تركيا: اللجوء السوري لاعب أساسي في الجولة الرئاسية الثانية 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

استنفار الحملات والخطابات العنصرية تجاه اللاجئين حالياً، يعود بشكل أساسي إلى نيات المعارضة وسياستها الإعلامية، فاللعب على وتر كراهية “الأجانب”، وجعله المحدِّد لخيار الناخب التركي، يشكّل مكسباً شعبياً للمعارضة هي في الواقع بأمسّ الحاجة إليه.

يتصدّر ملف اللجوء السوري في تركيا الخطابات الانتخابية لحشد الأصوات، قبيل الجولة الثانية في 28 أيار/ مايو، التي ستحدد مصير الرئاسة وتوجهات البلاد في السنوات المقبلة. 

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يواجه أزمة شعبية حقيقية، وإن كان لن يُهزم بالضرورة، إلا أنه يواجه وابلاً من الانتقادات الشعبية ومن المعارضة حول إدارته أزمة اللجوء، وبخاصة السوري، وهو ما يُعرّض شعبيته الكبيرة إلى خطر القضم والانحسار. 

وقبل الجولة الثانية بأيام، أخذت المعارضة وزعيمها المرشح الرئاسي كمال كيليجدار أوغلو، الانتخابات إلى مكان آخر. ما عاد النقاش في البلاد حول قضية اللجوء وبضع قضايا أخرى كالاقتصاد والعلاقة مع أوروبا وشؤون التنمية المحلية، إنما بات شبه محصور في كيفية التخلص من اللاجئين وحلّ “أزمة اللجوء”. 

استنفار الحملات والخطابات العنصرية تجاه اللاجئين حالياً، يعود بشكل أساسي إلى نيات المعارضة وسياستها الإعلامية، فاللعب على وتر كراهية “الأجانب”، وجعله المحدِّد لخيار الناخب التركي، يشكّل مكسباً شعبياً للمعارضة هي في الواقع بأمسّ الحاجة إليه. 

قال أوغلو صراحة، “نحن ترشحنا لتخليص تركيا من الإرهاب واللاجئين”، وشدد في خطاب آخر على “أننا نريد إعادتهم جميعاً إلى بلادهم بغضون سنتين”، مشيراً إلى أن الحزب الحاكم “باع الجنسية التركية للأجانب للحصول على أصوات مستوردة”. 

الجولة الأولى من الانتخابات كانت شهدت “موجة قومية” على حد تعبير أوغلو، فرأى أنه لا بد من تغيير الخطاب السائد، “ليكون أكثر قومية، لأننا تلقينا رسالة أمتنا، ونحن نفهم ما تريده”. هذه النظرة القومية ليست غريبة عن المجتمع التركي في جميع الأحوال، وهي مستلة من أفكار المنظر التركي الأشهر وعالم الاجتماع ضيا غوكالب (1875-1924)، الذي راجت أفكاره خلال العهد “الأتاتوركي”، والقائمة، بشكل أساسي، على رفع شأن كل عنصر تركي والحط من كل العناصر، وحتى الشعوب الأخرى.

إقرأوا أيضاً:

تبعاً لذلك، راح أعضاء “الحزب الجمهوري” ومجمل حلفاء كيليجدار أوغلو، يزيدون من حدّة الخطاب القومي القائم على العنصرية، فضُخمت الأرقام وكثُر التصويب والتحليلات حول تأثير اللجوء على الأمن والسلام الاجتماعي والاقتصاد التركي. ما عاد عدد اللاجئين السوريين حوالى 3.6 مليون كما تقول الوزارات التركية والمنظمات الدولية، بل 8 ملايين حيناً و13 مليوناً أحياناً أخرى بحسب رئيس حزب “الظَفر” أوميت بوزداغ. بات اللاجئون مسؤولين عن كل شيء سيئ يحصل في تركيا، من ارتفاع فاتورة الكهرباء وكلفة التنقل، إلى ديون تركيا المتراكمة وعلاقتها السيئة مع دول الغرب، مروراً بالمشادات الكلامية وضرب السكاكين بين الشبان على شواطئ البحر الأسود. 

مع تزايد حدة الخطاب القومي والعنصري تجاه اللاجئين، بات على إردوغان عمل شيء، فهَمّ الفوز عنده في ولاية رئاسية جديدة أهم بكثير من أوضاع اللاجئين وظروفهم. هذا وكان قد تعهد سابقاً، ولأكثر من مرة، بـ”حماية إخواننا السوريين، لأننا نعمل تبعاً لقيمنا الإسلامية”، إلا أنه الآن بات أقل جزماً تجاه القضية، ويرى “أن إعادتهم باتت قريبة وتنقصها ظروف مؤاتية”.

في موازاة ذلك، راحت المؤسسات الرسمية تعلن بشكل استثنائي عن أعداد السوريين الذين غادروا تركيا. إذ أصدرت “إدارة الهجرة التركية” بياناً رسمياً يوم الأحد الماضي، وهو يوم عطلة رسمية، يتضمن أرقام السوريين الذي غادورا تركيا وعادوا طوعياً إلى بلادهم، وقدرت عددهم بـ554 ألفاً و107 سوريين عادوا إلى “المناطق الآمنة” التي يسيطر عليها الجيش التركي شمال سوريا. هذا ولم تكتفِ هذه الإدارة بذلك، بل راحت بعض مكاتبها المحلية في المحافظات تنشر أعداد الذين غادروها إلى بلادهم.

هذا ويبدو توقيت هذه البيانات ومضمونها أقرب إلى دعاية انتخابية “إردوغانية” تريد القول للناخب التركي إن الدولة والحزب الحاكم ورئيس البلاد يعملون على حل قضية اللجوء، وأنهم ليسوا ضد العودة بالمطلق إنما يعملون عليها بعقلانية وتأنٍّ قدر المستطاع.

لم ينجر إردوغان وحزبه كثيراً في “الحرب الإعلامية” التي تشنها المعارضة في موضوع اللجوء، أقله إلى الآن. وربما تكون هذه حنكة إعلامية إردوغانية أو ربما مجرد ضعف وعجز عن رد يشفي قلوب الأتراك، وبخاصة القوميين منهم. في جميع الأحوال، هذه العقلانية الإردوغانية قد تفيده في الانتخابات بعض الشيء، لكن الأكيد أنها لن تشفع له في نسيان من أرسل اللاجئين الى الموت في معارك غير متكافئة في سوريا أو في غض النظر عنهم للهجرة والموت في البحر صوب أوروبا. 

يبقى أن خطاب المعارضة العنصري هو أداتها شبه الحصرية لمقارعة إردوغان، الأمر الذي يُثبت مدى سطحية وضعف المعارضة ككل ومرشحها الرئاسي في هزيمة رجل حكم تركيا وتسيّد عليها منذ أكثر من عقدين من الزمن. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني