fbpx

“ابتسم أيها الجنرال”… أسئلة حول السيادة السياسيّة واقتصاد المُخيّلة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

اليوم وبعد عرض “ابتسم أيها الجنرال”، وبعد كل الجدل الذي أثاره، من المفيد التعمق بمعان أبعد من تلك التي قسمت الرأي العام السوري والعربي بشأن هذا العمل الذي أُشيع أنه يحاكي سيرة رأس النظام السوري وعائلته.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“كيف سأكتب من غير شرطي تربّى في رأسي منذ 45 عاماً؟ وما هو القيد الذي كنت أود كسره في ما سبق ولم أستطع؟”.

هكذا أعلن الكاتب سامر رضوان بحيرةٍ قبل نحو ثلاث سنوات، عن الاتفاق على إنتاج مسلسل كان لا يزال في طور الكتابة.

اليوم وبعد عرض “ابتسم أيها الجنرال”، وبعد كل الجدل الذي أثاره، من المفيد التعمق بمعان أبعد من تلك التي قسمت الرأي العام السوري والعربي بشأن هذا العمل الذي أُشيع أنه يحاكي سيرة رأس النظام السوري وعائلته.

“المسلسل هو أول عمل درامي سوري من دون رقابة”. هذه الكلمات التي استُخدمت للترويج للمسلسل منذ ما يقارب الثلاثة أعوام، طرح رضوان حينها تساؤلاته المشروعة، التي لن نحاول الإجابة عنها، لأننا ببساطة لسنا في “رأسه”.

 المتاح لنا هو فهم السياق الذي بُثّ فيه المسلسل في شهر رمضان هذا العام، إذ عرضت حلقات المسلسل الذي أنتجته شركة ميتافورا القطريّة على القنوات الفضائية (العربي 2) و(تلفزيون سوريا)، إلى جانب بث كل حلقة مباشرةً عبر Youtube، ترافق ذلك مع حملة ترويج هائلة لم تدخر المنصات المدعومة من قطر أي جهد في مدح المسلسل وإغراق وسائل التواصل الاجتماعي بمقتطفات منه.

ثوريّة الانتقاد VS ثوريّة المديح

 الطبيعي، ألّا تتيح المنصات الشريكة للشركة المنتجة، المجال لأي انتقاد، اكتفت بالمديح، مع بعض المقالات التي تحتفي وتمرر نقداً من نوع ما للإخراج أو بناء الحبكة، وأخيراً حذفت حلقات المُسلسل من “يوتيوب”، كون الشركة المنتجة تلقت عروض بيع لمنصات أخرى، و”كان لا بد من إيقاف عرض المسلسل على قناة يوتيوب حفاظاً على حقوق النشر”.

أحاطت بالمسلسل هالة من “الرعب” أثناء عرضه، فهناك المؤكدون على شجاعته، وهناك مُتجاهلو الحديث عنه بسبب وجودهم في سوريا أو حرصاً على “أعمالهم” في المؤسسات التابعة لقطر. لم يخف عن أحد أيضاً، ظهور أصوات تنتقد المسلسل، بصورة خاصة “صناعته” وتوجيه أصابع الاتهام الى المخرج، كما فعلت واحدة من أبطال المسلسل، الممثلة ريم علي، التي تلعب دور السيدة الأولى، والتي وجهت انتقاداتها بوضوح قائلةً في نهاية منشور لها على صفحتها الخاصة على “فيسبوك”: “والله الشجاعة ليست فقط بتمثيل دور في عمل يتجاوز سقف المسموح،  الشجاعة هي المشاركة مع مخرج قادر على تدمير شخصيات العمل، من أجل مصالح شخصيّة”.

ترافقت الانتقادات مع ما ينشره مهندس الديكور في المسلسل “طه محمد” على صفحته عبر “فايسبوك” بصورة دوريّة، مشيراً إلى عيوب الإنتاج وعمليات التصوير في أربيل وتركيا. 

لن نفنّد الانتقادات يل ما يهمنا هو الحميّة الثورية عند المُعلقين بشكل عام، هناك من يرى أن المسلسل نفسه “ثوري” والدفاع عنه خطوة نحو “دراما” حرّة من رقابة الأسد. وهناك من وجد في  “فضح” الكواليس واجباً ثورياً، مقُروناً بالخروج على بشار الأسد ومواجهته. بصورة ما، الحديث عن المسلسل اقترن بموقف سياسي،  خصوصاً أن البعض وجد فيه “بروباغندا مضادة” لما يبثه نظام الأسد، لكنها لم ترتق إلى مستوى الصراع مع ماكينة “البروباغندا الأسديّة”.

اقتصاد المخيّلة

أكّد صناع المسلسل أنه “متخيّل” ولا يشابه الواقع، درءاً لأي اتهام قد يطاله بأنه يحاكي كواليس عائلة الأسد، رغم أن القائمين على العمل يعيشون خارج سوريا، ولا يستطيعون العودة لأسباب لم يعد من داع لشرحها. لكن الإصرار على “المُتخيل” لا ينفي أننا أمام مسلسل من إنتاج دولة تحتضن المعارضة السوريّة، ولها حساباتها المشروعة أيضاً.

تجنّب الإشارة الصريحة إلى أسماء الشخصيات مفهوم، ولا يمكن مقارنته مثلاً بنص مسرحيّة “بيت الوحش” التي صدرت العام الماضي عن دار خان الجنوب،  والتي يستعرض فيها حسين مرعي، دواخل القصر الجمهوري في سوريا.

لكن، لنعد النظر بمفهوم “الجرأة” التي يتغنّى بها القائمون على المسلسل، عندما كانت الدراما السورية تعيش عصرها الذهبي مطلع الألفية الثانيّة، تم إنتاج مسلسل “الوزير وسعادة حرمه” عام 2006. كان يظن صنّاعه أن سقف النقد يرتفع كلما علت رتبة ومكانة الشخصيات التي تتناولها الدراما، لكن النتيجة النهائية كانت مسلسلاً مشابهاً لـ”يوميات مدير عام”، الذي أُنتج عام 1995.

 المسلسلان اللذان لعب دور البطولة فيهما نجم تلك المرحلة، أيمن زيدان، ينتقدان منظومة الدولة من خلال تصوير الحياة اليومية لشخصيات المسؤولين وأقرانهم، وتصوير أروقة المؤسسات العامة؛ فحتى وإن كان المسلسل يُركز على مسؤول شريف، فهو يفضح الفساد، لأنه يبين أن الشرفاء هم الاستثناءات القليلة التي تشُذ عن القاعدة. 

الأمر الذي لا بد من التأكيد عليه، أن تبديل شخصية المدير العام بالوزير، لم يؤثر بشكل فعلي على رفع سقف النقد، لأنه لم يتم استخدام أسماء شخصيات حقيقية، وبقينا في إطار المتخيل، المحكوم بعدم المساس بشخص الرئيس أو أسرته أو حاشيته المقربة، هؤلاء، عصيّون على التخييّل، والأهم، ممنوع تجسيدهم.

في “ابتسم أيها الجنرال”، لم تُذكر أيضاً أسماء صريحة للشخصيات السياسية الفاعلة في سوريا، وفي بداية كل حلقة تظهر العبارة الكليشيه التي تنفي صلة ما يحدث على الشاشة بالواقع. إذاً، بماذا يختلف “ابتسم أيها الجنرال” عن كل ما سبقه؟  ربما يبدو حس النقد فيه أعلى، لأنه صوّر شخصيات المسؤولين وذويهم فاسدين بالمطلق، وأشار بوضوح إلى “رئيس” الدولة، وغابت شخصيات رجالات الدولة الشرفاء والاستثناءات الخيّرة، ناهيك بأن أحداثه تدور في “القصر”، المساحة المحرّم تمثيلها.

نسأل هنا، ما المقصود بالنقد أو ارتفاع سقف النقد؟ هل المقصود تصوير الشخصيات الممنوعة سابقاً؟ أم الإحالة إلى أحداث لم تظهر على الشاشة من قبل بصورة متخيّلة ؟ عادة ما تكون الإجابة هي بتقديم بديل لحكاية ما أو حدث ما، يفضح المتورطين والفاعلين فيه، لكن في حالة “ابتسم إيها الجنرال”، الحكايات مشوشة، ومن دون سبك متخيل أو بديل لما نعرفه من الأخبار الجديّة. السقف إذا هنا معناه حرفيّ، تصوير الرئيس وأسرته، والخلافات بينهم.

يبقى السؤال، كيف نحكم على جرأة مسلسل؟ السؤال هنا جدّي وليس ساخراً، خصوصاً أننا أمام عمل “متخيّل”،  يمكن الإجابة بالقول إن المسلسل حاول تلبية رغبة في المشاهدة لطالما لاحقت المشاهد السوري، رغبة تتمثل بتجسيد شخص الرئيس، حتى لو لم يكن اسمه حافظ أو بشار. 

 هذه “الرغبة” بالمتخيل جعلت المسلسل، مهما كان مستوى “صنعته”، يداعب ما حُرم الجمهور منه، الجمهور الذي يرغب في أن يرى التفاصيل ويشاهدها، أن يرى شخص “الرئيس” يتكلم ويتحرك ويخوض صراعات لا فقط صورة أو نموذج يلقي خطاباً نراه في نشرات الأخبار، وهذا ما يفسر الرأي الذي لاحق المسلسل “الفكرة جريئة لكن التنفيذ سيئ”، لكن أليس التنفيذ هو الأصل والهدف والجدوى؟!

 الجرأة إذاً في محاولة تصوير شخص أحد الأسدين، الشأن الذي كان ممنوعاً على الشاشة الصغيرة، وهذا ما لم نره، بل ترك الأمر لحميّة المشاهدين وقدرتهم على المقارنة، علماً أن “الرئيس” يظهر  في مسلسلات سوريّة تاريخيّة، كأديب الشيشكلي وحسني الزعيم في مسلسل “حمام القيشاني”، لكن من “نراه”  في “ابتسم أيها الجنرال”، يداعب المخيلة والرغبة في أن نرى “الأسد” على الشاشة،  لكن هذا لم يحصل، فالأحداث متخيّلة، وهنا نشأ التوتر بين ما نرغب في أن نراه وبين ما نراه فعلياً.

الشخصية التي يؤديها مكسيم خليل،  قد تكون أي رئيس، في أي بلد له علاقات مع إسرائيل وروسيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية (إن سلمنا أن  المسلسل ليس عن سوريا)، بالتالي، وهنا الحذق، راهن المسلسل على نقص عميق في العالم التلفزيوني الخاص بسوريا، وهو غياب شخص الرئيس ومن حوله وحاشيته، ونقصد رئيساً معاصراً يستخدم هاتف نوكيا، ويتحدى زوجته وأخيه، وينصاع لإرادة والدته.

 نسأل: هل سقف النقد في “ابتسم أيها الجنرال” أعلى من أي مسلسل فانتازي سوري آخر تتمحور حكايته حول ملك أو رئيس أو زعيم عشيرة في فضاء درامي متخيل يمكن إسقاطه على الواقع؟ الدراما السورية قدمت عبر تاريخها عشرات المسلسلات المشابهة، والإسقاطات في بعضها كانت أقوى وأكثر جرأة، مثل مسلسل الفانتازيا التاريخي “الجوارح”، الذي عُرض عام 1995، بعد عام واحد فقط من موت باسل الأسد المثير للجدل، واحتوى اتهاماً مبطناً لهرم السلطة؛ ففي “الجوارح” يقتل زعيم العشيرة “ابن الوهاج” ابنه “أسامة” عندما يتجبّر ويشكل تهديداً على نفوذه. 

المفارقة، أن “ابتسم أيها الجنرال” يشير إلى هذه العلاقة بين “الرقابة” و”المسلسل”، إذ يقولها الجنرال/ مكسيم خليل بوضوح، إن إسكات المثقفين والمعارضين يتم عادة بالسماح لهم بالحديث والتعبير عن آرائهم ضمن “المسلسلات”، وهذا بالضبط ما يثير الاهتمام، ما الذي سُمح بأن يقال في “ابتسم أيها الجنرال”؟

 بعيداً من الرغبة في تخيّل “السيد-The Sovereign”، اللبس أو الحيرة في  الإجابة، سببها أن قراءة المسلسل  تتحرك ضمن “العالم الدرامي السوريّ” و”الواقع الموضوعي” المرتبط بسوريا،  في الوقت ذاته المسلسل إنتاج قطري، ونجومه سوريون، فهل نقارنه بإنتاجات الشركات السوريّة؟ أم شركات الدراما المشتركة؟ والأهم، هو “مُتخيل” كلياً، أي لا علاقة له بالسلطة في سوريا بأي شكل، ويمكن أن “يُسقط” على أي سلطة، بالتالي بما نُقارنه لنحكم؟ هل نكتفي بحذق المشاهد وقدرته على تفسير أي حدث بناء على “الواقع”؟

المثير أن محاولات “التبرؤ” من أي مرجعية تاريخيّة، لا تقتصر على ابتسم أيها الجنرال، التنويه التقليدي عن المخيّلة، نراه أيضاً في بداية مسلسل “العربجي” وغيره من مسلسلات سابقة. هذا التأكيد على براءة المخيّلة مُريب، لمَ التنصل من كل ما يمت الى الواقع  والتاريخ بصلة، وإغاظة الجمهور الذي يبحث عن قالب سرديّ لما “يعرفه”؟. 

لا نمتلك أي تساؤلات عن “الإسقاطات” في المسلسل، فجدار براءة الخيال سميك، والتأكيد على “المُتخيل” يعطّل المشاهدة التعاضدية، تلك التي يتاح لنا إسقاط ما نراه على مرجعياتنا الذاتيّة، والتي هي محصورة بالسوريين، مثلاً لو أن مواطناً مصرياً، شاهد مسلسل “ابتسم أيها الجنرال”، هل سيراه انتهاكاً لتابو “تشخيص” الرئيس السيسي؟ أو سيُقارنه مع الجزء الثالث من مسلسل “الاختيار”، الذي تشخّص فيه شخصية السيسي بكل وضوح.

السيادة السياسيّة ومساحات السطوة

ولادة “السيد” أو “الرئيس” في سوريا محط الأعمال المتخيّلة بعد عام 2011، وتتضح بشدة في الرواية، نقرأها في “السوريون الأعداء” (2014) لفواز حداد، “رقصة القبور” (2016) لمصطفى خليفة، “الغرانيق” (2017) لمازن عرفة، “المئذنة البيضاء” (2022) ليعرب العيسى، و”مزار الدب” (كتبت في الثمانينات ونشرت عام 2022)، لميشيل كيلو، كلها روايات تناقش نشأة الديكتاتور وأسلوب عمله وشخصيته، ودمويته، وإن اختلفت المقاربات الجماليّة.

النصوص السابقة كـ”ابتسم أيها الجنرال”، لا تمكن قراءتها كوثيقة درامية لإدانة العائلة الحاكمة في سوريا، لا لكونه يستخدم الأقنعة والأسماء المستعارة وحسب، بل لكون الأحداث فيه لا تتطابق مع الواقع السياسي الذي نعرفه جيداً، ففي الحلقة الأولى من المسلسل يتم الإشارة إلى أن الأحداث تجري عام 2005، لكن المرجعيات الواقعية لما نشاهده على الشاشة تعود الى أزمنة مختلفة، تراوحت بين عام 1983، حين حاول رفعت الأسد الانقلاب ضد أخيه، وبين عام 2012، حين تم تفجير مبنى الأمن القومي السوري، والحدث الوحيد الذي تم عام 2005 فعلاً هو اغتيال رفيق الحريري، لكنه حدث بظروف وشروط مختلفة تماماً. كما أن الدمج بين شخصيتي حافظ الأسد وبشار الأسد في شخصية “فرات”، والدمج بين شخصيتي رفعت الأسد وماهر الأسد بشخصية “عاصي”، يجعل من مسألة اعتماده كوثيقة ضرباً من الهزل.

فقدان “ابتسم أيها الجنرال” المرجعيات التاريخيّة ينفي عنه صفته المحاكاتيّة للتاريخ، ويعمق فكرة الفانتازيا التاريخيّة، هو كولاج لدولة قمعية ورثها ابن عن أبيه، وهنا الإشكاليّة، استقلال المخيّلة كليّاً، يتركنا أمام مهارة صناعة الحبكة، ونسج الحكايات في كواليس السلطة، الشأن الذي لم يكن موفقاً، ولن نشير هنا إلى المخرج، كون الممثلة ريم علي قالتها بوضوح، لكن ما يهمنا هو المُتخيّل عن السلطة السياسيّة في عالم الفرات الفانتازيّ.

الواضح منذ الحلقة الأولى، أن السلطة في ديكتاتورية الفرات هشّة، إذ إن إشاعة واحدة ضمن سياق شديد الذكوريّة قد تفتتها، وتقسم الأخوة حد العداوة، أي أن “الشرف” ذو سطوة هائلة، تأخذها السيادة السياسية بالاعتبار، فمحرك الأحداث  في المسلسل هو فضيحة جنسية، اتّهمت بها أخت الرئيس وزوجات كبار المسؤولين في الدولة، يحاول النظام السيطرة على الموقف وتدارك الفضيحة لكنه يفشل بالوصول إلى “الدون جوان”، (وضاح فضل الله)، الذي ضاجع أولئك النساء، من دون أن يكتشفه أحد!

القمع إذاً في دولة الفرات غير محكم، لا يوجد “جهاز” كليّ السلطة، حتى الخوف نفسه غير مهيمن، هناك ما ينفلت من “الرقابة” إلى حد الشكّ في أخت الرئيس، لكنْ هناك سؤال، الأب طاغية نعم، أورث ولديه بلداً/ مزرعةً، إنما لمَ الولدان، فرات وعاصي بالذات، دمويّان، هل فعل “القتل” الأول الذي قام به فرات هو الذيّ حوّله إلى جنرال دمويّ سيصفي أعدائه؟ السلطة الأوضح والأشد في المسلسل هي سطوة الأسرة، كل المشكلات سببها خلاف أسريّ، انقلابات، إرهابيون إسلاميون، بل وحتى تدخل إسرائيل… كلها نتائج سوء فهم بين أخ وأخيه، و”مزحة” القنبلة تحت السرير.

كيف يتحدث الرئيس؟  لدينا ما يكفي من الوثائق الحقيقية لنكتشف كيف يتحدث الرئيس، أي رئيس، هناك تسجيلات مسربة للسيسي، اقتباسات متناثرة في الكتب من محادثات سريّة مع الأسد، تسريبات لأخو ملك الأردن، نطرح السؤال لأن الكلام مفرط في المسلسل على حساب الصورة، بل يمكن تدليل الرأي الساخر بأن المسلسل إذاعي أكثر منه تلفزيوني. 

الأحداث “تقال” لا “تؤدى”، لكن، هكذا  “المسلسل السوريّ”، مقارنة بمسلسلات سابقة، عيوب الإطالة والكلام عوضاً عن الفعل موجودة دائماً، وربما هذه النقطة بالضبط  هي ما أضرت بـ”ابتسم أيها الجنرال” على الصعيد الفنيّ، هو مسلسل سوريّ فانتازيّ، أحداثه غير واقعية ومُستمدة من الخيال.

لنعود إلى العوالم التي تدور فيها الحكاية، يمكن عدّها داخل دولة الفرات، وهي: القصور المغلقة للرئيس وأخيه وأسرتيهما، المستشفى، مكاتب رجال الأعمال، سجن سريّ، معتقل سريّ، شقّة، قاعة اجتماع ضباط الجيش. وفي الدولة الشقيقة هي قناة تلفزيونيّة، ساحة عامة، مخفر شرطة ومغارة للجهاديين. 

 نسأل هنا عن مساحة سطوة السيد، التي نكتشف أنها محدودة، لا يمتلك سيادة على أي منها بصورة كليّة، يمكن أن يعزى ذلك إلى الصراع، أو تقاسم السلطة، أو السياسة، هذه المساحة المشتتة، الهشة، تُستعاد السيطرة عليها عبر استخدام أضعف أدوات الحبكة تاريخياً، آلة الإله-  deus ex machina، فجأة تظهر”إسرائيل” وتحل كل المشاكل، ويفوز “الجنرال” على كلّ خصومة. لن نعلق أكثر، لكن الجدير بالذكر أن أداة الحبكة هذه، تستخدم عادة في الكوميديا، حين ينهار كل شيء، يهبط “الإله” ويحل كلّ المشكلات، ويعم السلام، والأهم، الضحك.

الأسئلة التي نطرحها بصيغة تعجبيّة واستفهاميّة لها إجابات. الاختلاف في الإجابات يتعلق  بدرجة الإقناع، تلك التي ترتبط ببناء العمل نفسه، وقدرته على تنويع الإجابات عنها. هي أسئلة تُطرح على أي عمل فنّي، مثلاً، يقال إن عطيل ذات أضعف حبكة ضمن مسرحيات شكسبير، لأنه ببساطة، أن يجد عطيل منديل ديزدمونة “صدفة” على الأرض، شأن غير منطقي، هو مهرب من بناء الصراع. الأمر ذاته يطرح على هاملت، هل من المعقول أن يصدق الجامعي المثقف شبحاً خاطبه ليلاً؟، البعض قد يقول نعم والبعض الآخر لا، ولكل أسبابه. درجة الإقناع هنا هي الحكَم. بعيداً من شكسبير، وتفادياً للاتهامات، هل من المعقول أن شوارب “الفوال محمود” في أيام شامية هي محرّك كل الأحداث؟ هل من المعقول أيضاً أن تقترب دولة قمعية كدولة الفرات من حرب أهليّة، بسبب عدم ثقة أخوين بـ”براءة” أختهما من إشاعة نفتها هي نفسها؟.

أسئلة عن الأداء

كان واضحاً للمشاهدين تفاوت مستويات الأداء في المسلسل بين النجوم والممثلين المحترفين، وبين الشخصيات الثانويّة، تلك الصامتة، التي تبدو كأنها مدركة وجود كاميرا تصوّرها، كالمونولوج الطويل الذي أنجزه “المشخصاتي” الذي يؤدي دور ابن أنيس الرومي (مازن الناطور)، أثناء وجوده في القبو مع والده، كنا أمام درس في “سوء الأداء” لا يحسد عليه أحد، ولا يلام عليه سوى المخرج.

لكن، مَن نحن لنحكم على الأداء؟ هذا السؤال مشروع كوننا بدقة، لا نعلم ما هو الأداء الجيّد، العاطفي؟ المفرط في جديته؟ ذاك الذي يختلف فيه أداء الممثل من شخصية إلى أخرى، كلمات كـ”التمكن من الأداء” و”الإبهار العاطفي” غير حقيقية، يبقى أمامنا أن نقارن الأدوار التي أداها الممثل نفسه، وقدرتها في الاختلاف عنه شخصياً.

تفاوت الأداء يتضح حين مقارنة الشخصيات الرئيسيّة مع أدوارها السابقة، اقتصاد الأفعال لدى مكسيم خليل جعله الأكثر جاذبيّة، كونه عابساً، ويعلو صوته وينخفض في الوقت المناسب، والأهم، الكاميرا دائماً موجّهة نحوه.

 تمرّس عبد الحكيم قطيفان، بأداء دور “المسؤول” وحفظه عن ظهر قلب، فهو الأكثر إقناعاً، كوننا لم نعرفه سوى هكذا (وهنا مبالغة)، أما غطفان غنوم، فالكثيرون أشادوا بأدائه  العاطفي واعتبروه اكتشاف المسلسل، رغم الانتقادات التي وُجهت الى المخرج.  قد يكون ذلك منطقياً، لأن المبالغة بالأداء (Over acting) أفضل من عدمه؛ لكن هل كان غطفان غنوم الذي انطبع بزيه العسكري في مخيلتنا مقنعاً حقاً؟ هل القائد الفعلي للجيش، وأخو الرئيس، و”زعيم العسكر” انفعاليّ إلى هذا الحدّ؟

بدت ريم علي الأكثر تمسكاً بالمرجعية الواقعية للشخصية، لكنها لم تميّز بين الطريقة التي تتحدث فيها السيدة الأولى بخطاباتها وبين الطريقة التي تتحدث بها مع عائلتها وفي الحياة اليومية؛ والمشاهد التي صورها المسلسل عن وجود مدربة، تعلّم زوجة الرئيس كيفية تقطيع الحوارات في الخطابات الرسمية، تفضح عيوب الأداء. 

بالنسبة الى عزة البحرة وسوسن أرشيد، فالمشكلة في أدائهما هي العكس تماماً، تشعر أثناء متابعة مشاهدهما أنك تتابع مسلسلاً آخر، لأن الطريقة التي تؤديان بها أدوارهما لا توحي إطلاقاً بأنهما أفراد في العائلة الحاكمة؛ مع الأخذ بالاعتبار أن الحوارات الضعيفة لم تخدمهما إطلاقاً، وقد تكون السبب في هذه المشكلة. رغم كل ذلك، تبقى مشاهد القصر الرئاسي هي الأفضل، فكلما ابتعدنا عنها يصبح الأداء أقل إتقاناً.

المشكلة أساساً في النص

هل كتب سامر رضوان نصاً يستحق هذا الاحتفاء كله؟ وهل كانت المشكلة فعلاً بالإخراج أو الإضاءة الخافتة أو بأداء الكومبارس غير المقنع؟  كُتبت تعليقات وآراء نقدية كثيرة، حاولت أن تكون (متوازنة) والتي ارتدى أصحابها قناع الموضوعية، لتشير إلى ضعف كل العناصر الفنية باستثناء أداء النجوم  والنص، الذي بدا كاتبه يتمتع بحصانة ترفّعه فوق النقد. فهل كان النص جيد حقاً؟ 

إذا حاولنا أن نجرد الحكاية عن مرجعياتها الواقعية، التي يتبرأ منها المسلسل بجملة تُكتب على الشاشة في بداية كل حلقة، فالنص سيغدو الأقل اكتمالاً، لأن حكاية “ابتسم أيها الجنرال” غير مكتملة المعالم، يملأ فراغاتها المشاهد السوري من خلال ربط شخصيات المسلسل وأحداثه بما يناظرها في الواقع السياسي السوري؛ وبالتالي فإن الإنتماء أو إدراك الواقع السياسي السوري هو شرط أساسي للتلقي. فعلى سبيل المثال، الاتفاق مع إسرائيل لا يكسب قيمته الدرامية في المسلسل من دون المرجعية الواقعية عن علاقة النظام السوري بإسرائيل. ومن ناحية أخرى، لا تبدو الحكاية مُشبعة لهذه الشريحة من الجمهور، التي سمعت وقرأت شهادات كثيرة عن جرائم النظام السوري، التي تبدو أمامها أحداث المسلسل كنكتة. 

الأقل تماسكاً في المسلسل -نصاً- هي الحبكات الثانوية، إذ إنها لا تضيف أي قيمة جمالية أو درامية إلى الحبكة الرئيسية؛ كل الحكايات تشبه بعضها، شخصيات مشيطنة ذات مناصب قيادية في الدولة، ذات رُتب مختلفة، لكن ردود فعلها متشابهة بمسألة “الشرف” والفضائح الجنسية التي كانت المدخل الأساسي لكل الحكايات في المسلسل، بما فيها الخط الدرامي الذي تجري أحداثه في الزمن الماضي.

 الشعب مُغيب تماماً في بلاد الفرات، ولا يُترك له أي هامش للتعليق على الوضع العام، وحتى الخدم والطباخين والحراس في القصور، هم مجرد كومبارس صامت، لا ينطقون ببنت شفة، وحضورهم بهوامش المشاهد مجاني، لا يُقدم ولا يُؤخر، الاستثناء الوحيد هو العائلة التي تلجأ إليها أخت الرئيس “سامية”، وهذا النموذج الوحيد لا يُحسن استخدامه، فهو لشخصية رجل متحرش، يحوّل أخت الرئيس إلى ضحية في هذا الخط من الحكاية، لكنها ضحيّة سرعان ما تتجاوز الاتهام، وتنسى ما رأته وما اختبرته. المفارقة أن “الشعب” ظهر هنا كمخبأ غير آمن، فلا أمان لأحد في بلاد الفرات، والأهم، لا يمكن الوقوف بوجه هذه السلطة لا من داخل العائلة ولا من خارجها، لا تقنيات لمقاومتها أبداً، عدميّة سياسيّة هنا لا يمكن إلا ملاحظتها.

نلاحظ أيضاً في “ابتسم أيها الجنرال”، أن الكاتب بدا حريصاً على شيطنة جميع الشخصيات، فلا مكان للخير أبداً. هذه الرغبة في شيطنة الجميع أدت إلى خلل درامي والتباسات في الحبكة، منها: مشهد التفجير الأخير، الذي تم تحميل أطراف عدة مسؤوليته بشكل غير منطقي؛ نشاهد “أنيس الرومي” يأمر ويخطط للتفجير، ونشاهد “حيدر” و”فرات” يتفقان ويخططان لتنفيذ التفجير ذاته، الذي كان من المفترض ألا يعلم به “أنيس”، الذي يجب أن يتم التخلص فيه منه مع كل الحرس القديم!.

نعود هنا الى سؤال سامر رضوان نفسه، عن الشرطيّ في رأسه، هل تمكن من مواجهته؟ هل ما زال هذا الشُرطيّ يضبط ما يقال وما لا يقال، والأهم، ما جنسيّة هذا الشرطي؟ وهل يضبط المخيّلة بالمال أم العصا؟.