إعادة الإعمار في سوريا: إقصاء اللاجئين وترسيخٌ لسلطة الأسد

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في حال العودة الكثيفة للاجئين من دون وجود بنية سكنية وتحتية ملائمة، سيزيد الضغط على الموارد والاقتصاد، ما سيزيد بدوره الإفقار والجوع كما سيرسخ الحكم الديكتاتوري للنظام السوري.

عودة اللاجئين مقابل تنشيط الاقتصاد وإعادة الإعمار، هكذا بدأت مساومات النظام السوري بالتزامن مع عودته إلى الجامعة العربية، خلال انعقاد اجتماع كبار المسؤولين، للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التحضيري لأعمال القمة العربية في جدة.

 أشارت رئيسة الوفد، معاونة وزير الاقتصاد رانيا أحمد، أن سوريا تولي اهتماماً كبيراً لعودة المهجّرين بفعل الحرب إلى مدنهم ومنازلهم، الأمر الذي يتطلب تنشيط الحركة الاقتصادية في مناطق النظام، عبر التشجيع على المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مختلف القطاعات، إذ تم سن تشريعات وبرامج لذلك، منها قانون الاستثمار رقم (18)، ووجهتْ إثره الدعوة الى الشركات والمستثمرين الراغبين في الاستثمار في سورية للاستفادة من تسهيلات هذا القانون ومزاياه.

كي لا ننسى التكلفة البشرية

تُبشّر عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية وما جاء في الاجتماع التمهيدي، بمرحلة تعزز حضور الأسد عربياً، وبسط المزيد من سلطته وديكتاتوريته داخلياً، فمع الوقت بات التركيز الأكبر على الخسائر الاقتصادية في سوريا، مقابل تقلّص الحديث عن الخسائر البشرية، وكأن النظام لم يساهم في الجزء الأكبر من هذا الدمار. 

على مدى السنوات العشر الماضية، قُتل في المتوسّط 84 مدنياً يومياً كنتيجة مباشرة للحرب في سوريا، وفرّ قرابة 5,6 مليون نسمة خارج سوريا، بحسب مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان. كانت كلفة الحرب السورية باهظة سواء على المستوى البشري أو البنية التحتية والاقتصادية، إذ قُتِل أكثر من 388 ألف شخص على الأقل منذ اندلاع النزاع وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، ويكافح حوالى 12 مليون ونصف المليون شخص داخل سوريا لإيجاد طعامٍ يسد رمقهم كل يوم، وفق برنامج الأغذية العالمي، وقضى مئة ألف شخص تقريباً جراء التعذيب خلال اعتقالهم في سجون النظام، بحسب المرصد السوري، بينما لا يزال مئة ألف آخرون رهن الاعتقال. أما السلاح الكيماوي فاستخدم 38 مرة في سوريا منذ بدء النزاع، وفق الأمم المتحدة من بين الهجمات 32 منسوبة الى قوات النظام السوري. غيّرت الحرب السورية حياة حوالى عشرين مليون شخص تقريباً داخل سوريا، أكثر من 11 مليون منهم يعيشون في مناطق تحت سيطرة القوات الحكومية بعد استعادتها أكثر من سبعين في المئة من مساحة سوريا، وفق الخبير في الجغرافيا السورية فابريس بالانش. باختصار، أثّرت الحرب السورية في كل سوري حرفياً، ولم تتوقف المعاناة للحظة منذ عام 2011.

 تحتاج عملية إعادة الإعمار في سوريا إلى أموال طائلة قدرتها الجامعة العربية بـ 900 مليار دولار أميركي، وهي أكبر فاتورة إعادة إعمار في التاريخ الحديث.

أتت الحرب على مدار 12 سنة، على ثلث البنية التحتية و70 في المئة من شبكة الكهرباء وإمدادات الوقود والمياه، وخرجت نصف المستشفيات والعيادات والمستوصفات عن العمل، تدمرت 7 في المئة من المنازل، وتضررت 20 في المئة منها، حسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. تحتاج عملية إعادة الإعمار في سوريا إلى أموال طائلة قدرتها الجامعة العربية بـ 900 مليار دولار أميركي، وهي أكبر فاتورة إعادة إعمار في التاريخ الحديث، بينما وصلت  تقديرات الحكومة السورية والروسية سابقاً إلى 400 مليار دولار. بالطبع، جاء زلزال 6 شباط/ فبراير ليزيد التكلفة البشرية والمادية. هذه بعضٌ من الأرقام والتقارير التي غطت الحرب السورية ونتائجها، لكن من المتوقع أن تكون الأرقام أكبر بكثير في ظل صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة في سوريا.

المشكلة بدأت منذ لحظة توقّف الحرب

سابقاً ورغم الحرب، كان الناس قادرين على تأمين معيشتهم، بخاصة في المناطق الهادئة نسبياً، لكن الوضع الاقتصادي بدأ في التدهور أكثر وأكثر مع توقف المعارك، وكانت “مجموعة الأزمات الدولية” حذرت بالفعل في تقرير نشرته عام 2019، من أنه ومن دون إعادة الإعمار، يمكن أن تتدهور ظروف السوريين المعيشية إلى أجل غير مسمى.

بعد زلزال 6 شباط، قال البنك الدولي إن الزلزالين اللذين ضربا سوريا وتركيا في شباط ربما يتسببان في انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا بنسبة 5.5 في المئة عام 2023، وقدّر البنك أن تبلغ تكاليف التعافي وإعادة الإعمار في سوريا 7.9 مليار دولار على مدار 3 سنوات.

بعد التقارب العربي – السوري الأخير واستعادة النظام جزءاً من دوره في المنطقة، علّق كثيرون آمالاً على تحسّن حياة سوريي الداخل وعودة اللاجئين، لكن وبحسب ما قاله الدكتور جوزيف ضاهر لـ “درج”، لا تعني هذه الأحداث الأخيرة أن سوريا ستشهد على المدى القصير أي تحسن لسكانها أو انتعاش اقتصادي محتمل في المستقبل ودعم دولي لها، الأمر الذي سيعتمد على عوامل كثيرة، بما في ذلك تقدم عمليات التطبيع هذه. يتابع ضاهر، الدكتور في العلوم السياسية: “إن تطبيع النظام السوري، الذي يترجم إلى تطبيع دبلوماسي أكثر من التقارب الاقتصادي، لا يعني استثمارات على المدى القصير من ممالك الخليج، والتي تركز على إصلاحاتها الخاصة والتحديات الاقتصادية الوطنية، مثل رؤية السعودية 2030”.

دعاية توقّف الحرب وعودة الأمان إلى سوريا، لا تعني بأي شكل أن عودة اللاجئين باتت متاحة في الواقع أو على المدى القريب، فعودة اللاجئين ستعني بطبيعة الحال ضغطاً اقتصادياً لن يريده النظام، يقول جوزيف ضاهر: “لن يفي النظام بقضايا مثل السماح بعودة جماعية للاجئين أو الإفراج الجماعي عن السجناء السياسيين. لا توجد رغبة في هذه القضايا من النظام السوري. في الوقت نفسه، لا أعتقد أن دول المنطقة ستضغط بشكل كبير على هذه القضايا، فهي ليست نفسها منارات للديمقراطية، بل هي أكثر للاستهلاك العام، بخاصة في ما يتعلق بمواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية”.

عوائق عملية الإعمار

في عام 2016، أُغلق ما يزيد عن 90 في المئة من المشاريع الصناعية في مناطق الحرب الرئيسية مثل حلب، ما دمر الاقتصاد السوري بشكل لا مثيل له سابقاً، ليست هذه هي المشكلة الوحيدة، فبحسب جوزيف ضاهر، تشوب الانتعاش الاقتصادي في سوريا عقبات متعددة ومترابطة، فالعقوبات الدولية تقوّض الاستثمارات المحتملة وقدرات الدولة، يقول: “أوجه القصور في الوضع السياسي في سوريا، عدم وجود وضع اقتصادي آمن ومستقر، نقص القدرة المالية، البنية التحتية المتضررة ونقص العمالة المؤهلة”.

النظام الذي قتل وارتكب المجازر بحق شعبه، لن تعنيه اليوم إعادة الإعمار التي تصب في مصلحة السكان، على العكس، وكما العادة، سيعيد تدوير الاقتصاد بما يخدم مصلحته، يقول جوزيف ضاهر: “يمكن القول ديناميكيات مماثلة حول قضية إعادة الإعمار. ومع ذلك، يجب أن نكون واضحين أن النظام السوري لا يريد عملية إعادة إعمار كبيرة تعود بالفائدة على الشعب السوري ، بل يريد إعادة إعمار خاضعة للسيطرة تخدم مصالح النظام السياسية والاقتصادية والأمنية”. 

على سبيل المثال، هناك جملة من القوانين التي تشرّع الانتهاكات التي قام بها نظام الأسد، والتي سيصدر مثلها الكثير تحت مظلة الإعمار، منها المرسوم 66 لعام 2012، وكان هدفه إعادة بناء الأحياء العشوائية في جميع أنحاء دمشق، ثم تبعه القانون 10 ليغدو المرسوم مطبقاً في جميع أنحاء سوريا، لكن بالتعمق في القانون 66، سيدرك المطلع أن هناك مناطق حددها النظام بشكل خاص، من بينها مناطق خرجت منها الثورة وشارك سكانها في الاحتجاجات.

 فبموجب المرسوم رقم 10، سيتم هدم وإعادة بناء حي التضامن في مدينة دمشق، الحي الذي حصلت فيه المجزرة المروعة على يد أمجد يوسف، وكان من المخطط دراسة أوضاع مناطق أخرى في دمشق منها جوبر وبرزة والقابون مطلع عام 2019، من أجل إعادة إعمارها بموجب القانون ذاته، لكن كل هذه المناطق ضمت جزءاً كبيراً من المعارضة السورية، وما زالت عودة سكانها غير واضحة في ظل عدم وجود استراتيجية، حتى قانون تنظيم الأحياء الشعبية يبدو أشبه بالعقاب، بخاصة أن إعادة التنظيم تعني خروج السكان مقابل تعويضهم بمبالغ قد لا تكفي لشراء مسكن جيد في المنطقة نفسها، وأُجبر كثيرون بالفعل على الانتقال الى مناطق خارج دمشق، وفي كثير من الأحيان كانت مناطق عشوائية كذلك.

من جهة أخرى، يتم الحديث منذ سنوات عن إعادة الإعمار، لكن الى الآن لم تعمل أي مشاريع إعمار على تأهيل المناطق السكنية في سوريا بهدف عودة السكان، وتشمل مشاريع إعادة الإعمار المنفذة حتى الآن البنى التحتية والطرق والمستشفيات، وبطبيعة الحال جميع الاستثمارات العائدة إلى شركات خاصة أو بشراكة مع الشركات العامة، تعني ترسيخاً أكبر لسلطة رجال الأعمال المقربين من النظام، وفي هذه الحالة تبدو عملية الإعمار أشبه بإعادة تدوير الممتلكات لصالح النظام السوري. 

وظّف النظام السوري “بلاغة” إعادة الإعمار كشكل من أشكال البروباغندا، كما في مدينتي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” اللتين أعلن عنهما بين عامي 2017 و2018، في المناطق التي تعرضت للقصف في حي المزة في ريف دمشق، المساحات التي بُرر تدميرها كالكثير من المناطق بوصفها “عشوائيات”، وكان لا بد من هدمها، ترافق ذلك مع استراتيجيّة نزع الملكيّة من الكثير من السوريين الذين هدمت منازلهم، ما يشير إلى أن إعادة الإعمار ليست إلا استراتيجية فاسدة، لنهب الأموال “الخارجيّة” إن وصلت إلى سوريا.

كل ما سبق يقودنا إلى نتيجة واحدة، وهي أنه في حال العودة الكثيفة للاجئين من دون وجود بنية سكنية وتحتية ملائمة، سيزيد الضغط على الموارد والاقتصاد، ما سيزيد بدوره الإفقار والجوع كما سيرسخ الحكم الديكتاتوري للنظام السوري.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني