fbpx

رياض سلامة: سيرة مُثيرة لمهندس الانهيار المالي في لبنان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في غضون ثلاث سنوات تقريباً، أُبيدت مكاسب كثيرة تحققت في عهد سلامة. فقد فقدت العملة اللبنانية أكثر من 95 في المئة من قيمتها مقابل الدولار، وأغلقت مئات الشركات أبوابها، واختفت آلاف الوظائف، بينما تستمر أسعار السلع الأساسية في الارتفاع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

سام برووك

يُحقق المدعون العامون في لبنان وأوروبا، مع رياض سلامة الذي يشغل منصب حاكم مصرف لبنان المركزي منذ فترة طويلة، للاشتباه بضلوعه في جرائم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال وفساد. فضلاً عن إلقاء اللوم عليه بوصفه مسؤولاً عن الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد. بيد أن سلامة يدَّعي أنه كبش فداء.

من هو رياض سلامة؟ 

رياض سلامة هو أحد أطول حكام المصارف المركزية عهداً في العالم. فقد ترأس مصرف لبنان المركزي لما يقرب من ثلاثة عقود، ولا يزال في منصبه الذي يشغله منذ عام 1993، بعدما عمل مستشاراً مالياً في “شركة ميرل لينش” في باريس وبيروت.

طوال سنوات، وُصف سلامة بأنه أشبه ما يكون بصانع مُعجزات، فقد ساعد على إرساء استقرار اقتصادي نسبي في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990. وانخفض التضخم السنوي الذي وصل إلى ذروته بنسبة 100 في المئة تقريباً بعد الحرب عام 1992 إلى 0.2 في المئة فقط عام 1999. وبحلول عام 2008، رفعت وكالة التصنيف الائتماني “موديز” توقعاتها للنظام المصرفي اللبناني إلى “إيجابي”. وبعد عام واحد، اختارت مجلة “ذا بانكر”، وهي مجلة عالمية متخصصة في الشؤون المالية الدولية، رياض سلامة كـ “أفضل حاكم مصرف مركزي في الشرق الأوسط للعام”.

بيد أن سجل أعمال سلامة الحافل واجه تدقيقاً متزايداً منذ انهيار النظام المالي اللبناني في أواخر عام 2019. واتهمه المعارضون بسوء الإدارة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، في حين استدعت التحقيقات في جرائم تبييض الأموال المشتبه بها، حضور المحققين الأوروبيين إلى بيروت.

في غضون ثلاث سنوات تقريباً، أُبيدت مكاسب كثيرة تحققت في عهد سلامة. فقد فقدت العملة اللبنانية أكثر من 95 في المئة من قيمتها مقابل الدولار، وأغلقت مئات الشركات أبوابها، واختفت آلاف الوظائف، بينما تستمر أسعار السلع الأساسية في الارتفاع.

قالت عليا إبراهيم، المؤسس المشارك والرئيسة التنفيذية لموقع Daraj.com، الشريك الإقليمي لـ” مشروع الابلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد”، “لا يزال معظم اللبنانيين يعانون، حتى لو استمر البعض في تحقيق أرباح هائلة”. مضيفةً، “في معظم أنحاء لبنان، يُعد الوضع من أسوأ ما شهده لبنان على الإطلاق”.

على رغم الدعوات إلى إقالته، واصل سلامة التمتع بدعم شعبي من شخصيات بارزة، من بينهم رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شغل المنصب لفترة طويلة.

لماذا يُلقى باللوم على رياض سلامة بوصفه مسؤولاً عن الأزمة الاقتصادية في لبنان؟

في مقال نشرته “بي بي سي نيوز” عام 2008، ادعى سلامة أن نظامه النقدي “المحافظ للغاية” قد تعرض للاختبار في مواجهة الحروب، وعدم الاستقرار، والاغتيالات السياسية”. وبالعودة إلى الحاضر، يُلقي الكثير من الخبراء الاقتصاديين – واللبنانيين العاديين – الآن باللوم على سلامة بسبب الانهيار الكبير الذي تشهده البلاد.

قارن البنك الدولي نظام سلامة المالي بـ”مخطط بونزي”. ففي ظل هذا النظام، ضخ البنك المركزي دولارات أميركية في الاقتصاد للحفاظ على سعر صرف مناسب لليرة اللبنانية مقابل الدولار. وقد أدى ذلك إلى خفض أسعار الواردات، التي يعتمد عليها لبنان بشكل كبير، وساعد في دعم الطبقة المتوسطة في البلاد.

تمثلت الفكرة الرئيسية في أن العجز التجاري اللبناني ومستويات الدين المرتفعة تتطلب تدفقاً ثابتاً للأموال الأجنبية لسداد الديون المستحقة والحفاظ على استمرار عمل النظام. وتم جذب الدولارات إلى النظام من خلال أسعار الفائدة المرتفعة، الأمر الذي سمح للمصارف اللبنانية بتحقيق أرباح كبيرة من خلال إيداع الدولارات لدى المصرف المركزي. وفي غضون ذلك، تلقت المصارف تدفقاً ثابتاً من الدولارات، معظمها من الشتات اللبناني مُترامي الأطراف، الذين كانوا يسعون أيضاً إلى الحصول على عائدات مرتفعة.

عندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا عام 2011 – بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية – اشتد الضغط على النظام. ومنذ عام 2015، تراجعت التدفقات الدولارية بشكل ملحوظ. وفي العام التالي، قدم سلامة خطة “هندسة مالية” بلغت قيمتها 13 مليار دولار، والتي تقدم سندات حكومية للبنوك مقابل العملة الأجنبية التي تتلقاها من الودائع. وقد سمح ذلك للبنوك بتقديم أسعار فائدة أعلى على الودائع بالدولار – 9.7 في المئة بحلول عام 2019 – بينما تضخم الدين الوطني.

نضبت تدفقات الدولارات عام 2019. وبحلول شهر آب/ أغسطس، انخفض سعر الليرة في السوق السوداء. وبدأت البنوك في منع التحويلات النقدية إلى الخارج، وفرضت قيوداً على السحب النقدي. وفي خضم النقص في الدولار الذي أعقب ذلك، انهارت الليرة، مما أدى إلى تداعيات خطيرة على المواطنين اللبنانيين الذين لم يتمكنوا من سحب ودائعهم، التي انخفضت قيمتها بوتيرة متسارعة.

نفى سلامة مسؤوليته عن الأزمة، وفي مقابلة أُجريت معه في كانون الثاني/ يناير 2021 على شبكة “فرانس 24″، ادعى أنه كان ضحية “حملة” سياسية تهدف إلى تقديمه ككبش فداء.

لماذا يخضع رياض سلامة للتحقيق؟

فيما يعاني الكثير من اللبنانيين من الانهيار الاقتصاديّ، كانت لدى سلامة ثروة شخصية مخبأة في الخارج. ففي آب 2020، كشف تحقيق مشترك بين موقع “درج” و”مشروع الابلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد”، أن الشركات المملوكة لحاكم مصرف لبنان في الخارج قد استثمرت في أصول خارجية بقيمة 100 مليون دولار تقريباً، بما في ذلك شقة فاخرة في لندن تبلغ قيمتها 4.1 مليون دولار. وتمكن ابنه ندي أيضاً من تحويل أكثر من 6.5 مليون دولار إلى الخارج، بينما منعت القيود المصرفية المفروضة على المواطنين العاديين من الوصول إلى مدخراتهم.

صرح سلامة لـ”مشروع الابلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد العابر للحدود” (OCCRP) في ذلك الوقت، أنه جمع “ثروة خاصة كبيرة” قبل أن يصبح حاكم المصرف المركزي، وأنه لم ينتهك أي قوانين. غير أن المحققين اللبنانيين والأوروبيين يحققون في اتهامات عدة تتعلق بتبييض الأموال والفساد. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، راسل مكتب المدعي العام السويسري السلطات اللبنانية، مدعياً بأن سلامة وشقيقه، رجا سلامة، قد اختلسا أكثر من 330 مليون دولار من أموال المصرف المركزي بين عامي 2002 و2015.

أفادت التقارير بأن الأموال حُولت من المصرف المركزي إلى شركة مسجلة في جزر فيرجن البريطانية يُزعم أنها مملوكة لرجا سلامة، ثم إلى حسابات الأخوين في المصارف السويسرية – بما في ذلك نحو 248 مليون دولار في الحساب الشخصي لرجا.

ومنذ ذلك الحين، أطلقت فرنسا وألمانيا وليختنشتاين ولوكسمبورغ تحقيقاتها الخاصة. وفي آذار/ مارس 2022، جمدت السلطات أصولاً بقيمة 120 مليون يورو في دول عدة “مرتبطة بالتحقيق في قضية تبييض الأموال في لبنان”. وقال المحققون الألمان لـ “مشروع الابلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد”، إن ذلك يتعلق بالتحقيق في شأن سلامة.

أبلغت النائبة البريطانية مارغريت هودج عن سلامة وشركائه للوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في المملكة المتحدة عام 2021، بعدما كشف “مشروع الابلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد” عن ممتلكاته الهائلة في البلاد. وفي لبنان، اتهمت النائبة العامة الاستئنافية القاضية غادة عون، الأخوين سلامة بجرمي الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال في آذار/ مارس 2022، في ما يتعلق بمعاملات مرتبطة بشقق في باريس. وفي حزيران/ يونيو، داهمت السلطات اللبنانية عقاراً في بيروت مملوكاً لسلامة. في حين ينفي الشقيقان التهم الموجهة إليهما.

وفي الشهر نفسه، أمر النائب العام غسان عويدات على نحو منفصل، بتوجيه تهم تبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتزوير والتهرب الضريبي إلى سلامة. لكن القضية توقفت وسط مزاعم التدخل السياسي والاعتراضات الإجرائية التي قدمها محامي حاكم البنك المركزي في المحكمة.

لماذا لا يزال سلامة في منصبه؟

باختصار، لأن النظام السياسي اللبناني يعاني من الشلل. بعد فترة وجيزة في أعقاب حصول لبنان على الاستقلال عن فرنسا عام 1943، تدار البلاد وفقاً لترتيب دقيق لتقاسم السلطة، يتم بموجبه تخصيص المناصب الرسمية على أساس الانتماء إلى إحدى الطوائف الدينية المختلفة في البلاد.

تم الإبقاء على هذا النظام، الذي أعيد توازنه بعد الحرب الأهلية، حتى مع استمرار تعرضه لانتقادات متزايدة بسبب مساهمته في الخلل السياسي. ومنذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في تشرين الأول/ أكتوبر، على سبيل المثال، فشل مجلس النواب اللبناني مراراً وتكراراً في انتخاب بديل له.

وعلى رغم الدعوات إلى إقالته، واصل سلامة أيضاً التمتع بدعم شعبي من شخصيات بارزة، من بينهم رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شغل المنصب لفترة طويلة.

ومن المقرر أن تنتهي ولاية سلامة الحالية التي تستمر ست سنوات كحاكم للمصرف المركزي في تموز/ يوليو. وفي شباط/ فبراير 2023، أشار إلى أنه سيتنحى عن منصبه في نهاية فترة ولايته، وقال لقناة الشرق نيوز التلفزيونية السعودية إنه “سينتقل إلى العمل خارج المصرف المركزي”.