fbpx

ثورة يناير… فوهة الهروب التي التهمتنا وأحيتنا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هذا الجيل الهارب إلى ثورته لم يُهزم حتى ولو ضاعت أعمار كثيرين منهم في المعتقل وأُجبر آخرون على ترك البلد، لأنهم على الأقل خاضوا معركة حقيقية حتى لو لم يختاروا نهايتها ولأنهم على الأقل لن يربوا أبناءهم خاضعين.

“إنهاردة يوم 25 يناير… يوم 25 يناير هو عيد الشرطة أجازة رسمية. لو نزلنا 100 ألف شخص محدش هيقدر يقف قصادنا… تفتكروا نقدر؟”، من صفحة “كلنا خالد سعيد” قبل اندلاع الثورة المصرية بأيام.

مرّ عقد وعامان على أكبر حدث شهده جيلنا، جيل العشرينات آنذاك، الأكثر حظاً في التهام التحوّل الكبير، الذي لم تكد تنزلق قدماه في الثلاثينات لتتحول حياته وأفكاره ومسلماته رأساً على عقب. جيل كاد يرتدي بذلة الموظف ليتدرب مثل صغار الديكة على التوسل للرئيس الراحل حسني مبارك، “العلاوة يا ريس”، والابتسام بلا روح على نكاته السمجة، هذا الجيل وجد نفسه يهتف “يسقط يسقط حكم العسكر”، “الداخلية بلطجية” بعدما شاهدنا دماءنا تُهدر على الأرصفة بلا ثمن.

 هل نجحت الثورة أم فشلت أم أجهضت؟ ليس هذا هو السؤال، بل الأهم أننا لم نصبح الجيل نفسه بغير ثورة، على المستوى الفردي كانت الثورة ذروة كل قصة فردية لشباب جيلي، الذروة التي انتشلتنا من أن نكون عبيد السلطان وخدمه، مثلما اعتاد مبارك ومن كانوا قبله أن يحركونا مثل عرائس “الماريونيت”، قطعت هذه الثورة الحبال البالية ولم تعد صالحة للرتق مجدداً، لم يعد الرئيس الأب ولم نعد نحن الشباب أبناءه القصّر، حتى مع تعاظم الخوف!

قطعوا الإنترنت عن الثوار في كانون الثاني/ يناير، ونسوا أن يقطعوا البث التلفزيوني، في ذلك الوقت كنت أجلس أمام الشاشة مع عائلتي في الصعيد، قبل دقيقة من سماع الهتافات كنت مجرد شابة متخرجة حديثاً في الجامعة بتفوّق، وحاصلة على وظيفة مضمونة براتب ضئيل في السلك الحكومي. وكنت في الوقت نفسه، مهيأة للهزيمة الجبرية مثل كل جيلي، انتظار الراتب وتقسيمه كي يكفي احتياجاتي الشهرية في غياب أي هامش للخيال المعارض سوى بقراءة روايات عن أناس يلتهمهم الظلم في “الخبز الحافي” أو آخرين ثائرين عليه في كتابات محمد الماغوط، لكنني وبعد دقيقة من سماع الهتافات، عشت صدمة الإفاقة، يا إلهي، الهزيمة لم تعد مصيرية وهناك سيناريوات نجاة محتملة!

إنهاردة يوم 25 يناير… يوم 25 يناير هو عيد الشرطة أجازة رسمية. لو نزلنا 100 ألف شخص محدش هيقدر يقف قصادنا… تفتكروا نقدر؟”

“هربت البنت وتركتنا وتركت الوظيفة وضاعت في مصر في المظاهرات”، لم يكن هناك هامش للاستئذان كي أهرب، الهروب يعني السير بلا تفاوض، والاكتفاء بالاطمئنان عبر الهاتف، مع احتمال أن تشوّش أصوات القنابل والرصاص ورداءة الخطوط صفو المكالمة.

“آن الأوان كي ترحلي يا دولة العواجيز”، في الهوامش الفقيرة والبعيدة من القاهرة كان خوف الآباء متعاظماً، يبكون على رئيسهم العجوز، يقولون “الشباب اتجننوا، بيثوروا على الرئيس الطيب”، هم من أهدروا شبابهم في الكد بلا طائل، والتهموا الأطعمة المسرطنة على مضض، لكن الشباب “دمه حامي” لا يفهم هذا الخطاب العاطفي فجاءت موجات الهروب الكبيرة إلي القاهرة، هروب من خطاب رجعي مرتعش لخطاب شبابي كاسح نجح في أن يجعل الرئيس يتنحي ليصفق له بعد التنحي كل “العواجيز”. 

قابلت في التظاهرات مئات من الهاربات والهاربين ممن جربوا النوم على الرصيف في عز البرد لإنجاح الثورة ومطالبها، حملوا حبوب الفحم الطبية لإسعاف المختنقين من الغاز، رأوا الدماء تسيل على الرصيف ووضعوا حولها الحجارة ليحترموا أثر الضحايا من أقدام المارة، جربوا معنى أن تصبح جلداً على عظم من شدة الجوع وطول مدة المشي في المسيرات، وعزمنا الجسدي على رغم وهنه في انتزاع رفاق الثورة من أيدي الأمن، وقصص الحب التي بدأت واكتملت بعرس أو داخل السجن.

في التظاهرات، قابلت بنت العمدة من سوهاج تهتف وتستمع الى أغاني كاميليا جبران، ولا تلتفت الى ترسانة العادات التي حطّمتها لتوّها بالهروب إلى القاهرة، وقابلت ابنة الموظف البسيط الذي اعتُقل وهربت لتبحث عنه في المعتقلات.

لو كانت الثورة هزيمة لما عشنا هذا الزخم الفني كله آنذاك، من الغرافيتي إلى الموسيقى والغناء، “ومفيش جبل عاصم من اليأس… غير الحلم… فاتمسكوا بخطاه… مهما يبان مجنون واتحسسوا نوره في عتمة الكوابيس”.

لو كانت الثورة هزيمة لما كتب هذه الأبيات الكاتب الصحافي والناشط السياسي، أحمد دومة، وهو يمضي نصف العقوبة المقررة عليه بالحبس 15 سنة مع غرامة 6 ملايين جنيه، رافضاً الانصياع لليأس. لو كانت الثورة مجرد مزاح، لما أمضى علاء عبد الفتاح خارج السجن من عام 2011 سوى عامين فقط حتى الآن، ولما كتب كتاباً في السجن بعنوان “لم تهزموا بعد”، يقول فيه ” في حلم مشترك فعلًا لإحنا عايزين نعمل إيه مع بعض في مصر. يعني أنت ينفع تنهزم بس يفضل عندك حدوتة أنت بتقولها، عن مش بس إحنا معترضين على إيه، (لكن) على إحنا عايزين نعمل مع بعض إيه”.

هذا الجيل الهارب إلى ثورته لم يُهزم حتى ولو ضاعت أعمار كثيرين منهم في المعتقل وأُجبر آخرون على ترك البلد، لأنهم على الأقل خاضوا معركة حقيقية حتى لو لم يختاروا نهايتها ولأنهم على الأقل لن يربوا أبناءهم خاضعين.

سيعلم أبناء جيل الثورة أن لعبة السياسة في بلادنا قذرة، وأن ضريبة الثورة غالية والحياد فخ، وأن الصوت الفردي مهدور، فيما قد يسقط الاتحاد عروشاً… سيعلمون أن الرواة الحقيقيين أحياء حتى لو لم تذكرهم المناهج الرسمية. 

سيعلم أبناؤنا أن “كلنا خالد سعيد” أسقطت حاكماً، على رغم أنهم لاحقونا في الشوارع وفي منصات التواصل الاجتماعي وفي الصحف وفي الكوابيس، وعلى رغم محاولات مصادرة النوستالجيا والضحك منا باعتبارنا جيل الشعارات الذي كاد يُضيع البلد…

إقرأوا أيضاً: