أردوغان بين زلزالين: معركة انتخابية فوق الحطام! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المساعدات والوعود تبدو أقرب إلى رشوة انتخابية من مساعدات إنسانية حقيقية، إذ سيتم دفعها في الأشهر المقبلة، أي في فترة الانتخابات الرئاسية والنيابية المزمع إجراؤها أواخر الربيع المقبل.

لم تنتهِ آثار زلزال تركيا بعد، ولا يبدو أنها ستنتهي في القريب العاجل. في المقابل، تتحوّل الكارثة إلى ميدان خصب للتنافس السياسي بين الحكم الحالي وأحزاب المعارضة، منافسة على أشلاء الجثث وأنقاض المباني المهدمة والمدن المبعثرة، إذ يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الاستفادة من الأزمة، فيما معارضوه يقتنصون “الفرصة” لإزاحته من السلطة التي تربع على عرشها منذ عام 2002 وحتى اليوم.

كانت استجابة هيئات ومنظمات الإغاثة التركية سيئة وبطيئة عقب وقوع الزلزالين جنوب شرق تركيا، وذلك باعتراف أردوغان نفسه. رأى رجل تركيا القوي أن “هناك تقصيراً وحالة من الضياع شهدها عمل الإغاثة في اليوم الأول من الكارثة، لكن الأمور في تحسن”. هذا وسقط، على أقل تقدير، حوالى 17 ألف ضحية نتيجة الكارثة الطبيعية (نحو 14 ألفاً في تركيا و3 آلاف في سوريا)، فيما لا يزال آلاف آخرون مفقودين تحت ركام المباني.

يعرف الرئيس التركي جيداً، أن الزلازل في بلاده ليست حدثاً طبيعياً فحسب، بل كارثة لها تأثيراتها في السياسة أيضاً، خصوصاً أن وصوله إلى السلطة ترافق مع زلزال مرمرة في ولاية كوجايلي عام 1999، الذي أودى بحياة 25 ألفاً على أقل تقدير. 

تلك السنة والسنوات القليلة التي تلتها، راح أردوغان وأنصاره يقلّبون الرأي العام على السلطات القائمة، ويحملونها مسؤولية التقصير في مواجهة الكارثة وسوء حال البلاد. استفاد أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” من زلزال مرمرة، للظهور كمنقذين لبلادهم من حالة الخراب وعدم اكتراث السلطات، ثم ظفر أردوغان ومن معه في الانتخابات البرلمانية وشكّلوا حكومتهم وحكموا حتى اليوم.

شكل زلزال 1999 فرصة لأردوغان، فيما شكل زلازل عام 2023 أزمة له. تحوّل من مقتنص فرص إلى مدافع عن الوضع القائم. هذا ويسعى الرئيس التركي جاهداً إلى الاستفادة من الزلازل لمصلحته، فأعلن عن إعطاء كل عائلة تركية متأثرة بالكارثة مبلغ 10 آلاف ليرة تركية (نحو 530 دولاراً أميركياً)، كما أعلن عن مشروع بناء وحدات سكنية جديدة في الولايات التركية المتضررة لإيواء الذين تهدمت منازلهم.

هذه المساعدات والوعود تبدو أقرب إلى رشوة انتخابية من مساعدات إنسانية حقيقية، إذ سيتم دفعها في الأشهر المقبلة، أي في فترة الانتخابات الرئاسية والنيابية المزمع إجراؤها أواخر الربيع المقبل. هذه الانتخابات ستكون المنافسة الأخيرة التي يخوضها أردوغان في مسيرته السياسية، إذ يسعى جاهداً إلى الفوز بها ليحكم لولاية رئاسية أخيرة، ليكون المتربع على سدّة الحكم في الجمهورية التركية في ذكرى تأسيسها المئوية الأولى خريف عام 2023.

وعلى الرغم من بعض التسريبات الإعلامية التي تفيد بأن السلطات قد تعمد إلى تأجيل الانتخابات لبضعة أشهر، يجهد أردوغان وحزبه كما الأحزاب المنافسة على التصرف كمرشحين للانتخابات بعد وقوع الزلزالين، لا كمسؤولين في الدولة. 

ركزت وسائل الإعلام التركية الموالية في عراضة انتخابية أخرى لحزب “العدالة والتنمية” على نشر صور ومشاهد من نقل طائرتي أردوغان الخاصتين عشرات الأطفال والمصابين إلى المدن الكبرى بعيداً من أماكن الخطر. كما راح “الجيش الإلكتروني” التابع للحزب الحاكم والمناصر لأردوغان يبث مشاهد استقباله “بحفاوة” قرب المباني المدمّرة، ويُظهر دعوات رجال ونساء الأحياء له بطول العمر وبالمزيد من الانجازات.  

عدا الوعود والدعاية الانتخابية، لم ينسَ الرئيس التركي توجيه رسالة إلى خصومه “المتصيدين في الماء العكر”، إذ أعلن أن “الاستفزازات وبث الشائعات من وسائل الإعلام وأحزاب المعارضة والمواطنين لن تكون مقبولة”. وتلى ذلك، مباشرة، تصريح من وزير العدل بكير بوزداغ أعلن فيه أن كل مخالف ومقصر ومتجنٍ سيواجه بالعقوبات القاسية.

يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الاستفادة من الأزمة، فيما معارضوه يقتنصون “الفرصة” لإزاحته من السلطة التي تربع على عرشها منذ عام 2002 وحتى اليوم.

على المقلب الآخر، ليست تصرفات أحزاب المعارضة أفضل بكثير من تصرفات أردوغان وحزبه. زعيم حزب “الشعب الجمهوري” المعارض الأبرز، كمال كيليتشدار أوغلو، صب جام غضبه على أردوغان وحزبه، إذ اعتبر أنه “المسؤول عن الكارثة، وهذه الحكومة لم تجهّز البلاد لمواجهة الزلازل على الرغم من وجودهم في السلطة مدة 20 عاماً. لهذا السبب لم أفكر مطلقاً في التواصل والتحدث مع أردوغان، وأنا لا أرى هذه القضية فوق السياسة أبداً. إن سياسته هي من أوصلتنا إلى الوضع الحالي”.

ومنذ أشهر، تجهد 6 أحزاب معارِضة على تشكيل تحالف سياسي واحد لمنازلة أردوغان وحزبه انتخابياً. وهي تراهن على ضعف الاقتصاد التركي المستجد في السنوات القليلة الماضية، كما على التأثيرات السلبية والمتزايدة للاجئين السوريين على المجتمع التركي، فيما أتت الزلازل كفرصة ذهبية لها من أجل تأليب الرأي العام التركي وإضعاف الحزب الحاكم، بخاصة أن أعمال الإغاثة لا تبدو جيدة، كفوءة أو سريعة بالقدر الكافي.

بالعودة إلى الاستفادة السياسية، فقد حزب “العدالة والتنمية” الحاكم إحدى شخصياته جراء الزلازل، وهو النائب عن ولاية “أديامان” يعقوب تاش. فيما راحت وسائل الإعلام الموالية للحكم تصفه بالشهيد وتبث عن أفضاله وتحوّل موته لدعاية سياسية وانتخابية.

على رغم مرور بضعة أيام فقط على الكارثة في تركيا، يحاول الجميع، سريعاً، الاستفادة واستثمارها سياسياً وانتخابياً، ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة محاولات جديدة لتهييج مشاعر الناخبين لتجييرها في الصناديق… يحصل ذلك فيما لا يزال الآلاف تحت الأنقاض، مقابل الملايين من المتضررين والمشردين والمصابين، فعلى وقع تراجع الآمال بانتشال المزيد من الأحياء، يخوض أردوغان وخصومه معركة انتخابية جانبية استباقية… تحضيراً للانتخابات المقبلة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني