fbpx

جنديرس الكردية من كارثة الزلزال إلى “جريمة الكراهية”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“ما حصل استهداف لهم ولكل الكرد، بخاصة أن كل أهالي الخيم يشعلون النار بسبب البرد أمام خيمهم ولم يطالب أحد بإطفائها، عدا أن هذه القضايا من تخصُّص الأمن الداخلي-الشرِطة، ولا علاقة للفصائل المسلحة بها”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تنم مدينة جنديرس وعموم الكرد في ليلة 20 مارس/ آذار  على وقع جريمة قتل أربع أشخاص من عائلة “بشمرك” وجرح آخر وضعه خطير، المتهمون ثلاثة أشخاص ينتمون إلى فصيل “جيش الشرقية” التابع “لحركة التحرير والبناء” المنضوية في “الجيش الوطني السوري”.

  يمكن تلخيص موقف أهالي المنطقة الكُرد من الجريمة  بعبارة قالها أحد أقرباء العائلة، خالد عثمان (52 عاماً)، الذي أكّد لـ”درج” :”لم نضع الخيمة للعزاء، بل خصصناها لاستقبال المعتصمين والمطالبين بالمحاسبة”.

تبدو الجريمة استهدافاً للهوية الكردية، ويمكن تصنيفها كجريمة كراهية، إذ يصف  المتخصص في القضايا الجنائية كمال طلاع (57 عاماً)  ما حدث قائلاً: “إطلاق النار لم يكن رشاً أو عشوائياً، إنما تقصّد المتهمون القتل برمي الضحايا بالرصاص دراكاً، أيّ طلقة طلقة”. هذه العمديّة في “القتل” لا تندرج تحت الخطأ، وتجعل العدالة مطلباً ضرورياً، إذ يقول  خالد لـ”درج”:  ” لا نطالب بأكثر من العدالة والقصاص من الجناة، لن نصالح ولن نقبل أيّ فدية أو اعتذار، طفح الكيل بهم وبجرائمهم، خمس سنوات ونحن تحت نيران العبودية والظلم، خطفٌ وقتلٌ وابتزاز وفرض ضرائب وسرقة أرزاقنا، ليصل بهم الحال الى قتل الأبرياء فقط لأنهم أشعلوا ناراً احتفالاً بقدوم عيد النوروز، هؤلاء يقولون لنا إن الظلم سيبقى دوماً وأبداً على رؤوس الكرد، لن نسامح أبداً”.

تفاصيل الجريمة

تشير التفاصيل التي حصل عليها  “درج” عبر تواصله مع مجموعة ناشطين وشهود عيان، الى أن عائلة كردية أوقدت النار قرب منزلها المتهاوي احتفالاً بعيد النوروز، مرت بعدها دورية مؤلفة من ثلاثة عناصر طلبوا من العائلة إطفاء النار، وتلفظوا بعبارات مُهينة مثل “من أنتم”، ثم رددوا بعدها عبارات مثل “إنهم عبدة النار، كفار، مجوس، طقوس النوروز مخالفة لشرع الله”، وبعد رفض العائلة الأوامر، حصلت مشادة كلامية بين الطرفين أطلقت فيها الدورية النار بشكل مباشر على المحتفلين، ما أدى الى مقتل أربعة وجرح آخر بإصابات بليغة. 

يصف الناشطون الذين تواصل معهم “درج”، دوافع الجريمة  بالقومية والعنصرية، وبأنها نابعة من “الحقد تجاه الكُرد”،  فهذه النار أوقدت قبل 2800 عام، بداية رأس السنة الكردية، ومنذ ذلك الوقت، يتعرض الكرد لكل أنواع  المضايقات، وهؤلاء  أكملوا دورة القصاص من الكرد، فقتلوا المحتفلين رفضاً لإشعالهم نار الكرد والنوروز.

يرفض حسان زاده (62عاماً)، من وجهاء أهالي عفرين، ما نُشر على صفحات “جيش الشرقية” حول “غياب أي دوافع كراهية أو انتقامية على خلفيات دينية قومية”، إذ يؤكد  أن النار كانت صغيرة في “منقل شواء”، وبعيدة من مكان الخيم التي تدّعي الفصائل أن القتلة خافوا من انتقال النار إليها، وأيضاً ما علاقة انتقال النار بعبارات “عيد النوروز شرك بالله وكفر به” و “النوروز هو عيد المجوس والمرتدين عن الإسلام”؟!

يضيف  زاده :”هذه العائلة معروفة بنضالها القومي الكردي، وسُميت بالبشمركة نتيجة انخراط قدامى العائلة ضمن صفوف الحركة الكردية، وأمانتهم في العمل وصدقهم في التعامل، ما حصل استهداف لهم ولكل الكرد، بخاصة أن كل أهالي الخيم يشعلون النار بسبب البرد أمام خيمهم ولم يطالب أحد بإطفائها، عدا أن هذه القضايا من تخصُّص الأمن الداخلي-الشرِطة، ولا علاقة للفصائل المسلحة بها”.

 ينتمي مرتكبو الجريمة إلى “جيش الشرقية”، من دون تقييدهم في قوائمه، إنما بشكل خارج الوثائق، فلكل فصيل مجموعة مسلحة يختلف عدد أفرادها من فصيل إلى آخر وفقاً لميزانية كل طرف وحجم استفادته من الضرائب والحواجز والمعابر، ووفقاً لــ”كمال طلاع” هم “يُشكلون كارتيلات للسلطة، يستفيد منها الجيش الوطني بزيادة المنتسبين إليها وتنفيذ أي عمليات عسكرية، والفصائل أيضاً تستفيد منهم في عمليات خاصة مثل السرقة والنهب والتصفيات، وما حصل في جنديرس جزء من تلك التصرفات التي لم يعد بالإمكان الصبر عليها”. يختم زاده حديثه، “لا أخلاق ولا معايير ولا قيم لهم، في الصباح جاؤوا إلى أحد الأفران التي دشنتها مؤسسة البارزاني الخيرية، وطلبوا الخبز بالمجان متذرعين بعدم امتلاكهم المال، وحصلوا على ما أرادوه، وفي المساء قتلونا، هذه هي تربيتهم الأمنية والعسكرية”.

الكُرد ينتفضون 

“رداً على عملية القتل، ألغينا مظاهر الاحتفال بعيد النوروز في عموم عفرين، وتجمعنا أمام دار الشهداء، وبعد رفض المستشفى العسكري، حصلنا على الجثامين عنوة، وحولنا التشييع إلى تظاهرة عارمة، رفعنا فيها شعارات واضحة مثل، عفرين حرة حرة فصائل يلطع برا، وخمس سنوات حاجة ظلم، وآزادي آزادي-حرية حرية، نريد حماية دولية، نريد أن تحكمنا البشمركة وليس هؤلاء المرتزقة”، هكذا يصف الناشط كمال إدريس (35 عاماً) من أهالي جنديرس مظاهر الاحتجاج، ويضيف: “خرج معنا عدد غير قليل من باقي المكونات والنازحين إلى عفرين، شهدنا تعاطفاً وتضامناً واضحين من قنوات إعلامية وناشطين وإعلاميين، لكن هذا غير كافٍ، لن يُبرد دماءنا وقلوبنا المحترقة إلا القصاص العادل، مطلبنا هو العدالة، ولا مجال للالتفاف عليها أو وصفها بالمشاجرة أو سوء الفهم، هو فعل القتل المباشر ولا توصيف آخر مقبول بالنسبة إلينا”.  

تمكّن “درج” من التحدّث إلى شقيقة الشهداء، التي اشترطت تسميتها بــ”أم الشهداء”، إذ قالت: “خلقنا الله أكراداً، ماذا نفعل، هل نموت قتلاً، ما ذنبنا أننا كُرد، هل يجب أن نموت دوماً، لا شيء يشفي أوجاعي على أخوتي سوى القصاص العادل منهم، كانوا ثلاثة قتلوا أربعة من عائلتي، يجب أن يُعدموا هم الثلاثة أيضاً، لن نقبل أن يذهب دمنا هدراً، قتلوا رجالنا بدمٍ بارد وكأنهم ينحرون الخِراف”، وأضافت: “ياليتهم ماتوا بالزلزال، وليس بيد هؤلاء المجرمين، كان الأمر أهون أن يقتلونا بسبب نار النوروز، أتذكر حين كان أنين أبنائنا تحت أنقاض الزلزال يصدح في كل مكان، كانوا يقولون إنهم خنازير اتركوهم للموت”. واختتمت حديثها عبر الهاتف قائلة: “خمس سنوات وهم يقولون عنا أولاد الجن والنار، المجوس والكفرة، الملحدين، النساء السافرات العاريات، وهذه الجريمة يجب أن تكون آخر المجازر وبداية الخلاص منهم، يجب أن يخرجوا من ديارنا”.

الجولاني على خط الجريمة

يخشى أهالي عفرين من أن يسعى الجولاني وجبهة النصرة الى استثمار الجريمة، وتقديم أوراق اعتمادهم لإدارة المنطقة، وهذا ما اتضح من حديث الجولاني مع أهالي الضحايا في معبر أطمة، وفق ما وثقته عدسات الصحافيين،  في رفض نائب رئيس الائتلاف السوري المعارض وعضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا، الدكتور عبد الحكم بشار، عبر منشور على صفحته في “فايسبوك”، دخول الجولاني على الخط، إذ كتب ما مفاده أن  الجريمة  تدفع بسكان المنطقة من الكرد الى قبول حكم أي جهة تضمن لهم الأمن والاستقرار، بمن فيهم حكم الجولاني المصنف على لوائح الإرهاب. على الجهات التي تحكم عفرين الكف عن حديث المؤامرات، الذي هو جزء من منطق النظام وأسلوبه ونمط تفكيره، عليها ضمان أمن الناس وحمايتهم وحماية ممتلكاتهم، وضمان حرية الرأي  والتعبير وإخراج المسلحين  والسلاح من المدن، وتوفير قضاء عادل وحوكمة رشيدة وعادلة تسهر على أمن الناس وتوفير الخدمات لهم، حينها تنتفي كل المؤامرات  وتتجسد قيم الحرية والعدالة والمساواة، ولن يبقى للإرهابيين موطئ قدم فيها. 

وقال عضو في تجمع ناشطي الثورة في عفرين، طلب عدم الكشف عن اسمه نظراً الى الوضع الأمني فيها : “بات من الصعب تأكيد الجهة التي سيؤول إليها حكم المنطقة، فالكرد لن يتراجعوا عن مطلب القصاص وإخراج الفصائل من المدن، على رغم تعهد الفصائل المسلحة بالقصاص من القتلة، والجولاني أيضاً تعهد بالمحاسبة، ووزارة الدفاع والعدل في الحكومة السورية أيضا قالت وتعهدت إنها ستحاسب القتلة، مع تزايد حدة الإدانات الإقليمية والمحلية ضد الجريمة، خصوصاً أن  الكرد يرفضون أي شكل من أشكال إدارة جبهة النصرة أو غيرها لمناطقهم، لكن هول الفواجع التي تقوم بها الفصائل المسلحة، يُخشى أن يدفع بهم الى قبول أيّ جهة تؤمن لهم الخلاص”.

تواصلت درج مع وزارة الدفاع وشخصيات من الشرطة العسكرية في جنديرس لكن لم تحصل على أي إجابات حول مصير المجرمين بعد اعتقالهم

غضب على وسائل التواصل الاجتماعي

توالت بيانات الإدانة والاستنكار حول الجريمة، فالمجلس الكردي قال في بيانه، “إن  قيام عناصر هذا الفصيل بهذه الجريمة الإرهابية الجبانة والقذرة،  يدل ليس فقط على تنكّر هؤلاء لكل القيم التي خرج من أجلها السوريون وقدموا التضحيات الجسام بل العمل ضدها، مطالباً بتقديمهم الى محكمة دولية، وبإدانة تركيا هذا الفعل الإرهابي وإخراج الفصائل من المدن، والمجتمع الدولي بإدانة ا(لمجزرة) وتصنيف هذا الفصيل بالإرهابي ومحاسبته”. 

وأصدر رئيس حكومة إقليم كردستان العراق السيد مسرور البارزاني بيان إدانة حول الجريمة، دعا فيها الى محاسبة الجناة وتقديمهم الى العدالة. كذلك، أصدرت “جبهة السلام الحرية”، وهي تجمع سياسي مكون من أطراف كردية وعربية وسريانية، بيانات إدانة طالبت فيها بالمحاسبة والقصاص العادل. كما وصفت وزارة الدفاع في الحكومة السورية الموقتة ما جرى بـ” جريمة كراهية تمت تغذيتها بمخلفات الفكر العنصري والعقلية البعثية الإقصائية”.  

من جهته، نشر الإعلامي السوري جميل الحسن، منشوراً قال فيه، “لا علاقة لنا بفصائل المجرمين. هذه الثورة لنا كلنا كشعب ضد المجرمين. نعم سيحتفل الكرد بطقوسهم في النوروز وإشعال النار، لا علاقة لأحد بهم، يجب أن يحاسب الجناة، يجب أن نقف مع الشعب الكردي”. 

ونشر الفنان السوري عبد الحكيم قطيفان عبر صفحته على “فايسبوك”، تسجيلاً تضامنياً مع أهالي الضحايا، أكد فيه “أننا أمام  جريمة مروعة قذرة مدانة، الذين ماتوا كانوا يحتفلون بعيد النوروز عيد الولادة والجمال والعطاء، على أيدي حفنة من السفلة وعديمي الأخلاق  والتربية والقيم والوطنية والتربية، لذلك أطالب بالمحاكمة السريعة وكشف ماذا إذا كان هذا سلوكاً أرعن أزعر أم ثمة جهات تقف خلفهم”.