fbpx

مصر تحتاج إلى الديمقراطية لتحقيق الإصلاح الاقتصادي 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المثير للسخرية بحق، هو أن حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي -الذي هو نفسه رجل عسكريّ- أصبح يشكل التهديد الأكثر إلحاحاً على الحكم العسكري المستمر منذ 70 عاماً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عبدالرحمن منصور 

على مدى عقود، ظل النفوذ السياسي للجمهورية العسكرية -ذاك النظام السياسي الذي يدعمه الجيش، والذي يحكم مصر منذ عام 1952- مستقراً للغاية. فقد صمد التأثير السياسي للضباط أمام تقلبات الزمن بسبب قدرتهم على إدارة الدولة سياسياً في الظل طيلة عقود. واستغل الضباط الهزيمة التي مُنيت بها ثورة 25 يناير/كانون الثاني لتولي دور أكثر بروزاً في حكم البلاد وممارسة السلطة.

لكن المثير للسخرية بحق، هو أن حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي -الذي هو نفسه رجل عسكريّ- أصبح يشكل التهديد الأكثر إلحاحاً على الحكم العسكري المستمر منذ 70 عاماً. وذلك لأنه يقوض العقد الاجتماعي الذي صاغه العسكر عام 1952، والذي كان بمثابة الأساس الذي يدعم الاستقرار السياسي في البلاد.

وضع هذا العقد الاجتماعي أسس اتفاق ضمني تغاضت بموجبه شرائح كبيرة من المجتمع عن انتهاكات النظام للحقوق السياسية مقابل الحصول على منافع اقتصادية واجتماعية تدعمها الدولة. لكن وعلى العكس من ذلك، يُقصي السيسي المؤسسات المدنية البيروقراطية العريقة، وبالتالي فإنه يقوض التزامها بالوضع السياسي الراهن. بل إنه أقدم على ما هو أكثر من ذلك.

فقد قاد السيسي وأتباعه حملة قمع لا مثيل لها منذ ستينات القرن الماضي، حوّلت مصر تدريجياً إلى بلد لا يعلو صوت في ساحته السياسية على صوت الرئيس. وتميز حكمه بآلاف السجناء السياسيين والمئات من حالات التعذيب وعدد لا يحصى من الوفيات داخل السجون. يأتي هذا إضافة إلى أزمة اقتصادية تخضع فيها رؤية السيسي الاقتصادية لاختبار وجوديّ.

منذ أن أطاح حكومة محمد مرسي في عام 2013، سيطر السيسي وحلفاؤه على مؤسسات الدولة. وبعد تولّيه الرئاسة في عام 2014، أقر السيسي مجموعة من القوانين المثيرة للجدل، التي جعلت السلطة القضائية أداة بالفعل في يد الحكومة. بل وعدَّل الدستور بالتعاون مع حلفائه في البرلمان، لرفع القيد عن الفترة الرئاسية، والسماح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2030.

وقوّض الرئيس المعارضة العلمانية من خلال استمالة بعض عناصرها واحتضانها في منظمات سياسية تسيطر عليها الأجهزة الأمنية. وسجن الناشطين السياسيين الذين حاولوا العمل خارج إطار هذه المنظمات. وعلى رغم قرارات العفو الرئاسي الأخيرة التي أتت بعد ضغوط دولية، لا يزال كثر من هؤلاء الناشطين خلف القضبان.

إضافة إلى تحكّمه بالسلطة القضائية والمعارضة، وسَّع السيسي والأجهزة الأمنية نطاق سيطرتهم على وسائل الإعلام التي كانت مستقلّة سابقاً.

قاد السيسي وأتباعه حملة قمع لا مثيل لها منذ ستينات القرن الماضي، حوّلت مصر تدريجياً إلى بلد لا يعلو صوت في ساحته السياسية على صوت الرئيس.

كان قمع السيسي هائلاً. فقد أبعد كل من حاول تقديم نفسه بديلاً عن حكمه إما بالسجن أو الأعمال الانتقامية الأخرى المدفوعة سياسياً.

وصل غضب السيسي العارم إلى قطاع الأعمال أيضاً. فقد ضغط النظام على رجال الأعمال للتبرع لصندوق تحيا مصر، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أداة للنظام لابتزاز الشركات وإجبارها على تمويل مشاريع السيسي السياسية.

وعجّ القطاع الخاص بِشركات مملوكة للجيش أو تابعة له متخصصة في مجالات لا تعد ولا تحصى، لا سيما قطاعات العقارات والصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب والأسمنت. وتفاقم الوضع الاقتصادي في مصر بسبب انخراط الجيش بصورة متزايدة في الاقتصاد. فقد انشغل السيسي وحلفاؤه بتلبية احتياجات الاقتصاد العسكري ومشاريعه العملاقة، وأدى غياب المساءلة والسياسات التشاركية إلى اتخاذ قرارات اقتصادية سيئة.

ربما كان برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، الذي بدأ بتوقيع اتفاقية مع صندوق النقد الدولي في عام 2016، أمراً ضرورياً. ومع ذلك، لم يُنفق الفائض الكبير في الميزانية العامة الناتج من خفض الدعم الحكومي في قطاعي التعليم أو الصحة، على رغم النقص الكبير للغاية في التمويل الذي يعانيان منه. وبدلاً من ذلك، استُخدم الفائض لتسديد فوائد الديون. فقد حصل السيسي على قروض كبيرة لتمويل مشاريعهِ الكبيرة ولِتشييد مدن جديدة ذات ناطحات سحاب لم تعد بأيّ فائدة على الاقتصاد، وربما تتحول في نهاية المطاف إلى مدن للأشباح.

ومع  أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد ناشدا مصر مراراً بعدم إهدار احتياطي النقد الأجنبي في المشاريع العملاقة، إلا أن السيسي لم يصغِ إليهما وقرر الاستمرار في تنفيذ مشروعات مماثلة كبناءِ عاصمة إدارية جديدة للبلاد وتشييد قطار كهربائي خفيف يربط بين المدن الجديدة في شرق القاهرة، متجاهلاً التراجع في الاحتياطيات الدولارية.

ترتبت على هذه السياسات نتائج كارثية، مثلما يشهد الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات والفجوة التمويلية الكبيرة التي ستتطلب مزيداً من الاقتراض.

اعتمد السيسي على “الأموال الساخنة” (التدفقات المالية التي تدخل الدولة أو تخرج منها بهدف الاستثمار والاستفادة من وضع اقتصادي خاص فيها، مثل ارتفاع معدلات الفائدة أو انخفاض سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار) من سندات الخزانة المصرية ذات الفائدة المرتفعة وأسواق الدين الدولية للحفاظ شكلياً على استقرار سعر صرف الجنيه المصري. لكن ثبت عدم استدامة هذه الممارسة. فقد أدى انتشار جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا إلى تدفق 22 مليار دولار من أذون الخزانة المملوكة لأجانب إلى خارج البلاد في غضون ستة أشهر في عام 2022، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع الاقتصادي المتداعي بالفعل. وفي محاولة منها لإنقاذ الوضع، خفضت الحكومة قيمة العملة بنحو 50 في المئة للحيلولة دون تكرار الأزمة الاقتصادية في لبنان.

لكن شبح الوضع اللبناني ما زال يلوح في الأفق. الفارق هنا، أن عدد السكان في مصر أكبر بكثير. ويرزح الملايين تحت خط الفقر بينما يعيشون أيضاً في ظل اضطهاد سياسي شديد وعنيف في كثيرٍ من الأحيان. لا يمكن بأيّ حال استمرار هذا الوضع الآخذ في التدهور بسرعة. إذ قد يؤدي حدوث انهيار مالي في مصر، على غرار الانهيار اللبناني، إلى اندلاع اضطرابات سياسية في الشرق الأوسط بكامله.

إضافة إلى تحكّمه بالسلطة القضائية والمعارضة، وسَّع السيسي والأجهزة الأمنية نطاق سيطرتهم على وسائل الإعلام التي كانت مستقلّة سابقاً.

في خضم الأزمة الدولية الحالية ومع تركيز معظم العالم على حرب روسيا في أوكرانيا، لا يرغب المجتمع الدولي في دخول مصر إلى نفق مظلم. يجب أن تبدأ أيّ خطة واقعية لإنقاذ الوضع بتحمّل السيسي المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تشهدها مصر. قد يمهد هذا الطريق لإيجاد حلول أخرى بخلاف رؤية الرئيس الاقتصادية والإدارية والسياسية، التي  دأب محللون سياسيون كثر على انتقادها.

يجب على المؤسسات والحركات والأحزاب السياسية المصرية كافة أن تُذكِّر السيسي بالمسؤولية التي قبِل بتحمّلها عندما تولى السلطة، ألا وهي تمثيل وقيادة ائتلاف كبير من الجهات الوطنية المعنية ذات المصلحة، يشتمل ذلك على المؤسسات المستقلة مثل القضاء -الذي قوض سلطته لاحقاً- والأحزاب الديمقراطية المدنية ورجال الدين والنخبة الاقتصادية.

كان هذا الائتلاف الكبير، وكذلك شعبيته وقت تنصيبه والحرب على الإرهاب في سيناء، هو ما دفع كثراً من المصريين إلى غض الطرف عن الاضطهاد السياسي الذي مارسه السيسي خلال معظم العقد الماضي. والآن بعد أن أعلن الجيش انتصاره في الحرب على الإرهاب وانتهاء عملياته في سيناء، لم يعد من الممكن اللجوء إلى هذه الذرائع لشرعنة قمع السيسي وسياساته الاقتصادية غير الحكيمة.

يؤجج الوضع الاقتصادي الحرج الغضب والاستياء الشعبيين في مصر، حيث يبلغ متوسط الأجر الشهري 150 دولاراً تقريباً. لهذا، هناك حاجة ملحة الى إجراء إصلاح اقتصادي وأيضاً سياسي. مع إدراك أنه لا يمكن إجراء أحدهما من دون الآخر.

تمثل توصيات صندوق النقد الدولي الأخيرة، نقطة انطلاق للبدء في إجراء إصلاحات. يعد أيضاً تعزيز الإدارة والشفافية من الأمور الأساسية لمستقبل أفضل. وتتضمن الخطوات المهمة الأخرى، توحيد الموازنة والإنفاق الحكوميين لزيادة الشفافية، وإلغاء الإنفاق خارج الميزانية العامة للدولة. إضافة إلى ذلك، يجب أن يقتصر عمل المؤسسات العسكرية على الدفاع الوطني فحسب، وعدم المشاركة في القطاعات الاقتصادية المدنية.

يحتكر الجيش عملية توزيع الأراضي. وتعمل الشركات العسكرية في الصناعات الثقيلة وفي قطاعات الزراعة والإنتاج الغذائي. وتتباين التقديرات التي تحدد نسبة مشاركة الجيش في الاقتصاد المصري، تبايناً كبيراً بسبب نقص البيانات، لِتتراوح من 5 إلى 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ينبغي بيع الشركات والأصول المملوكة للجيش في هذه القطاعات إلى القطاع الخاص، أو طرحها في البورصة. أوصى صندوق النقد الدولي أيضاً بترشيد الإنفاق الحكومي ووقف جميع المشاريع العملاقة الجديدة والطموحة، نظراً الى النقص الحالي في احتياطي النقد الأجنبي الذي تشهده البلاد.

يمكن أن تساعد زيادة دور القطاع الخاص في إفساح المجال للاستثمارات الأجنبية المباشرة الضرورية للغاية حالياً، والتي تعد بديلاً معقولاً عن اللجوء الى القروض الأجنبية الكبيرة لسد العجز في الاحتياطيات الدولارية والحيلولة دون تراجع العملة المحلية لأكثر من ذلك. ولتحقيق ذلك، يجب إجراء إصلاحات تنظيمية وقانونية لضمان سيادة القانون، والتي من دونها ستظل الثقة في الاقتصاد المصري ضعيفة.

وينبغي على المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية وكذلك الحكومات الحليفة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، أن تنصح السيسي بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية وعقد مناقشات بناءة تقوم على معايير واضحة للتباحث حول الإصلاحات اللازمة لتسهيل خروج الجيش من الأنشطة الاقتصادية، مع مواصلة الضغط عندما يتعلق الأمر بقضايا حقوق الإنسان في البلاد. من المهم للغاية أيضاً السماح بالمداولات والحوارات العامة الهادفة والشاملة التي تتناول السياسات العامة الاجتماعية والاقتصادية.

علماً أن تعنت نظام السيسي ورفضه إجراء أيّ  إصلاحات اقتصادية وسياسية أساسية، على رغم أنه لا يزال يتلقى تمويلاً دولياً من أسواق الاقتراض ومن الدول والمؤسسات الحليفة معه، سيؤديان إلى استقرار شكلي فحسب في أحسن الأحوال. ستتكرر الأزمة مرة بعد الأخرى إذا لم تُعالج أسبابها الجذرية، وسيكون إصلاح هذه الأوضاع بعد سنوات وحتى عقود أصعب بكثير.

يجب إعطاء الأولوية للإصلاحات السياسية أيضاً. وينبغي فتح حوار سياسي مع الأحزاب والحركات التي عانت كثيراً خلال الحملة القمعية التي شهدها العقد الماضي. ينبغي أيضاً إعطاء فرصة للموظفين المدنيين التكنوقراط من ذوي الخبرة لتولي مناصب قيادية والمساعدة في صياغة خارطة الطريق السياسية والاقتصادية في الفترة المقبلة.

يمكن أن تكون الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في العام المقبل، بداية لمرحلة جديدة تسعى فيها مصر نحو التحول الديمقراطي تدريجياً. لهذا يجب على حلفاء السيسي -بمن فيهم دول الخليج والإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي- حثه على عدم الترشح مجدداً في الانتخابات المقبلة وإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية اللازمة.

ربما يؤدي حث السيسي على عدم الترشح إلى بزوغ قيادة منتخبة ديمقراطياً أكثر مصداقية وأكثر قابلية للمساءلة. سيتطلب هذا انفتاحاً سياسياً في الفضاء العام، يرتكز على إطلاق سراح السجناء السياسيين ووقف الحملات القمعية وإنهاء تدخلات الأجهزة الأمنية في وسائل الإعلام وشؤون الأحزاب السياسية.

ينبغي على السيسي وحلفائه الباقين من قادة الجيش، التفكير في ما ستصبح عليه مصر والمنطقة من بعدهم في حال انهيار الاقتصاد المصري على نحو كارثي، والإرث الذي سيتركونه وراءهم إذا قرروا السماح بحدوث تحول ديمقراطي فعلي وعقد انتخابات نزيهة، وهو ما سيفتح المجال أمام استقرار سياسي واقتصادي حقيقي في البلاد والمنطقة.

يمكن أن يمثل هذا الانتقال الاقتصادي والسياسي البطيء الخطى -بتأييد من الجيش والدولة إضافة إلى الضمانات الدولية والإقليمية- بداية جديدة لمستقبل سياسي واقتصادي مستقر وعادل في مصر. ويمكن أن يمهد هذا النموذج الطريق أمام مزيد من التغيير الديمقراطي والاستقرار في المنطقة بأسرها، وأن يساعد في  إخراج الدول العربية الأخرى من دوامة العنف والاضطرابات التي سادت المنطقة خلال العقود الأخيرة.

مؤلف المقال هو عبد الرحمن منصور، كاتب وناشط حقوقي. وقد نشرت كتاباته في “أوكسفورد هاندبوكس” وموقع “مدى” ومجلة “جدلية” الإلكترونية.

هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.