fbpx

بعض النساء مُرهقات… تماماً مثل جاسيندا أرديرن 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يعجب العالم من شجاعة جاسيندا ارديرن ويصفّق لها، كونها إنسانة أولاً وسياسية ناجحة وأم متفانية لدورها الأسري ثانياً وثالثاً، إلا أن بعض المعجبين أنفسهم يتوقعون من زوجاتهم وأمهاتهم أداء أدوار عدة داخل البيت وخارجه بلا كلل أو تذمّر، بازدواجية معايير واضحة

تراجع انتشار فايروس “كورونا”، إلا أن آثاره طويلة المدى ما زالت مستمرة، إذ لم يتعافَ البعض من قلق التقاط الفايروس، ولم يتلاشَ الخوف من خسارة أحبائنا، ناهيك عن تسلّل “العمل” إلى البيت الذي تحوّل “مكتباً” بفضل التكنولوجيا التي جعلتنا “متوافرين” دائماً للخدمة.  

أسلوب الحياة الذي فرضته الجائحة وما نتج منها لاحقاً، راكم ضغوط العائلة والواجبات المنزلية وغيرها من المتطلبات اليومية التي لم تعد تتبع “دواماً” محدداً، ما جعل توازن البعض مهدداً، أو أمام احتمالين، المنزل أو العمل، وقد وجدت جاسيندا أرديرن نفسها أمامهما، فقررت الاستقالة من منصبها.

صرحت جاسيندا أنها تفضّل أن تكون الى جانب ابنتها، البالغة من العمر ست سنوات، عند ذهابها إلى المدرسة. وأضافت أنه بعد خمس سنوات ونصف السنة على تولّيها منصب رئيسة الوزراء، لم تعد قادرة على مواكبة مسيرتها السياسية الحافلة، التي خاضت خلالها معارك سياسية إثر هجوم مسلّح على مسجد، وانفجار بركاني وتفشي وباء “كورونا”، ثم حملة ضد إجراءات مكافحة الوباء. وأوضحت أن استقالتها لا تمت بصلة الى الانتقادات التي طاولتها.

العودة إلى المساحة الآمنة

يحق لجاسيندا أن تقرر أولوياتها وتؤثر البقاء في المنزل، وأن تكون أماً تخلّت عن لقبها وعملها لتكون إلى جانب ابنتها. يحق لها أيضاً أن تفضّل حياتها الشخصية على مسيرتها المهنية، وأن تتجادل مع زوجها حول ميزانية العائلة بدل الشجار مع السياسيين حول ميزانية الدولة. 

تنوعت الصعوبات التي اختبرها الناس في السنوات الماضية، خصوصاً أن وقت الفراغ الذي ظهر فجأة إثر الإغلاق التام، طرح أسئلة لم تكن متوقعة. ترافق ذلك مع موجة من الحث الدائم على التعلم والمثابرة على تحسين الذات (الرياضة المنزليّة، التأمل، القراءة..)، وتنافست الجامعات والجهات التعليمية والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي على تقديم مواد ومصادر مجانية خلال “كورونا”، مستغلة الوباء لتلمّع صورتها أمام العالم وتكسب ثقة المتعلمين. أدت هذه الخطوة إلى خلق إحساس بالتقصير لدى كثيرين، خصوصاً أمام غواية استكمال المسيرة الأكاديميّة من المنزل، ويمكن ألّا نستثني قادة العالم، فهم كما صرحت أرديرن “بشر”.  

خُففت قيود الوباء رويداً رويداً حتى أزيلت بالكامل، لكن الضغط والقلق رافقا حياة الكثيرين بعدما عادوا إلى مكاتبهم، وخسر كثر رفاهية العمل بالبيجاما وتوفير وقت المواصلات، إلى أن عصف بهم الانكماش الاقتصادي العالمي، وغلاء الوقود والحرب الروسية – الأوكرانية وتبعاتها السياسية.  

عانت الطبقات الأفقر من الأزمات الاقتصاديّة، هي أولى الضحايا بسبب غياب سياسات دعم اجتماعية في معظم الدول، وازداد الحمل على بعض النساء، خصوصاً الأمهات العازبات، اللاتي تحمّلن الأعباء داخل المنزل وخارجه. 

شروط العمل التي تتمتع بها جاسيندا لا تنطبق على كثيرات، ممن لا يمتلكن الحق بإجازة أمومة، ولا يستطعن ترك أعمالهن المأجورة.

أحدث الوباء نقلة نوعية في ديموغرافيا مكان العمل. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تركت 863 ألف امرأة وظيفتها في أيلول/ سبتمبر 2020، مقارنة بـ168 رجلاً، لكن بعكس جاسيدا، فإن نساء كثيرات لا يمتلكن رفاهية ترك العمل، والتفرغ للمنزل، خصوصاً إن كان العمل ملجأ من العنف المنزليّ، ويوفر دخلاً رئيساً أو إضافياً للمنزل، فعمل بعض النساء يدعم أزواجهن مادياً لأن الأعباء الاقتصادية لا تمكن مواجهتها براتب واحد. لا يرجع عمل النساء الى أسباب اقتصادية بحتة بل يعني تحررهن على أصعدة مختلفة، لأن قدرة النساء على الإنفاق على أنفسهن وغيرهن، في ظل النظام الاقتصادي الحالي، يضمن القدرة على اتخاذ القرارات في شأن حياتهن الخاصة والعامة. 

قرار ترك العمل لا يأتي من فراغ، بل هو نابع من توافر بيئة منزلية وعائلة داعمة. لذلك، يقتصر تقديم استقالة من العمل على النساء اللاتي يعتمدن على مدخول أزواجهن أو دعم أحد أقاربهن مادياً، فلا يقدمن تنازلات ويضطررن لعيش حياة التقشف، النساء اللاتي يتركن عملهن هن أولئك اللواتي يدرن ظهورهن لمكان العمل نحو علاقة صحية لا يتعرّضن فيها للتعنيف ولا يضطررن للعمل لإثبات وجودهن وأخذ قرارات متعلقة بحياتهن وحياة أطفالهن. 

يعجب العالم من شجاعة جاسيندا ارديرن ويصفّق لها، كونها إنسانة أولاً وسياسية ناجحة وأم متفانية لدورها الأسري ثانياً وثالثاً، إلا أن بعض المعجبين أنفسهم يتوقعون من زوجاتهم وأمهاتهم أداء أدوار عدة داخل البيت وخارجه بلا كلل أو تذمّر، بازدواجية معايير واضحة. يصفق كثيرون لقرار جاسيندا اليوم بينما يتجاهلون أن “منزل” جاسيندا نفسه يتيح لها أن تتخذ هذا القرار.

لا يسمح بعض المصفقين لجاسيندا للنساء حولهم بترك عملهن، إذ لا يوفرون لهن بيئة آمنة أو سنداً مستداماً، خصوصاً أن بعض النساء، وبعكس جاسيندا، يدرن دولة في “الخارج” و منزلاً في “الداخل” وإن شعرن بالإرهاق، يعضضن على ألمهن ويتابعن العمل، إذ لا يتمتعن بالامتيازات الكافية التي تسمح لهن بالاستقالة من عملهن، سواء كن رئيساتْ وزراء أو عاملات بسيطات.

شروط العمل التي تتمتع بها جاسيندا لا تنطبق على كثيرات، ممن لا يمتلكن الحق بإجازة أمومة، ولا يستطعن ترك أعمالهن المأجورة، تلك التي ما إن ينتهين منها حتى يبدأ “عمل” المنزل المجانيّ، وهنا أطرح سؤالاً، إن شعر رجل سياسة بالإرهاق، فهل سيترك عمله، ويتفرغ للمنزل؟ أم ينتقل إلى أعمال أخرى أقل جديّة؟ عادة، لا ينتهي مصير رجال السلطة بغسل الصحون وكنس الأرض، لكن تكفي لمحة سريعة على تقارير المنظمات الدولية الصادرة عن المنطقة العربيّة، لنكتشف أن الرجل الذي يترك عمله أو يطرد منه أو يفقده، يتحول إلى طفل عنيف أحياناً بحاجة الى رعاية وحذر في التعامل معه، من دون أن يمسّ المنزل أو شؤونه.

“أعرف ماذا يتطلب هذا العمل. وأعرف أنني لم أعد أملك الطاقة الكافية لمواصلته”، تقول جاسيندا في مراسيم إعلان استقالتها. أشاهد الفيديو مراراً وأفكر في النساء اللواتي فقدن الطاقة على الاستمرار، إلا أنهنّ يعجزن غالباً عن التعبير ويضطررن للمجازفة بأجمل سني عمرهن وبصحتهن النفسية والجسدية… أفكر بأولئك اللواتي لا يملكن رفاهية الاستسلام أو الانكفاء عن العمل أو أي واجب آخر… 

إقرأوا أيضاً: