fbpx

الحرس الثوري “إرهابي”… تكتيك أوروبي لاختبار نيات طهران

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

صعدت أوروبا سياساتها ضد إيران، وأعلنت تصنيف “الحرس الثوري” جماعة إرهابية، من دون أن يدخل القرار حيّز التنفيذ، في محاولة لجس نبض إيران وتداعيات هذا القرار السياسية والاقتصاديّة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تمهّل الاتحاد الأوروبي في إدراج “الحرس الثوري” على قائمة الإرهاب بعد موافقة وزراء خارجية دول الاتحاد على حزمة عقوبات جديدة بحق أفراد وكيانات إيرانية، ما يشير إلى تعقيدات جمّة بخصوص الخطوة الإجرائية المطلوبة لهذا التصنيف، وتداعياته السياسية والأمنية والاقتصادية.

يحتاج المُقترح الأوروبي الذي يقضي بوضع “الحرس الثوري” على اللائحة الأوروبية للتنظيمات الإرهابية، إلى آليات إجرائية ليدخل حيز التنفيذ، منها صدور حكم قضائي وفق ما قال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل. غير أنّ الضغوط الأوروبية المكثفة على إيران، والتي تتزايد حدتها، في الآونة الأخيرة، تكشف عن مسار تصاعدي مغاير لسياساتها المرنة في مرحلة ما قبل الحرب الروسية- الأوكرانية. 

لعبَت أوروبا دور الوساطة بين طهران وواشنطن لإحياء الاتفاق النووي عبر مقاربة أقل تشدداً، إذ عارضت موقف إدارة دونالد ترامب وانسحابها الأحادي من اتفاق عام 2015، بل إنّها، وعلى رغم العقوبات الأميركية، فقد دشّنت طرقاً حيوية لاستمرار النشاط الاقتصادي والتبادل التجاري مع الحكومة الإيرانية، ومنها قناة “إنستكس” مطلع عام 2019.

انخراط إيران في الحرب الروسية- الأوكرانية يتخطى ظهور المسيّرات الإيرانية التي زوّد بها “الحرس الثوري” موسكو، ونقل خبراء إيرانيين الى شبه جزيرة القرم لتدريب القوات الروسية على تشغيل الطائرات من دون طيران، إلى تعاون استراتيجي بين موسكو وطهران، بينما تدعم الأولى عضوية الأخيرة في الاتحاد الأوراسي، والذي يضم كازاخستان وبيلاروسيا وروسيا. 

تباعدت المسارات بين طهران والغرب مع هذا التحالف الاستراتيجي المدعوم من المرشد الإيراني، علي خامنئي،  لا سيما مع تراجع أولويات الغرب بخصوص بعض الملفات كإحياء الاتفاق النووي، وظهور أهمية قصوى للتهديدات الجيوسياسية الجديدة، التي ترى فيها أوروبا تهديداً أمنياً مباشراً لمصالحها. فالاصطفاف الروسي- الإيراني الذي يقوده في طهران جناح المرشد و”الحرس الثوري”، تخطى الجانب العسكري (المسيرات الإيرانية، تزويد موسكو إيران بطائرات سوخوي 35، وكذا الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية)، إلى توسيع التبادل التجاري والتعاون في مجال الطاقة، إذ دشنت الحكومتان الإيرانية والروسية في منتصف العام الماضي، اتفاقات بقيمة 40 مليار دولار في مجال الطاقة، فقط.

تزايدت مجالات التعاون الاقتصادي بين طهران وموسكو، ما يكشف عن أهداف مشتركة للالتفاف على العقوبات الأميركية والأوروبية، وكسر العزلة الديبلوماسية، إذ تضاعف حجم التبادل التجاري بحيث تخطى حاجز الأربعة مليارات دولار، وفق نائب رئيس دائرة الجمارك الفيدرالية الروسية فلاديمير إيفين. 

 نقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، مطلع العام، قوله إنّ التعاون الاقتصادي بين طهران وموسكو یسیر على طريق الاتفاقيات الاستراتيجية في ظل الإرادة الجادة والجهود المستمرة لمسؤولي البلدين.

لمّح شمخاني، خلال لقائه مساعد الرئيس الروسي، إيغور ليفيتين، إلى أنّ “الدور التكميلي لإيران وروسيا في أسواق الطاقة العالمية والترانزیت مهم وضروري”. وتابع: “فرض العقوبات الأحادية يُعيق عملية التنمية ويؤدي إلى تصعيد الأزمات الإقليمية والعالمية”، مشدداً على “ضرورة إنشاء مؤسسات مشتركة ومتآزرة لمواجهة العقوبات وتفعيل القدرات الدولية ضد الحظر الغربي”.

استهداف الحرس الثوري، بوجه خاص، يمثل لحظة تصعيد قصوى تباشر فيها أوروبا سياساتها الخشنة تجاه إيران، أو بالأحرى الطرف الذي يشكل التهديدات الأمنية والجيوسياسية على الغرب، ومن ثم، إمكان الوصول إلى مراجعة إيران دورها العسكري في أوكرانيا، ثم العودة الى طاولة المفاوضات في فيينا، خصوصاً أن أوروبا واجهت خطر “إيران” وتحركت قانونياً ضده، إذ حكمت بلجيكا عام 2021 على الديبلوماسي أسد الله أسدي، بالسجن 20 عاماً لضلوعه في التخطيط لهجوم إرهابي على معارضين إيرانيين أثناء اجتماعهم في باريس عام 2018.

ما زال الموقف الأوروبي يخضع لقيود مختلفة تخصّ تبنّي الحكومات في العواصم الأوروبية قرار إدراج “الحرس الثوري” على لائحة التنظيمات الإرهابية، بينما تبدو آثاره السياسية محدودة، إلى الحد الذي يسمح باختبار موقف إيران تجاه التهدئة والتراجع عن تعاونها العسكري مع موسكو، والاستجابة لتوسيع الاتفاق النووي، بما يشمل قضايا أخرى منها ممارساتها الإقليمية، والمسيرات والصواريخ الباليستية، والانفتاح على الخليج، إضافة الى ملف حقوق الإنسان.

امتناع مجلس الاتحاد الأوروبي عن وضع الحرس الثوري على قائمة الإرهاب، والاكتفاء، فقط، بحزمة عقوبات على مسؤولين وكيانات تابعة للحرس الثوري، يشيران إلى أن أوروبا حققت هدفها التكتيكي، وربما الموقت، لحساب تحقيق ضغوطها المطلوبة تجاه ملفات بعينها، من دون أن تكون هناك قطيعة سياسية وديبلوماسية تامة مع طهران. مع الأخذ في الاعتبار أنّ البرلمان الأوروبي لم يغلق دائرة المفاوضات النووية، فضلاً عن تلكؤ الحكومات الأوروبية في مسألة سحب السفراء. يُذكر أن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على أكثر من 30 مسؤولاً ومنظمة إيرانية، بما في ذلك مؤسسات الحرس الثوري، واتّهمهم بالقمع “الوحشي” للمتظاهرين وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.

طهران لن تتراجع عن نواياها وعمّا يثير مخاوف الأوروبيين.

قالت صحيفة “فرهيختكان”، التابعة لمستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، إنّ الإجراءات الأوروبية الأخيرة ستسمح بمحاسبة ومعاقبة الأطراف التي تتعامل مع الحرس الثوري وحتى الحكومة الإيرانية، باعتبار أنّ الحرس هو جزء من منظومة الحكم، ويسري على الحكومة ما يسري عليه. بينما طالبت الصحيفة بـ”إعداد قائمة بأسماء جماعات الضغط من أصول إيرانية، ومهاجمة مصالحهم السياسية والشخصية”.

وأوضح الباحث في الجامعة الحرة ببروكسل والمستشار لدى البرلمان الأوروبي، مجيد غولبور، أنّ إدراج “الحرس الثوري” على قائمة الإرهاب سيؤثر في القضايا التجارية والبنكية والمالية وتطوير التكنولوجيا، موضحاً أنّ “تصنيفه جماعة إرهابيّة، سيتسبب في تراجع كبير في اقتصاديات الجمهورية الإسلامية، لا سيما أنّ “الحرس” يملك نحو 70 في المئة من حصة السوق الإيرانية.  ولا تعد الضغوط الأوروبية أمراً جديداً أو مباغتاً. فالاتحاد الأوروبي، على مدار الأشهر الستة الماضية، رفع من وتيرة العقوبات على إيران، ونفذ ثلاث حزم من العقوبات على خلفية خروقات حقوقية بالتزامن مع الاحتجاجات المندلعة بعد مقتل الشابة الكردية مهسا أميني. إذ سبق أن استهدف 146 فرداً و12 منظمة، من بينهم أعضاء في “الحرس الثوري الإيراني”.

وهدد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، قائلاً إن طهران سترد بالمثل في حال أدرج البرلمان الأوروبي “الحرس الثوري” على القائمة السوداء للمنظمات “الإرهابية”. كما لمّح إلى إجراءات تصعيدية، منها الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي أو حتى طرد مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من منشآتها النووية. 

يشير ما سبق الى أن طهران لن تتراجع عن نواياها وعمّا يثير مخاوف الأوروبيين، إذ أعلن وزير الخارجية الإيراني رفض بلاده (حتى الآن) الاعتراف بسيادة روسيا على مقاطعتي لوهانسك ودونتسك أو جزيرة القرم. التصريح الذي لم يترك أثراً سياسياً أو ميدانياً له في ظل هيمنة الحرس الثوري، ومصالحه، على أي سياسات أخرى داخل إيران وتعميمه نفوذه ورؤيته على الجهاز الديبلوماسي.

غرد أمير عبد اللهيان على حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، أنّ البرلمان الإيراني “يعتزم وضع أطراف من جيوش الدول الأوروبية على قائمة الإرهاب”. وشدد على أنّ “الرد سيكون بالمثل”. وأردف: “البرلمان الأوروبي أطلق النار على نفسه” بالتصويت ضد الحرس. 

وفي ما يتصل باحتمالية انسحاب طهران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من منشآتها النووية في حال صنّف الاتحاد الأوروبي “الحرس الثوري” منظمة “إرهابية”، قال عبداللهيان إنّ كل الاتجاهات قائمة. وأوضح أنّه “إذا لم يتحرك الأوروبيون بعقلانية ولم يصححوا مواقفهم، فإنّ أيّ رد محتمل من جانب إيران وارد”. 

وكان لرئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، الموقف ذاته، إذ قال إنّه “في حال اتخاذ أيّ إجراءات ضد الحرس الثوري الإيراني، فإنّنا سنعتبر جيوش الدول الأوروبية جماعة إرهابية”.

يرى الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، ميار شحادة، المقيم في برلين، أنّ فهم الموقف الأوروبي العنيف يحتاج إلى مراجعة جذور العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي، منذ بداية السبعينات، وإيران، والتي كانت تتمتع بـ”مرونة” من خلال قنوات عديدة، منها الإعلام ومراكز الدراسات الاستراتيجية والجامعات، فضلاً عن الوسائل التقليدية، منها العلاقات الاقتصادية.

يقول شحادة لـ”درج”، إنّ الخميني استوعب، من منفاه في باريس، الموقف الأوروبي، وعرف طرق اختراقه بحيث يمكن تحقيق علاقات وازنة. وربما، على هذا الأساس، ساد لبعض الوقت معادلة الإصلاحيين والمتشددين في إيران. وتابع: “الإصلاحيون في معظمهم شخصيات أكاديمية ورجال أعمال، وقد نجحوا في تمتين الروابط مع مراكز الدراسات الاستراتيجية ومراكز الفكر الأوروبية”.

أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، منتصف الثمانينات، شكلت إيران “شبكات ضغط” هائلة من مجموعة إيرانيين في أوروبا والولايات المتحدة. لذلك، نجح نظام الملالي في تدشين “شبكة علاقات عامة غير مباشرة في الخارج، فضلاً عن استخدامه اللبنانيين والسوريين وحتى العراقيين الموالين له”، عبر أدلجة الجاليات الإسلامية بفضل المراكز الثقافية الشيعية بالغرب والمنتشرة على نطاق واسع.

لعب الإصلاحيون في التسعينات، مثل محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني، دوراً محورياً في منح كثير من حقوق الاستثمار للأوروبيين وتحديداً الفرنسيين. وكان هدف الإيرانيين “إنهاء أيّ لوبي من الممكن أن يدافع عن الدول المعارضة لنظام “الولي الفقيه”، وفق شحادة، حتى أنّ الأمور تطورت بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) في نيويورك، وظهرت تشكيلات هرمية لمجموعات الضغط الإيرانية مطلع الألفية. يقول شحادة.

يضيف: “تمخضت عن ذلك، المقاربة السياسية الأوروبية تجاه الملف النووي، وغيرها من السياسات التي تخص إيران، إلا أنّ الأمور تبدلت مع بداية عام 2017 بمجرد أن شرعت إسرائيل في تفعيل أدواتها للضغط على الغرب. ولاحقاً، في عام 2020، صُنف حزب الله (اللبناني) كحزب إرهابي في معظم دول الكتلة الأوروبية”.

يمكن القول إنّ الحرب الروسية – الأوكرانية أنهت التعاطف مع إيران وسياساتها داخل أوروبا، وفق الباحث المتخصص في الشأن الإيراني والمقيم في برلين. والتيار المتشدد في إيران يرى بضرورة تنمية العلاقات مع روسيا والصين على حساب أي استثمار سياسي أو اقتصادي مع الغرب.

وأحد الأمور التي تتسبب في تأزم العلاقة بين طهران والغرب، وتؤثر سلباً في مناطق النفوذ الجيوسياسية الغربية، محاولة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الضغط على الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، للقبول بتطبيق معاهدة النظام القانوني لبحر قزوين، التي تم تدشينها مع الرئيس السابق حسن روحاني عام 2018. وتؤول، بناء على هذه الاتفاقية، حصة إيران البالغة 50 في المئة في بحر قزوين (ستتقلص إلى حدود 20 في المئة) الى نطاق نفوذ روسيا.