، مع الأخذ في الاعتبار أنّ المصطلحات المستخدمة لوصف هذه التناقضات متنوعة: “الإصلاحي” مقابل “الجذري”؛ “المؤسساتي” مقابل “الثوري”؛ “البراغماتي” مقابل “المبدئي”… 

منذ بداية الثورات العربية عام 2011، برز النقاش الذي سعى إلى معالجة مسألتيْن بخصوص دور “الحركات الاجتماعية الجديدة” التي برزت في هذه الحقبة: أولاً، الهدف النهائي من تلك الثورات، وثانياً، الاستراتيجية المرحلية المطروحة لفرض رؤية “الثوار”.

“الداخل” مقابل “الخارج” 

مشجّعو “التغيير من الداخل”، أو “الإصلاحيون”، يتحدّثون في العادة عن أهمية “الواقعية” في التعاطي مع “النظام”، أي كسلّة من المؤسسات والنصوص والقوانين. من هنا، يشددون على أهمية العملية الانتخابية والتشريعية والتحالفات الواسعة، ويؤمنون بأنّ وصول عدد من النواب الذين يمثّلون الخط الإعتراضي العام قد يسهّل تشريع قوانينٍ تدفع باتجاه التغيّرات المرحلية في طبيعة النظام. 

في المقابل، فإن مشجّعي “التغيير من الخارج”، أو “الجذريين”، يقدّمون قراءة ترتكز بشكل خاص على “مؤامرة نظامية دائمة”. فمكوّنات النظام المختلفة “تتفق دائما” على الشعب، وتُصوّر التناقضات التي قد تظهر بين تلك المكوّنات في لحظات محددة على أنها “مسرحية”، والمؤسسات التي تدير البلد هي مؤسسات “فارغة”، إذ نعيشُ حالة مستمرّة من “اللادولة”. لذلك، بالنسبة إلى هذه الفئة من المثقفين والنشطاء، فإن التغيير السياسي- المجتمعي لا يأتي من خلال تلك المؤسسات، بل من خلال بناء كتلة شعبية تسعى لفرض موازين قوى. كيفية استثمار هذه القوّة الاجتماعية (الافتراضية) لا تزال موضوع نقاش. وقد يتم استخدامها لاسترجاع مساحات المجتمع المحلية (المعالجة التحررية)، أو للتفاوض على استلام السلطة التنفيذية بشكل مباشر (المعالجة “الدولتية”).

إقرأوا أيضاً:

النظام في كلّ مكان 

نقض هذا الانقسام التحليلي الحاد بين “الخارج” و”الداخل” الذي تبيّن في قراءة بعض النشطاء والنُخب المعارضين، ينبع من قراءة بديلة تفهم النظام ليس كمؤامرة سلطوية دائمة وليس كسلّة من القوانين والمؤسسات، بل كبُنى إجتماعية تتضمن الإعلام والعائلات والشركات والمدارس والجامعات والقطاعات والنقابات والبلديات والأمن والمصالح الاقتصادية والطبقية والسياسية المتنازعة؛ النظام في أدبياتنا وخطابنا وممارساتنا السياسية اليومية؛ هو أيضاً يلعب دوراً أساسياً في تحفيز حركتنا الإقتصادية الخاصة والعامة أو شلها. 

بناءً على هذا التحليل، لا معنى لمعركة سياسية “خارج النظام”. وهذا لا يعني أنّ النظام منتصرٌ بشكلٍ دائم، بل أنّ أي انتصار عليه يفرض علينا معارك “في ملعبه”، أي معارك “غير نظيفة” بالمطلق، حتى ولو قدّمنا نماذج جديدة. في الواقع، الغالبية الساحقة من قوى المعارضة، الجذرية والإصلاحية، خاضت التجربة الانتخابية، وشاركت في عملية الكذب والتخوين والتضليل وخلق “الأوهام”، للنظام من جهة وفي سياق الصراع بين هذه الجهات من جهة أخرى.

برغم هذه التعقيدات، فإن هذه الممارسة الانتخابية اليومية كانت الأجمل في السنوات الأخيرة، لأنها أوضحت “الممكن” وراء العمل الانتخابي في ما يخصّ التواصل مع نطاق أوسع من الدائرة الاعتراضية المعروفة، حتى وإن حصل هذا التواصل ضمن ملعب النظام، أي الملعب الذي ضم معظم المهنيين والعمال والعائلات. والقوى “الجذرية” اعترفت بذلك عندما آمنت باحتمال فوز بعض المعارضين والتقدميين، ليس في صناديق الاقتراع وحسب، بل أيضاً من خلال الطعون الانتخابية أمام المجلس الدستوري. 

لذلك، فإن المعارض الذي عبّر عن رأيه ووصف فعله كنشاط “خارج النظام” ليس بالضرورة يتصرّف كما يُحلل. مثلاً، الحكومة الانتقالية مع صلاحيات تشريعية استثنائية كان موضوع إجماع بين عدد واسع من التنظيمات “الجذرية” في حقبات مختلفة. وبرغم من أي موقف صادر عنها، فتشكيل تلك الحكومة (الافتراضية) يستوجب التفاوض مع قوى النظام، أي “المساومة والتطبيع”. 

أما مشجّعو “التغيير من الداخل”، فممارستهم تشير إلى قراءة تنقض المفهوم “الواسع” للنظام المطروح في المقال. يمثّل الخطاب المُهيمن مكوّناً أساسياً من مكونات النظام، فحتماً المعارك الانتخابية والتشريعية الشخصية عبر المؤسسات غير مستدامة في ظلّ حالة “تمييع” الخطاب النقيض، والأمثلة كثيرة، منها: تطبيع “المعالجات” النيوليبرالية بالتعاطي مع الأزمة الاقتصادية من جهة (كمبادرة نوّاب “شرعة حقوق المودعين”)، وتحييد سلاح “حزب الله” وعنفه الدائم عن المشهد. وأخيراً، إذا كانت مؤسسات النظام القانونية والدستورية هي مفتاح السلطة والقرار في البلد، فلماذا تعتمد قوى النظام في معظم الأوقات على مؤسسات النظام غير القانونية والدستورية؟ على سبيل المثال، كل سجال “مؤسساتي” بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل ترافق مع سجال “غير مؤسساتي”، أي عبر البروباغندا الإعلامي والتشبيح الأرضي والنزاعات الاقتصادية والتحاصصية.

دفاعاً عن الرمادي: بناء القوّة كهدف دائم

أخيراً، رفضاً لثنائيات التحليل بين “الداخل والخارج”، أقترح تثبيت السؤال الأساسي والبدهي بالنسبة إلى أي فرد أو تنظيم قد يهتم باللعبة السياسية: كيف نبني قوّة مجتمعية ومادية كافية لمشروع سياسي يطمح لتغيير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في البلد؟ سؤالٌ صعب، ولكن غرور بعض النشطاء والمثقفين في تحديد الجواب هو الأصعب، بخاصة عندما لا يعرفون الفرقَ بين عملية بناء المعرفة وموقف التشبّث بالأيديولوجيا. 

فالأيديولوجيا شرط من شروط المعرفة حول مستقبل حركاتنا الاجتماعية، ولكن الشرط الآخر هو التجربة، فبناء هذه القوة المجتمعية يستوجب تجارب سياسية يومية، مستمرّة، مسؤولة، ومتنوعة. وهنا أتحدث عن تنوّع أدوات المواجهة، والاختيار بين أداة “الخارج”، وأداة الداخل بحسب الظروف والفرص المتاحة، وليس كنتيجة للتمسّك بسردياتٍ بطولية مزيّفة لا تنتج سوى عزل “نخب التغيير” عن الفئات الشعبية.

إقرأوا أيضاً: