fbpx

“النهر” لغسان سلهب… الغموض بطل الفيلم 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ينتمي الفيلم إلى قائمة الأفلام الجماليّة التي ربما تجد مساحتها في المهرجانات بشكل أوسع، ولا تتوجه بشكل خاص للمشاهدين الذين يبحثون عن قصّة وسرد وأحداث متسلسلة وفق إيقاع زمني وحيز مكاني واضحين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

*يُنشر هذا المقال في إطار مسابقة النقد السينمائي التي تنظمها شركة “أم سي” لطلاب الجامعات.

       “أتساءل ما إذا كنت قد تغيّرت في الليل، دعوني أفكّر، هل كنت أنا نفسي عندما استيقظت هذا الصباح؟ أذكر أنني كنت أشعر باختلاف ما، لكن عندما أكون أنا نفسي، فالسؤال هو، من أنا، بحق الجحيم؟”.

        هكذا يبدأ فيلم “النهر” للمخرج غسان سلهب. حيرة وضياع وخوف، تخالج يمنى وهي جالسة مع علي، وهما البطلان المطلقان في العمل. 

تدور قصّة الفيلم حولهما تحديداً مقابل افتقارها الى السرد والحوارات المطولة، ما يجعلنا في حيرة عمّا يدور بالفعل بين هاتين الشخصيتين. اختصر سلهب موضوع الفيلم ليجعلنا نعيش مأساة الحرب الدائرة، من خلال ما رأيناه من مشاهد ألغام وأسوار ونقوش على حيطان الكهوف، وحبّ وحنين بين الشخصيّتين من خلال ملامحهما.

الحوار هو لغة العيون والأداء الجسدي، لكن الفيلم يتركنا نبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة، منها: كيف يجدها البطل وتجده في كل مرّة؟ وكأنها مصادفة. الفيلم بطيء الإيقاع، لا يروي قصّة واضحة، فكل ما يدور فيه هو في إطار فلسفي للأحداث، فنشعر بأن المخرج معالج نفسي يحاول عبر السينما تشخيص حالة وطنه النفسيّة.

يمكننا  تشبيه علاقة الرجل بالمرأة بعلاقتنا مع وطننا، فهي علاقة ممزوجة بالحنين، الفراق، الحب، الشوق وغيرها.

الرتابة في عرض الأحداث، نراها في المناظر الطبيعيّة والألوان الترابيّة التي تعزّز الإحساس بالبعد عن الواقع. فإذا كان المقصود بالفيلم تسليط الضوء على الواقع اللبنانيّ السياسي والحروب التي شهدتها البلاد،فانّ سلهب اختصر هذه الحالة بالحروب الاسرائيليّة في تلك المنطقة الجبليّة التي لم يعلن عنها. يحافظ علي ويمنى على أداء بطيء حد المملّ وتشتيت تركيز المشاهد عبر حركات غير مفهومة، ما يدل على أن إدارة الممثل في الفيلم ركيكة. 

عندما نرى الخيالات التي تمر في نهاية الفيلم، يخيّل إلينا رؤية الأشباح، وعندما يبوح علي بحبّه للمرأة نراهما وكأنّهما أصبحا من فصيلة الأموات الأحياء. وللأموات الأحياء في افلام غسان سلهب بعد سياسي ووجوديّ يتّصل اتصالاً وطيداً بحرب تمزّق سماء المكان.

 يتمتّع هذا الفيلم بمشاهد فائضة الحيويّة بفضل كاميرا مدير التصوير باسم فياض الذي أراد استخدام المنظور في تأطير كادراته، إنما برغم تلك الحيوية، الفيلم مجرّد لغز، على المشاهد حلّه.

يستوقفنا قبل نهاية الفيلم، مشهد حميميّ بين البطلين، حيث تدير البطلة ظهرها لحبيبها فتتأجّج بينهما عواطف جيّاشة كانت قد دفنت سابقاً، وعادت الى الظهور في هذا المكان الموحش، في مشهد جريء وسط كل الغموض الذي يسيطر على الفيلم.  

الغموض في الفيلم يدفعنا إلى السؤال، لماذا كانا في هذه المنطقة تحديداً؟ ولمَ افترقا؟ وغيرها من الأسئلة… فمن بداية الفيلم حتّى نهايته لا نعرف شيئاً عن ماضي الأبطال، على المشاهد أن يستخلص كل الأجوبة، لأن الفيلم يتركه حائراً بلا أجوبة.

 يقوم دور الممثل على التعبير عن مشاعره وأحاسيسه من خلال تعابير الوجه وحركات الجسد وغيرها، وعليه أن يضع نفسه مكان الشخصية التي يلعب دورها، فمن خلال تعابير الوجه ولغة الجسد ينسجم المشاهد مع الممثل ويعيش معه مراحل حزنه وفرحه، إلا أن هذا ما افتقر إليه الفيلم في الكثير من مشاهده. كما تمكن ملاحظة ضعف الانسجام بين الممثلين، ما يجعل الأداء غير مقنع في أكثر من مشهد. 

ختاماً كانت المفاجأة. نهاية مفاجئة عند الاعلان عن الحب المحبط. ترافق ذلك مع تأمل طويل في ظلام الطبيعة. يحاول العمل غرس قدميه في حالة لبنان الميؤوس منها، فهناك قبلة على رأس لبنان، مثل قبلة سالومي على رأس يوحنا المعمدان المقتبسة في أحد الحوارات في الفيلم بالإشرة إلى لوحة لوكاس كراناش الاكبر.

يبقى السؤال: لماذا كل هذا الغموض؟ 

   ًتراودنا أيضاً أسئلة أخرى: من أين يعرفان بعضهما؟ كيف بنيت هذه العلاقة بينهما؟ هل المرأة هي فعلاً من خيال الرجل؟ لماذا افترقا والتقيا مجدّداً؟ لماذا التقيا في هذه المنطقة؟ تتعدّد الأسئلة والجواب واحد: هذا هو أسلوب غسان سلهب.

الآراء مختلفة، إنما لماذا لا يذهب سلهب بمخيّلته إلى أبعد ويجعلنا نفهم الأحداث والقصّة أكثر؟ 

   من هنا، تنقسم الآراء بين معارض ومؤيد لهذا النوع من الأفلام، بين من لا يروق له الغموض السائد في الفيلم والقصّة غير الواضحة والمشهد الجريء الذي كان يمكن التعبير عنه بطريقة أخرى أكثر سلاسة، وبين من يركز على القيمة الجمالية للفيلم، المشاهد الرائعة التي تشبه لوحات فنيّة يمكننا تأملها بها لساعات.

يحسب للفيلم أنه نجح في إظهار جمال لبنان وجمال طبيعته الرائعة بالرغم من كل الصعوبات والأزمات التي شهدها.

  النهر، يشكّل ثالث الثلاثيّة الثانية لسلهب التي نرى فيها انصرافاً لذات الفرد وعلاقتة بجسده وروحه وعقله، إلا أنه في النهر نادراً ما تكون هناك جملة مفيدة. إذا كان المخرج يريد ان يوصل لنا رسالة فهي لم تصلنا.

    أكثر ما يستوقفنا، هو كثرة المساهمين لدعم الفيلم، ما يجعلنا نتوقع أنه سيكون مميزاً، وقيماً ولكن في الحقيقة أتى الفيلم أقل من التوقعات.

في الفيلم، محاولات لإضفاء بعض الدلالية غير المباشرة، فيظهر كلب أسود وراء الأبطال. بحسب الدراسات، يرمز الكلب الأسود إلى الاكتئاب، فنفهم بذلك أن الأبطال يعيشون حالة من الاكتئاب، وهم مهددون اما بالموت أو بالعذاب. إلا أن هذه المحاولات الدلالية لم تنجح في إضفاء عمق للرسالة التي يحملها الفيلم.

  ينتمي الفيلم إلى قائمة الأفلام الجماليّة التي ربما تجد مساحتها في المهرجانات بشكل أوسع، ولا تتوجه بشكل خاص للمشاهدين الذين يبحثون عن قصّة وسرد وأحداث متسلسلة وفق إيقاع زمني وحيز مكاني واضحين.