fbpx

بعد “الرقص الصاروخي”… لبنان جثّة سياسيّة ملقاة على شاطئ صور  

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تدرك إسرائيل أن الصواريخ التي انطلقت هي مجرد رسالة وليست حرباً، ويدرك “حزب الله” أن الرد الإسرائيلي هو مجرد غارات ودودة. إذاً من المستهدف؟ إنه نحن قبل كل شيء.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

وفي المحصلة، تحوّلنا في ظل الانهيار الذي لا قاع له، إلى مجرد صندوق لتبادل الرسائل بين إسرائيل وإيران. رسائل صاروخية أحياناً، إلا أنها تنطوي على ودّ أيضاً، بدليل الجهد الذي بذلته حكومة اليمين الديني في إسرائيل لتحييد “حزب الله” عن الواقعة الصاروخية التي شهدها لبنان يوم الخميس. وهذا الجهد تم تتويجه بالغارات الإسرائيلية صبيحة يوم الجمعة على محيط مخيم الرشيدية واستهدف مواقع قالت إسرائيل إنها لـ”حركة حماس”، ويعلم الجميع كما يعلم أهل المنطقة أنها غارات في الفراغ، تماماً كما كانت الصواريخ التي استهدفت إسرائيل في الفراغ أيضاً.

والود المستقطع بين غارة في سوريا وأخرى في إيران، يحتمل صواريخ هائمة على وجوهها في سماء لبنان، ذاك أن اتفاق ترسيم الحدود لم يستنفد طاقته بعد، وحرص الحكومة الإسرائيلية على تحييد “حزب الله” بدا مدهشاً، وغير مفسرٍ، إلا بوصفه ابتسامة مراوغة لا تخلو من قبول. أما نحن الهلِعين والمتحسسين أجسادنا المنهكة، فلا بأس بساعات من الرعب نعيشها قبل أن نعاود بحثنا عما يقينا شرور العيش في نظام الفساد والفشل هذا.

القصة إذاً هي مجرد تبادل رسائل. 

لبنان مجرد تفصيل في هذه المواجهة الصورية. لبنان العاجز عن محاسبة فاسد واحد من الطبقة السياسية التي تحكمه، ليس جزءاً من حسابات الأطراف التي تتبادل الود الصاروخي على حدوده الجنوبية. لبنان بلا رئيس وبلا اقتصاد وبلا حدود وبلا مستقبل.

منصة الإطلاق هي المأساة التي نعيشها في ظل الانهيار، ومنصات الرد أيضاً مآسينا. هذا الرقص الصاروخي لا يكترث طرفاه لحقيقة أن اللبنانيين يعيشون في أسوأ أيامهم، وأن الحرب إذا ما اشتعلت ستضيف بعداً دموياً لمأساتهم. لبنان ليس جزءاً من حسابات أحد في ظل هذه الاحتمالات. حقيقة أن لبنانيين صاروا يموتون على أبواب المستشفيات، وأن لا تعليم ولا عمل ولا مستقبل، ليست من هموم مشعلي الحرب، أو الراقصين على ضفافها. وبالأمس عاينا احتمالاً من هذا النوع.

تدرك إسرائيل أن الصواريخ التي انطلقت هي مجرد رسالة وليست حرباً، ويدرك “حزب الله” أن الرد الإسرائيلي هو مجرد غارات ودودة. إذاً من المستهدف؟ إنه نحن قبل كل شيء. نحن المترنحين في مآسيهم والعائشين في ظل نظام جائر وفاسد وفاشل. وهذا ليس مصادفة، ذاك أن السوء الذي نعيش فيه، هو تماماً ما يجعل من رسائل الود الصاروخية أمراً ممكناً.

الانهيار هو ما أتاح إبرام صفقة ترسيم الحدود من دون عرضها على أحد، وهو ما يتيح اليوم لـ”فصائل فلسطينية غامضة” إطلاق عشرات الصواريخ في غفلة من “حزب الله” ومن إسرائيل، والانهيار هو ما يجعل “حزب الله” لاعباً وحيداً، وحكومة اليمين الديني في إسرائيل شريكاً وحيداً في هذه الرقصة الصاروخية، وفي اليوم الذي اقتحم فيه متطرفون يمينيون المسجد الأقصى، وقبل يوم واحد من زيارة زعيم “حماس” إسماعيل هنية لبنان تلبية لدعوة من “حزب الله”.

لبنان بهذا المعنى ليس أكثر من “جثة سياسية” يجري حقنها بوقائع بهدف جس النبض على جبهات موازية. فالصواريخ انطلقت على وقع غارات إسرائيلية متتالية على مواقع إيرانية في سوريا، وقبل يوم من زيارة هنية لجمهورية “حزب الله”، وفي موازاة مصالحة إيرانية – سعودية، وعشية اقتحام مستوطنين متطرفين المسجد الأقصى. ويمكن المرء أن يُقلب الاحتمالات إلى أن يصل إلى حقل كاريش، أما أن يُقحم الحسابات اللبنانية، ومنها الانهيار والكوابيس والإفلاس، في مشهد الواقعة الصاروخية، فسيغامر بفعل ذلك بـ”كرامة” جهدت الممانعة في بنائها على أنقاض أرواحنا وصحتنا ومستقبل أبنائنا.

ومرة أخرى، يبدو توظيف الحدث الصاروخي في سياق مواجهة أهالي القدس المستوطنين المتطرفين والجنود الإسرائيليين على أبواب المسجد الأقصى، امتداداً لخطاب لطالما دأب على الإساءة الى القضية الفلسطينية، وعلى زجّها في حروب أهلية لطالما شهدتها بلدان المشرق، وهو يمثل أيضاً ملاقاة للدعاوى اليمينية الإسرائيلية المتمثلة في أن المواجهة في القدس هي امتداد لمواجهات على “إسرائيل الكبرى” أن تخوضها. هو عملية تلويث لقضية الحق الفلسطيني، بمآس تقف أنظمة الحروب الأهلية وراءها. فكيف يمكن أن يستقيم حدث صاروخي بلا أهداف واضحة، مع مواجهة نقية وعادلة يخوضها أهالي القدس مع قطعان المستوطنين؟

لبنان مجرد تفصيل في هذه المواجهة الصورية. لبنان العاجز عن محاسبة فاسد واحد من الطبقة السياسية التي تحكمه، ليس جزءاً من حسابات الأطراف التي تتبادل الود الصاروخي على حدوده الجنوبية. لبنان بلا رئيس وبلا اقتصاد وبلا حدود وبلا مستقبل. جثة ملقاة على شاطئ صور، لا مصلحة لأحد بدفنها، ذاك أن من ينوي فعل ذلك سيعرّض المهمة الملقاة على عاتقها لخطر الزوال. من سيدفن الجثة ستلاحقه شبهة الخيانة.